
الحرب التي تبدأ قبل إطلاق النار: الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وحروب الإدراك
خالد فياض – باحث سياسي في الشؤون العربية
لم تعد الحروب تبدأ دائمًا بتحرك عسكري ظاهر أو بضربة تستهدف منشأة على الأرض. ففي بيئة تعتمد على الشبكات الرقمية، قد يبدأ الصراع باختراق نظام حيوي، أو تعطيل خدمة مالية، أو حملة تضليل تربك الجمهور وصنّاع القرار. وقد أضاف الذكاء الاصطناعي إلى هذه البيئة قدرة على تسريع بعض الهجمات ووسائل الدفاع، وتوسيع نطاق العمليات التي يمكن تنفيذها بكلفة أقل؛ من دون أن يعني ذلك أن التقنية وحدها تحدد نتائج الصراع.
ففي المجال السيبراني، تستطيع الأنظمة الذكية تحليل حركة البيانات واكتشاف أنماط غير معتادة، بما يساعد على رصد الاختراقات وترتيب أولويات الاستجابة. ويمكن استخدامها أيضًا في فحص الثغرات وتكييف بعض الهجمات مع الأنظمة المستهدفة. لكن هذه القدرات لا تعمل بصورة مستقلة عن جودة البيانات والخبرة البشرية وتصميم الأنظمة، كما أن الأتمتة قد تسرّع الاستجابة الخاطئة إذا بُنيت على مؤشرات مضللة. لذلك لا يمثل الذكاء الاصطناعي درعًا مضمونًا؛ بل يرفع قدرات المهاجم والمدافع، ويجعل الاستعداد المؤسسي عاملًا حاسمًا.
وتتجاوز المسألة الحماية التقنية إلى السيادة الرقمية. فالدولة التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على بنية خارجية لتشغيل قطاعات حيوية قد تواجه صعوبة في ضمان استمرارية الخدمات أو التحكم في بياناتها أو معرفة حدود اعتمادها على الموردين. ولا تعني السيادة الرقمية الانعزال أو إنتاج كل مكوّن محليًا، بل امتلاك القدرة على إدارة المخاطر، وتنويع مصادر التقنية، وفهم نقاط الاعتماد، وحماية البيانات والبنية التحتية، ووضع خطط عملية لاستمرار الخدمات عند التعطل.
لكن التهديد لا يقتصر على الشبكات والأنظمة؛ إذ يمتد إلى البيئة المعلوماتية التي يتخذ الناس وصنّاع القرار مواقفهم في إطارها. تستطيع الأدوات التوليدية إنتاج نصوص وصور ومقاطع صوتية ومرئية تبدو مقنعة، بما في ذلك مواد مزيفة تنتحل أصوات شخصيات عامة أو تصور أحداثًا لم تقع. وتتيح المنصات الرقمية انتشار هذه المواد بسرعة، وقد يؤدي تداولها خلال الأزمات إلى زيادة القلق أو إرباك الجمهور أو تعقيد التواصل بين الدول. غير أن الأثر لا يتحدد بوجود المحتوى المصطنع وحده، بل بمدى انتشاره، ومصداقيته لدى الجمهور، وسرعة التحقق منه وتصحيح المعلومات بشأنه.
وتكمن إحدى المخاطر الأعمق في أن انتشار التزييف قد يضعف الثقة بالأدلة الصحيحة أيضًا. فعندما يصعب التمييز بين المادة الأصلية والمصطنعة، قد لا يقتصر أثر التضليل على إقناع الجمهور برواية كاذبة، بل يمتد إلى جعل الناس يشككون في المعلومات الموثوقة وفي المؤسسات التي تنتجها. ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن الجمهور عاجز عن التمييز أو أن كل محتوى رقمي بات موضع شك؛ فالأثر يختلف باختلاف السياق، ومستوى الثقة بالمصادر، ووجود آليات تحقق مستقلة وفعالة..
في هذا السياق، يُستخدم مفهوم «الحرب الإدراكية» لوصف محاولات التأثير المنظم في طريقة فهم الأفراد والجماعات للأحداث، وفي قدرتهم على تكوين تقدير مشترك للوقائع. ويمكن تحليل أنماط النقاش العام للمساعدة في تحديد القضايا المثيرة للانقسام، ثم توجيه رسائل مختلفة إلى جماعات مختلفة. وقد تضخم هذه الممارسات الاستقطاب القائم، لكنها لا تنشئ الانقسام من العدم ولا تضمن تغيير مواقف الجمهور؛ إذ يتوقف أثرها على الظروف الاجتماعية والسياسية، وعلى مدى قبول الرسائل ومصداقية الجهة التي تقف وراءها..
وتتسم بعض هذه التهديدات بعدم التماثل: فقد لا يمتلك فاعل محدود الموارد قدرة على مواجهة دولة عسكريًا، لكنه قد يسبب اضطرابًا عبر هجوم سيبراني أو حملة تضليل أو استخدام طائرات مسيّرة منخفضة الكلفة. كما أن صعوبة تحديد مصدر بعض الهجمات الرقمية وإثبات المسؤولية عنها قد تعقّد الردع والمساءلة، وتزيد مخاطر سوء التقدير. وعندما تتداخل الأدوات العسكرية والسيبرانية والمعلوماتية، يصبح من الأدق الحديث عن أنماط من الصراع الهجين، مع الإقرار بأن الحدود بين الحرب والسلم لا تختفي تمامًا، بل تصبح أحيانًا أقل وضوحًا..
وتتطلب المواجهة سياسة تتجاوز شراء برامج الحماية. فهي تشمل بناء فرق متخصصة للاستجابة للحوادث، واختبار البنية التحتية بانتظام، ووضع خطط لاستمرار الخدمات، وتدريب العاملين على كشف الاحتيال والتلاعب. كما تتطلب تنسيقًا بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، لأن قطاعات أساسية من البنية الرقمية قد تديرها شركات خاصة أو تعتمد على خدمات وموردين خارج الحدود. ولا يكفي وضع الخطط على الورق؛ بل ينبغي اختبارها في تدريبات دورية وقياس قدرتها على تقليل زمن التعطل وحجم الأضرار.
وفي المجال المعلوماتي، لا تكفي الدعوة إلى الحذر. المطلوب آليات سريعة وشفافة للتحقق من المحتوى، وتربية إعلامية ورقمية تساعد الجمهور على فحص المصادر، وتوضيح مصادر المعلومات الرسمية، والتصحيح العلني للأخطاء عند وقوعها. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في اكتشاف مواد مصطنعة، لكن أدوات الكشف قد تخطئ، سواء باتهام محتوى أصلي بأنه مزيف أو بإغفال مادة مصطنعة؛ لذلك ينبغي التعامل مع نتائجها بوصفها مؤشرات تحتاج إلى تحقق مستقل، لا أحكامًا نهائية.
ولا ينبغي أن تتحول حماية الأمن المعرفي إلى ذريعة لتقييد النقاش العام أو تصنيف الآراء المخالفة باعتبارها تهديدًا. فمقاومة التضليل لا تقوم على احتكار جهة واحدة تعريف الحقيقة، بل على مؤسسات موثوقة، ومعلومات قابلة للتحقق، وشفافية تسمح بتصحيح الخطأ، ومساحة للنقد والمساءلة. وإذا كان الأمن السيبراني يحمي الشبكات والأنظمة، فإن القدرة على التحقق وحسن تقدير المعلومات تحميان المجال العام من التلاعب. وكلاهما أصبح جزءًا من الأمن الوطني في عصر الذكاء الاصطناعي.



