
التفكير السياسي الإبداعي وإعادة هندسة الصراع الجيوسياسي: نحو مقاربة جديدة لخفض التصعيد وبناء مسارات التسوية
د. حمدي محمود – باحث متخصص في الشؤون الدولية والإستراتيجية المعاصرة
في ظل عالم تتداخل فيه الجغرافيا مع التكنولوجيا، والاقتصاد مع الأمن، والمعلومات مع صناعة القرار، وتتسارع فيه التحولات الدولية بصورة تفوق قدرة الأدوات التقليدية على الاستيعاب، يصبح التفكير السياسي الإبداعي أكثر من مجرد مهارة نخبوية أو قدرة فردية لدى صانع القرار؛ إنه يتحول إلى ضرورة استراتيجية لإعادة هندسة الصراع، وتوسيع مساحة الخيارات، والبحث عن مسارات تستطيع من خلالها الأطراف المتنافسة الانتقال من منطق الاستنزاف إلى منطق إدارة المصالح، ومن منطق فرض الإرادة إلى منطق إنتاج التسويات.
إن إعادة النظر في طبيعة الصراع الجيوسياسي تقتضي في البداية تجاوز الفكرة التقليدية التي تتعامل معه بوصفه مواجهة بين إرادات متناقضة لا يمكن التوفيق بينها. فالتاريخ السياسي يبين أن كثيرًا من الصراعات التي بدت في لحظات معينة مستعصية على الحل لم تكن مستحيلة التسوية بقدر ما كانت تفتقر إلى التصور السياسي القادر على إعادة تعريفها. وقد تكون المشكلة أحيانًا ليست في غياب الحل، وإنما في ضيق الخيال السياسي الذي يبحث عن الحل داخل الحدود نفسها التي أنتجت الأزمة. وحين تصبح الخيارات محصورة بين التصعيد والتراجع، أو بين الحرب والاستسلام، أو بين الانتصار والهزيمة، فإن صانع القرار يجد نفسه داخل ما يمكن وصفه بـ«سجن الخيارات التقليدية»، حيث يتحول القرار السياسي إلى رد فعل على الأحداث بدل أن يكون أداة لإعادة تشكيلها. ومن هنا تبرز قيمة التفكير السياسي الإبداعي بوصفه قدرة على إنتاج خيار ثالث لا يكون مجرد حل وسط بين موقفين، وإنما إعادة صياغة للمشكلة نفسها بحيث تتغير طبيعة العلاقة بين الأطراف، وتتسع مساحة الممكن سياسيًا.
ولا يعني التفكير السياسي الإبداعي تجاهل المصالح الوطنية أو إضعاف اعتبارات الأمن القومي، بل يعني البحث عن وسائل أكثر ذكاءً لحمايتها. فالدولة التي تتمسك بمصالحها لا تكون بالضرورة أكثر قوة من الدولة التي تمتلك القدرة على إعادة ترتيب هذه المصالح وفق أولويات متغيرة. وفي البيئة الجيوسياسية المعاصرة، لم تعد القوة تقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية أو الناتج الاقتصادي أو مساحة النفوذ، وإنما أصبحت تقاس كذلك بقدرة الدولة على المناورة، وتعدد خياراتها، وقدرتها على التأثير في سلوك الخصوم والحلفاء، وإنتاج المبادرات، وإعادة تعريف الأزمات قبل أن تتحول إلى صراعات مفتوحة. ولذلك يمكن النظر إلى التفكير الإبداعي باعتباره أحد أشكال القوة الاستراتيجية الناعمة التي تمنح الدولة قدرة أكبر على الحركة داخل البيئات المعقدة، لأن الدولة التي لا تمتلك إلا خيارًا واحدًا تصبح أسيرة لهذا الخيار، بينما الدولة التي تستطيع إنتاج عشرة خيارات مختلفة تكون أكثر قدرة على التحكم في مسار الأزمة وأقل تعرضًا للابتزاز الاستراتيجي.
وتتأسس إعادة هندسة الصراع الجيوسياسي على مبدأ بالغ الأهمية، هو أن الصراع ليس معطى ثابتًا، وإنما عملية سياسية قابلة لإعادة التشكيل. فالمصالح التي تبدو متعارضة بصورة مطلقة قد تحتوي في داخلها على مساحات واسعة من المصالح المشتركة، كما أن القضايا التي تبدو صفرية قد تتحول إلى قضايا قابلة لإدارة مشتركة إذا جرى تغيير إطار النظر إليها. فالمياه، على سبيل المثال، قد تُعرَّف باعتبارها موردًا استراتيجيًا تتصارع الدول على السيطرة عليه، لكنها يمكن أن تُعاد صياغتها باعتبارها مجالًا للتعاون الإقليمي في إدارة الأحواض المائية، والاستثمار المشترك، والأمن الغذائي، وتبادل البيانات والخبرات. والطاقة التي يمكن أن تتحول إلى أداة للضغط السياسي يمكن كذلك أن تصبح أساسًا للاعتماد المتبادل وبناء شبكات مصالح تقلل من دوافع الصدام. والممرات الاستراتيجية التي تُعامل باعتبارها ساحات للتنافس يمكن تحويلها إلى منصات للتعاون الاقتصادي والأمني. وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين التفكير الذي يتعامل مع الواقع باعتباره قدرًا ثابتًا، والتفكير الذي يرى في الواقع مادة قابلة لإعادة البناء السياسي.
ومن أهم وظائف التفكير السياسي الإبداعي كسر أسر التفكير الصفري الذي يحكم جانبًا كبيرًا من العلاقات الدولية. فالتنافس الجيوسياسي يصبح أكثر خطورة عندما تتعامل الأطراف مع القوة والنفوذ والموارد باعتبارها كميات ثابتة لا يمكن زيادتها، بحيث يصبح توسيع نفوذ دولة ما تهديدًا تلقائيًا للدول الأخرى. أما التفكير الإبداعي فيبحث عن إمكانية خلق قيمة سياسية واقتصادية وأمنية جديدة تجعل التعاون في بعض المجالات ممكنًا حتى مع استمرار التنافس في مجالات أخرى. وهذا يقود إلى مفهوم بالغ الأهمية يتمثل في «التعايش مع التنافس»، أي الاعتراف بأن العلاقات الدولية لا تحتاج بالضرورة إلى الانتقال من الصراع الكامل إلى التحالف الكامل، وإنما يمكن أن تقوم على تركيبة أكثر واقعية تجمع بين المنافسة والتعاون في الوقت نفسه. فقد تختلف دولتان حول قضايا استراتيجية كبرى، ولكنهما تستطيعان في الوقت ذاته التعاون في التجارة أو البيئة أو مكافحة الجريمة العابرة للحدود أو إدارة الكوارث أو أمن الممرات البحرية. وكل مساحة تعاون من هذا النوع تمثل في حد ذاتها آلية لتقليل احتمالات الانزلاق إلى المواجهة الشاملة.
ولا يمكن إعادة هندسة الصراع دون إعادة هندسة مفهوم التهديد نفسه. فكثير من الأزمات الجيوسياسية تتضخم لأن كل طرف يقرأ الإجراءات الدفاعية للطرف الآخر باعتبارها إجراءات هجومية، وهو ما يؤدي إلى دائرة متصاعدة من الشك وانعدام الثقة. الدولة تزيد قدراتها العسكرية خوفًا من خصمها، فيفسر الخصم هذا التوسع باعتباره استعدادًا للهجوم، فيزيد بدوره من قدراته، فتعود الدولة الأولى إلى مزيد من التسلح، وهكذا يتحول الخوف المتبادل إلى واقع أمني متوتر. هنا يمكن للتفكير السياسي الإبداعي أن يتدخل من خلال بناء ترتيبات شفافية واتصال مباشر وآليات للإنذار المبكر وتبادل المعلومات وتحديد قواعد الاشتباك وإنشاء قنوات خلفية للتواصل، بحيث لا يصبح الأمن الوطني لطرف ما قائمًا على إنتاج شعور دائم بانعدام الأمن لدى الطرف الآخر. وبهذا تنتقل المعادلة من مفهوم «أمن في مواجهة الآخر» إلى مفهوم «أمن متبادل»، ليس باعتباره شعارًا مثاليًا، وإنما باعتباره وسيلة عملية لتقليل مخاطر سوء التقدير.
ويتمثل أحد أكثر الأدوار أهمية للتفكير السياسي الإبداعي في إنتاج «المخارج الآمنة» للأطراف المتصارعة. فبعض الصراعات تستمر ليس لأن أطرافها لا ترغب في التسوية، وإنما لأن تكلفة التسوية السياسية على المستوى الداخلي تبدو أعلى من تكلفة استمرار الصراع. فقد يخشى القائد السياسي أن يُفسر أي تنازل باعتباره ضعفًا، أو أن تواجه حكومته اتهامات بالتراجع، أو أن يؤدي الاتفاق إلى فقدان المكانة والهيبة. ولذلك فإن أي تسوية مستدامة تحتاج إلى أن تمنح كل طرف إمكانية تقديمها أمام جمهوره باعتبارها إنجازًا وليس هزيمة. وهنا لا يكون دور الدبلوماسية هو البحث فقط عن «الحل الصحيح»، وإنما عن «الحل القابل للحياة السياسية». فالتسوية الناجحة ليست بالضرورة تلك التي تحقق كل مطالب الأطراف، وإنما تلك التي تسمح لكل طرف بالحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة والمصلحة والشرعية، وتمنحه مبررًا سياسيًا للانتقال من المواجهة إلى التفاوض.
وفي هذا السياق، يصبح التفاوض ذاته عملية إبداعية لا مجرد تبادل للمطالب. فالمفاوض التقليدي قد يدخل إلى طاولة التفاوض بقائمة من المطالب التي يريد انتزاعها، بينما يدخل المفاوض المبدع بقائمة من الأسئلة التي يريد إعادة صياغتها. بدلًا من السؤال: «من يحصل على ماذا؟»، يمكن أن يصبح السؤال: «كيف يمكن إنتاج ترتيب جديد يجعل الحصول على المصالح الأساسية ممكنًا لأكثر من طرف؟». وبدلًا من السؤال: «من يسيطر على المورد؟»، يمكن طرح سؤال: «كيف يمكن إدارة المورد بصورة تحقق الأمن والمصلحة للطرفين؟». وبدلًا من السؤال: «مَن ينتصر؟»، يصبح السؤال: «كيف نمنع أن يتحول انتصار طرف إلى بداية جولة جديدة من الصراع؟». إن تغيير الأسئلة في كثير من الأحيان يسبق تغيير الإجابات، وتغيير إطار المشكلة قد يكون أكثر تأثيرًا من البحث عن حل داخل الإطار القديم.
كما أن التفكير السياسي الإبداعي يفرض انتقالًا من الدبلوماسية التفاعلية إلى الدبلوماسية الاستباقية. فالدبلوماسية التقليدية تتحرك في كثير من الأحيان بعد أن تتراكم الأزمة وتصبح تكلفة التدخل مرتفعة، بينما تقوم الدبلوماسية الإبداعية على مراقبة الاتجاهات، وتحليل الإشارات المبكرة، ورصد التحولات في الخطاب السياسي والعسكري والإعلامي، وتحديد نقاط الانكسار التي يمكن أن تنتقل عندها المنافسة من مستوى يمكن احتواؤه إلى مستوى يصعب التراجع عنه. ومن ثم فإن التفكير الإبداعي لا ينتظر انفجار الأزمة حتى يبحث عن حل، وإنما يحاول اكتشاف اللحظة التي لا يزال فيها الحل ممكنًا بأقل تكلفة. وهذا يعني أن الوقاية من الصراع ليست مجرد وظيفة أمنية، بل وظيفة معرفية وسياسية تقوم على امتلاك القدرة على رؤية ما وراء الحدث، وقراءة الاتجاه قبل أن يتحول إلى واقع، وفهم الاحتمالات قبل أن تصبح حقائق.
ومن هنا تبرز أهمية السيناريوهات في إعادة هندسة الصراعات الجيوسياسية. فصانع القرار الذي يفكر في سيناريو واحد يصبح رهينة لهذا السيناريو، بينما صانع القرار الذي يبني مجموعة من السيناريوهات يستطيع أن يتعامل مع عدم اليقين باعتباره مجالًا للمناورة لا مصدرًا للعجز. التفكير في «ماذا لو؟» يصبح أداة استراتيجية لإعادة توسيع أفق القرار. ماذا لو تغيرت موازين القوى؟ ماذا لو تعطل مسار التفاوض؟ ماذا لو تصاعدت الضغوط الداخلية؟ ماذا لو تدخل فاعل جديد؟ ماذا لو حدثت أزمة اقتصادية أو أمنية مفاجئة؟ وماذا لو كان بالإمكان تحويل الحدث الذي يبدو تهديدًا إلى فرصة لفتح مسار جديد؟ إن السيناريوهات لا تتنبأ بالمستقبل بالضرورة، لكنها تمنح صانع القرار القدرة على الاستعداد لأكثر من مستقبل محتمل، وهذه القدرة ذاتها يمكن أن تقلل من احتمالات المفاجأة وسوء التقدير.
وتزداد أهمية هذا المنظور في ظل التحولات العميقة التي أحدثتها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في صناعة القرار الجيوسياسي. فالحروب والصراعات لم تعد تدور فقط على الأرض وفي البحر والجو، وإنما امتدت إلى الفضاء السيبراني، وسلاسل الإمداد، والبيانات، والمنصات الرقمية، والرأي العام، والبنية المعلوماتية. وأصبح من الممكن أن يؤدي تضليل معلوماتي أو حملة رقمية أو خوارزمية مؤثرة إلى رفع مستوى التوتر بين دولتين دون أن يحدث أي تغير مباشر في ميدان العمليات التقليدية. لذلك يحتاج التفكير السياسي الإبداعي إلى دمج التحليل التكنولوجي مع التحليل الجيوسياسي، وإلى فهم كيف يمكن للمعلومات أن تهدئ الصراع كما يمكن أن تؤججه، وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تُستخدم في بناء أنظمة للإنذار المبكر، ورصد مؤشرات التصعيد، ومحاكاة ردود الأفعال، واختبار البدائل السياسية قبل اتخاذ القرارات. غير أن هذه الأدوات، مهما بلغت قوتها، ينبغي أن تظل في خدمة الحكم السياسي والوعي الإنساني، لأن الخوارزمية تستطيع تحليل الاحتمالات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحدد قيمة السلام أو كلفة الألم الإنساني.
إن إعادة هندسة الصراع الجيوسياسي تتطلب كذلك تجاوز احتكار الحكومات لمسارات صناعة السلام. ففي عالم شديد التعقيد، قد تكون القنوات الرسمية عاجزة أحيانًا عن تحقيق اختراق عندما تكون العلاقات السياسية متوترة أو عندما تكون كلفة التواصل المباشر مرتفعة. وهنا يمكن للجامعات ومراكز الفكر والمنظمات الإقليمية والنخب الاقتصادية والمجتمع المدني والدبلوماسية الشعبية أن تؤدي أدوارًا مهمة في بناء قنوات موازية للحوار. ولا يعني ذلك إضعاف الدبلوماسية الرسمية، وإنما دعمها بمساحات إضافية يمكن من خلالها اختبار الأفكار، وبناء الثقة، وتخفيف سوء الفهم، وإنتاج تصورات جديدة قبل أن تصل إلى المستوى الرسمي. وفي كثير من الحالات، يبدأ الحل السياسي كفكرة صغيرة خارج دوائر القرار، ثم يتحول مع الوقت إلى خيار قابل للتطبيق عندما تتغير الظروف السياسية.
والأهم من ذلك أن التفكير السياسي الإبداعي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد تقنية للتفاوض أو مجموعة من الأدوات الإجرائية، بل يجب أن يقوم على تحول أعمق في الثقافة السياسية ذاتها. فالمجتمعات التي تربط السياسة دائمًا بالقوة والهيبة والانتصار والهزيمة تجد صعوبة في قبول التسويات، حتى عندما تكون التسوية أكثر فائدة من المواجهة. ولذلك فإن بناء ثقافة سياسية قادرة على تقبل الاختلاف وإدارة المصالح المتعارضة يمثل جزءًا من استراتيجية خفض الصراعات. إن السلام المستدام لا تصنعه الاتفاقيات وحدها، وإنما تصنعه أيضًا القدرة على تغيير الصور الذهنية المتبادلة، وتخفيف خطاب الكراهية، وإعادة بناء الثقة، وإقناع المجتمعات بأن التسوية ليست خيانة للمصلحة الوطنية، وأن التعايش مع الآخر لا يعني التخلي عن الهوية أو الحقوق.
ومن منظور أوسع، يمكن القول إن إعادة هندسة الصراع تعني الانتقال من محاولة «إلغاء التناقض» إلى محاولة «إدارة التناقض». فالتناقضات بين الدول ستظل قائمة، والمنافسة على النفوذ ستستمر، والمصالح الوطنية لن تختفي، والنظام الدولي لن يتحول إلى فضاء خالٍ من الصراع. ولذلك فإن الهدف الواقعي ليس بناء عالم بلا خلافات، وإنما بناء قدرة سياسية تمنع الخلاف من التحول إلى كارثة. وهذه النقطة شديدة الأهمية؛ لأن السياسة الواقعية لا تبدأ من افتراض اختفاء المصالح المتعارضة، وإنما من الاعتراف بوجودها ثم البحث عن آليات تمنعها من الوصول إلى نقطة الانفجار. ومن هنا يصبح خفض التصعيد ليس مرحلة مؤقتة تسبق الحل، بل استراتيجية مستمرة لإبقاء الصراع داخل حدود يمكن إدارتها.
وعلى هذا الأساس، فإن التفكير السياسي الإبداعي يستطيع أن يقدم مقاربة مختلفة لمفهوم الردع نفسه. فالردع لا ينبغي أن يقوم فقط على جعل تكلفة الهجوم مرتفعة، وإنما يمكن أن يقوم أيضًا على جعل البدائل السلمية أكثر جاذبية من المواجهة. فإذا استطاع صانع القرار أن يجعل التفاوض أقل تكلفة من التصعيد، والتعاون أكثر فائدة من القطيعة، والتسوية أكثر حفظًا للمصالح من الحرب، فإنه يكون قد أنشأ نوعًا جديدًا من الردع السياسي؛ ردعًا لا يمنع الصراع بالقوة وحدها، وإنما يمنع الأطراف من رؤية الصراع باعتباره الخيار الأكثر عقلانية. وهذه إحدى أكثر النقاط عمقًا في التفكير الإبداعي: ليس المطلوب دائمًا أن تمنع الخصم من فعل ما يريد، وإنما أن تعيد تشكيل البيئة بحيث يصبح ما تريده أنت أيضًا أكثر توافقًا مع مصالحه.
وفي النهاية، فإن قيمة التفكير السياسي الإبداعي لا تكمن في قدرته على تقديم حلول مثالية لعالم واقعي شديد التعقيد، وإنما في قدرته على فتح الأبواب التي يغلقها التفكير التقليدي. إنه لا يعد بإزالة الصراعات من التاريخ، ولا يفترض أن الدول ستتخلى عن مصالحها، ولا يتجاهل القوة وموازينها، لكنه يرفض أن تكون الحرب أو الإكراه أو الاستنزاف هي الخيارات الوحيدة عندما تصل المصالح إلى نقطة التوتر. إنه يبحث عن المنطقة التي لم تُكتشف بعد بين التنازل والاستسلام، وبين القوة والضعف، وبين المنافسة والتعاون، وبين الردع والتسوية. وفي هذه المنطقة تحديدًا يمكن أن تولد السياسة الأكثر نضجًا، لأن السياسة في جوهرها ليست القدرة على فرض ما نريد فحسب، بل القدرة على اكتشاف ما يمكن أن يجعل الآخرين قادرين على قبول ما نريد دون أن يشعروا بأنهم خسروا كل شيء.
المراجع:
- Allen, S. H., & Yuen, A. (2022). Bargaining in the UN Security Council: Setting the global agenda. Oxford University Press.
- Clary, C. (2022). The difficult politics of peace: Rivalry in modern South Asia. Oxford University Press.
- Iji, T., & Vuković, S. (Eds.). (2023). Revisiting the “ripeness” debate. Routledge.
- Powell, E. J., & Wiegand, K. E. (2023). The peaceful resolution of territorial and maritime disputes. Oxford University Press.
- Trubowitz, P., & Burgoon, B. (2023). Geopolitics and democracy: The Western liberal order from foundation to fracture. Oxford University Press.
- Verbeke, J. (2023). Diplomacy in practice: A critical approach. Routledge



