
التراث ….. لا قداسة مطلقة ولكن لا قطيعة أيضا
خالد فياض – باحث سياسي في الشأن العربي
تتذكر الأجيال التي نشأت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي تلك القصص الرائعة للسندباد البحري والتي كانت معلماً هامًا من معالم طفولتنا ، وأذكر تلك القصة التي ضل عاصم صديق السندباد طريقه ووجد نفسه منعزلاً في جزيرة خالية من البشر ، ولكنها تزخر بالعديد من الكنوز والثروات الطبيعية ،وأثناء مشاهدة عاصم لتلك الكنوز ، إذا به يجد رجلاً عجوزاً قعيداً لا يقوى على الحركة ويأن من الألم ، فأقترب منه عاصم سائلاً إياه عن سبب وجوده في ذلك المكان وحده ، فحكى له العجوز قصته وكيف كان قوياً مهاباً ، وبعد أن انتهى من قصته، طلب العجوز من عاصم أن يساعده في العودة إلى بيته القريب جداً من المكان الذي يجلسان به، وهناك يستطيع أن يجد عاصم الطعام والشراب الوفيرين والمكان المناسب للنوم والراحة ، فحمله عاصم وبدأ الرجل في توجيهه يميناً ويسارًا ثم يساراً فيميناً وهكذا ، وكان العجوز – رغم هيئته الضعيفة- ثقيل الوزن، ذو رائحة ليست بالطيبة ، وبدأ عاصم يتصبب عرقاً وهو يستمع لتوجيهات الشيخ العجوز ، وبدأ يتساءل أين هذاالبيت القريب الذي أخبرتني عنه؟ ، فيقول له العجوز أصبر قليلاً ، دون أن يجد عاصم أي معالم لإقتراب بيت العجوز ، وبدا الإنهاك يظهر على عاصم ، وهو يلح في السؤال أين البيت الذي عنه تحدثت؟، وهنا امسك الشيخ العجوز برقبة عاصم بكل شدة وصار يوجهه بالقوة أذهب هنا ولاتذهب هناك ، وهنا لم يستطع عاصم الاستمرار في حمل الرجل ثقيل الوزن قليل الذوق ، ودفعه دفعةً واحدة أرضاً وفر هارباً . معتمداً على ذاته في تفقد معالم تلك الجزيرة ذات الكنوز الثمينة.
ورغم بساطة القصة إلا أنها ترمز- في رأيي – إلى معضلة تاريخية عربية قديمة قدم التاريخ العربي ، ألا وهي دور التراث في المدركات المجتمعية، كأحد أهم الأسباب الدافعة للتطور والنمو ، فالتراث ، و هو ذلك الشيخ العجوز الذي ظهرت عليه علامات الشيخوخه ولا يقدر على فعل شئ وحده ، يعتقد أنه الحل الأمثل لمشاكل كل مجتمع وأي مجتمع في كل وزمان ومكان ، والمجتمع ، وهو هنا عاصم، أعتقد أن في اعتماده على ذلك التراث سوف يصل إلى مبتغاه ، وهوعند عاصم بيت العجوز حيث الراحة والامان ، وعند المجتمع التنمية الموعوده حيث الوفرة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي ،وحاول المجتمع –مثل عاصم – سنوات وسنوات السير خلف أمجاد الماضي ووعود رموزه، التي تؤكد بأنه في التمسك بالتراث الأمل الوحيد في الخروج من الضائقة التي تعاني منها مجتمعاتنا على مر الأزمان ، فالجميع يتحدث عن العصر الذهبي للأمة ، والجميع يريد أن نرجع لذلك العصر الذهبي ، حيث الجنة الموعودة ، ولكن شيئا من ذلك لم يتحقق ، وعندماحاولنا التخلص من تلك الأوهام والوعود الهلامية التي تعتقد في ذلك التراث كمصدر وحيد للتطور ،وجدنا من يتهمنا بالكفر أحيانا وبالخيانة والسفه أحيانا أخرى ، تمام كذلك الشيخ العجوز الذي أمسك برقبة عاصم وبدأفي توجيهه بالقوة يميناً ويساراً ، دون ان يقتنع عاصم بصواب ذلك الاتجاه، وكذلك كان حال مجتمعاتنا ، وتحت ضغط الخوف من هؤلاء الذين يكفرونا ويخونونا ، قرر الاستسلام لهم ، ولكن وبعدفترة لم يجد ذلك المجتمع بداً من ضرورة دفع ذلك التراث المكبل لانطلاقاتنا دفعاً إلى الخلف والتخلص منه والركض بعيداً عنه ، كما فعل عاصم عندما قرر دفع العجوز بعيداعنه والفرار منه .ليعتمد على قدراته في معرفة الطريق الأمثل للتنمية .
وهكذا ورغم رمزية قصة عاصم ، إلا أنها تمثل جزء من الحقيقة المؤلمة التي عاشتها أجيالا عديدة سيراً وراء أفكار قديمة وفلسفات وجدت من أجل زمانها ومكانها وانتهت صلاحيتها بانتهاء ذلك الزمان وتغير المكان . ومع ذلك فأننا ابدًا يجب علينا ألا ننسى أن احداً لا يستطيع مهما حدث أن يتخلص من ماضيه أو تراثه تخلصاً مطلقاً ، كما فعل عاصم ، الذي يبدو أن غضبه الشديد ، قد دفعه ألى أن يسلك سلوكاً غير عقلاني ، فالقطيعه مع التراث ومع الماضي لن تجلب لأمتنا سوى مزيدًا من الوهن والضعف ، فالتاريخ –أيا ما كان صانعوه – هو إنعكاس لأوضاع الأمة في ذلك الزمان وهذا المكان ، ودورنا أن نجعل من التاريخ معملاً لرؤى وأفكار جديدة نبدعها ونحاول أن نرى كيف تعامل أجدادنا مع تلك الأفكار الجديدة ؟ وهل تقبلوها بشكل كامل أم جزئي؟ وهل نجحوا في تطبيقها أم تعثروا ؟ وما أسباب ذلك التعثر؟ وكيف نجنب أمتنا تلك السلبيات ونعزز من الايجابيات؟ .
إننا ابداً لا ندعو لأي قطيعه مع الماضي ، فمن ليس له ماض ليس له مستقبل ، ولكن كل ما ندعو إليه هو عدم تقديس ذلك الماضي بإدعاء أن عصرنا الذهبي كان فيه ، فالعصر الذهبي هو وليد البيئة المحيطة التي تخلق الفرص والتحديات وتساعد المجتمع على التعامل معها بفضل رموز ذلك المجتمع الذي كانت لهم صفات محددة ميزتهم عن غيرهم ،تماماً ، كما نؤكد أن في كل مجتمع رموزه ومبدعيه الذين يجب أن تطلق لهم حرية الإبداع ، دون تقديس لقديم أو تملص منه ، كل ما نريده هو إخضاع ذلك التراث للحوار والأخذ منه والرد عليه . دون تهوين أو تهويل .
إن الذي يهمنا التأكيد عليه، هو أن قدم الرأي لا ينبغي أن يعد دليلاً على صوابه ، وأن البشرية قد عاشت ألوف السنين على أخطاء ، لم تكن تجرؤ على مناقشتها لأنها ترجع إلى عهود الأجداد الأوائل ومع ذلك تبين لها خطؤها عندما ظهر مفكر قادر على تحدي سلطة القديم .
واخيراً ، فأنه من الخطأ ، كل الخطأ ، ان يعتد هؤلاء ،الذين يدعون التجديد، برأيهم إلى الحد الذي يرفضون فيه مجرد الحوار مع الأجيال القديمة ، مثلما أنه من الخطأ أن تتصور الأجيال القديمة أنها تستطيع أن تفرض رأيها على الجيل الأحدث ، الذي يعيش ظروفاً مختلفة ويمر بتجارب ويكتسب خبرات لم تألفها الأجيال السابقة. ويبقى الحوار مع القديم، بحلوه ومره ، هو الأمل الذي عليه تبني الأجيال القادمة نظرتها لمستقبل مشرق بشرط عدم تقديس الماضي او تجاوزه بتهميشه او تسفيهه.


