مقالات

خالد جزر.. يكتب: ماذا يفعل السيسي بالتعليم في مصر؟

هناك أسئلة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها كلما اقتربنا من تفاصيلها اكتشفنا أنها أكبر من مجرد إجابة مباشرة.. ماذا يفعل الرئيس السيسي بالتعليم في مصر؟ قد تبدو الإجابة في تطوير المناهج، وتأهيل المعلمين، وخفض كثافات الفصول، وإدخال البرمجة والذكاء الاصطناعي، والاستفادة من الخبرات الدولية، لكن جوهر المشهد يتجاوز كل ذلك؛ فالسؤال الأهم ليس ماذا يتغير في المدرسة، وإنما أي إنسان تريد مصر أن تصنعه من خلال التعليم؟ وهنا تبدو الرؤية أبعد من تطوير مبنى أو تعديل منهج، إلى إعادة تعريف المدرسة باعتبارها مساحة لإعداد إنسان قادر على التفكير والتعلم والمنافسة في عالم يتغير كل يوم.

ولأن تطوير الطالب يبدأ بمن يقف أمامه، جاءت مسألة تأهيل المعلمين والقيادات التربوية في قلب المشهد، باعتبارها استثمارًا مباشرًا في «رأس المال البشري» داخل المؤسسة التعليمية نفسها. ومن هنا تكتسب برامج التدريب والتعاون مع مؤسسات تعليمية دولية، والاستفادة من تجارب مثل التجربة اليابانية، إلى جانب برامج الأكاديمية العسكرية المصرية، دلالتها الحقيقية؛ فالمقصود ليس نقل نموذج جاهز، وإنما بناء قيادة تعليمية تمتلك أدوات الإدارة والانضباط والتفكير المؤسسي واتخاذ القرار، وقادرة على تحويل المدرسة إلى مؤسسة أكثر كفاءة في صناعة التعلم. فالمعلم المؤهل والقيادة القادرة هما الحلقة التي تحول أي تطوير من قرارات مكتوبة إلى واقع يلمسه الطالب داخل الفصل.

وفي اجتماع الرئيس عبدالفتاح السيسي مع وزير التربية والتعليم ومدير الأكاديمية العسكرية المصرية، جاءت التوجيهات واضحة ومباشرة: رفع كفاءة الكوادر، تطوير آليات اختيار وإعداد المعلمين، تأهيل القيادات التربوية، وخفض كثافات الفصول وسد العجز في المعلمين، بالتوازي مع التوسع في البرمجة والذكاء الاصطناعي والاستفادة من الخبرات الدولية. وعندما توضع هذه الملفات في صورة واحدة، يتضح أنها ليست إجراءات منفصلة، وإنما حلقات مترابطة في مشروع لإعادة بناء المنظومة التعليمية من الداخل؛ فالفصل الأقل ازدحامًا يمنح الطالب فرصة أفضل، والمعلم المؤهل يمتلك أدوات أكثر تأثيرًا، والقيادة المدربة تستطيع إدارة المدرسة بكفاءة، والتكنولوجيا تفتح أمام الطالب أبوابًا جديدة للمستقبل. وهنا يظهر المعنى الحقيقي للاستثمار في الإنسان؛ فكل مشروع تنموي، مهما بلغ حجمه، يحتاج في النهاية إلى إنسان يديره ويطوره ويحافظ على استمراره، ولذلك فإن بناء الإنسان هو الاستثمار الأطول عمرًا والأبعد أثرًا.

لكن نجاح أي إصلاح تعليمي لا يُقاس بعدد القرارات أو البرامج والشراكات، وإنما بما يحدث في النهاية داخل الفصل: ماذا يتعلم الطالب؟ كيف يفكر؟ وماذا يستطيع أن يفعل بما تعلمه؟ وهل أصبح المعلم أكثر قدرة على أداء دوره؟ وهل أصبح الخريج أكثر استعدادًا لسوق عمل يتغير بسرعة؟ تلك هي الأسئلة التي سيجيب عنها الزمن. وربما لهذا فإن ما يجري في التعليم لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تغيير في «شكل المدرسة»، وإنما محاولة لإعداد مصر لعالم جديد؛ عالم لن تكون فيه المعرفة وحدها كافية، ولن يكون المستقبل من نصيب الأكثر حفظًا، وإنما للأكثر قدرة على التعلم والتكيف والابتكار.. وهنا تحديدًا نفهم ماذا يفعل الرئيس السيسي بالتعليم في مصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى