
زايد الخير.. حكاية قائد رحل بجسده وبقي في وجدان أمة
دنيا شرف
في ذكرى رحيله الثانية والعشرين، تستعيد الذاكرة العربية سيرة رجل لم يكن مجرد مؤسس لدولة، بل صاحب رؤية آمنت بأن الأوطان تُبنى بالإنسان، وأن الوحدة قوة، وأن العطاء قيمة تتجاوز الحدود والجغرافيا.
في مثل هذا اليوم، الثاني من نوفمبر عام 2004، رحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة وأول رئيس لها، بعد مسيرة حافلة بالإنجازات والمواقف الإنسانية والقومية التي جعلت اسمه حاضرًا في وجدان أبناء الإمارات والعالم العربي.
لم يكن الشيخ زايد قائدًا عابرًا في تاريخ المنطقة، بل كان أحد أبرز رجالاتها الذين أسهموا في صياغة تحولات عميقة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فقد استطاع أن يحوّل حلم الوحدة إلى واقع، وأن يقود تجربة تنموية جعلت من الإمارات نموذجًا لدولة حديثة، دون أن تنفصل عن جذورها العربية وقيمها الأصيلة.
من أبوظبي إلى حلم الاتحاد
وُلد الشيخ زايد عام 1918 في أبوظبي، وهو ابن الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان والشيخة سلامة بنت بطي القبيسي، وحمل اسم جده الشيخ زايد بن خليفة آل نهيان، الذي ترك بدوره أثرًا بارزًا في تاريخ الإمارة.
نشأ في بيئة اتسمت ببساطة الحياة وقسوة الظروف الطبيعية، فاقترب من الناس، وتعرّف إلى احتياجاتهم وتطلعاتهم، واكتسب من الصحراء قيم الصبر والحكمة والقدرة على مواجهة التحديات.
ومع إعلان بريطانيا عام 1968 اعتزامها الانسحاب من منطقة الخليج، برز الشيخ زايد واحدًا من أبرز الداعين إلى الاتحاد، مؤمنًا بأن مستقبل الإمارات المتصالحة يكمن في وحدتها وتكامل إمكاناتها.
وبالتعاون مع الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي آنذاك، وضع الأسس الأولى لمشروع الاتحاد، الذي تُوّج في الثاني من ديسمبر عام 1971 بإعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، بمشاركة ست إمارات، قبل أن تنضم رأس الخيمة في العام التالي.
وانتُخب الشيخ زايد أول رئيس للدولة الجديدة، ليبدأ فصلًا استثنائيًا من تاريخ المنطقة، عنوانه الانتقال من التفرّق إلى الوحدة، ومن محدودية الموارد إلى آفاق التنمية والبناء.
العين.. البدايات التي كشفت ملامح القائد
قبل قيام الاتحاد، كانت تجربة الشيخ زايد في إدارة المنطقة الشرقية من إمارة أبوظبي، ومركزها مدينة العين، محطة مهمة في تكوين شخصيته القيادية.
فقد تولى مسؤولية المنطقة عام 1946، في مرحلة اتسمت بندرة الموارد وضعف الخدمات، لكنه أدرك مبكرًا أن التنمية لا تنتظر وفرة الإمكانات بقدر ما تحتاج إلى إرادة ورؤية واضحة.
عمل على تطوير الزراعة وتحسين إدارة الموارد المائية، واهتم بتنظيم الأفلاج وتوسيع الانتفاع بالمياه، بما أسهم في دعم النشاط الزراعي وتحسين الظروف المعيشية للسكان.
كما شهدت العين خلال تلك المرحلة خطوات لتطوير التعليم والخدمات الصحية والأسواق والطرق، لتصبح تجربته فيها نموذجًا مبكرًا لفلسفته في الحكم، القائمة على أن المسؤولية ليست امتيازًا، وإنما التزام تجاه الناس واحتياجاتهم.
وحين تولى حكم أبوظبي عام 1966، انتقلت هذه الرؤية إلى نطاق أوسع، خاصة مع تزايد عائدات النفط، التي رأى فيها فرصة تاريخية لبناء مستقبل مختلف.
حين تحولت الثروة إلى مشروع لبناء الإنسان
لم ينظر الشيخ زايد إلى النفط باعتباره غاية في ذاته، بل وسيلة لتغيير حياة الناس وصناعة مستقبل أفضل للأجيال المقبلة.
فوجّه موارد الدولة نحو إنشاء المدارس والجامعات والمستشفيات وشبكات الطرق والمرافق العامة، واهتم بتطوير المؤسسات الحكومية وبناء منظومة حديثة للخدمات والتنمية.
وكان يؤمن بأن الثروة الحقيقية لأي وطن تكمن في أبنائه، وأن الاستثمار في التعليم والصحة والمعرفة هو الأساس الذي تقوم عليه نهضة المجتمعات.
ولذلك احتل الإنسان مكانة مركزية في مشروعه، سواء من خلال تحسين مستوى المعيشة، أو توفير فرص التعليم والعمل، أو دعم التنمية الاجتماعية وتمكين المواطنين من المشاركة في بناء دولتهم.
وامتد اهتمامه إلى البيئة والزراعة والتشجير، في محاولة لتحقيق التوازن بين متطلبات العمران والحفاظ على الموارد الطبيعية، حتى ارتبط اسمه بمشروعات جعلت المساحات الخضراء جزءًا من المشهد الإماراتي الحديث.
زايد الخير.. إنسانية لا تعرف الحدود
لم تتوقف رؤية الشيخ زايد عند حدود دولته، فقد آمن بأن قيمة العطاء تتجلى في القدرة على مد يد المساعدة إلى المحتاجين، دون تمييز بين شعب وآخر.
ومن هذا المنطلق، امتدت المبادرات الإنسانية والتنموية الإماراتية في عهده إلى العديد من الدول، عبر دعم المشروعات الصحية والتعليمية والإغاثية وإعادة الإعمار.
ولم يكن غريبًا أن يرتبط اسمه بلقب «زايد الخير»، الذي أصبح تعبيرًا عن مكانته في قلوب كثيرين ممن رأوا في مواقفه نموذجًا للقيادة التي تجمع بين المسؤولية السياسية والالتزام الأخلاقي.
وقد حظي خلال مسيرته بتكريمات وأوسمة عربية ودولية عديدة، تقديرًا لإسهاماته في التنمية والعمل الإنساني وتعزيز التعاون بين الشعوب.
وإلى جانب اهتمامه بشؤون الحكم والدولة، احتفظ الشيخ زايد بعلاقة وثيقة بالتراث العربي، ولا سيما الشعر النبطي والبدوي، الذي وجد فيه تعبيرًا عن الحكمة والهوية والوجدان الشعبي.
مصر في وجدان زايد.. علاقة تجاوزت حدود السياسة
احتلت مصر مكانة خاصة في رؤية الشيخ زايد للعالم العربي، إذ نظر إليها باعتبارها ركيزة أساسية في استقرار المنطقة وقوتها.
وامتدت جذور العلاقات المصرية الإماراتية إلى ما قبل قيام الاتحاد، حين أسهمت الكفاءات المصرية من المعلمين والأطباء والمهندسين في دعم قطاعات التعليم والصحة والبناء في الإمارات، كما استقبلت المؤسسات التعليمية المصرية أبناء الإمارات الراغبين في استكمال دراستهم.
وفي عهد الرئيس جمال عبد الناصر، تبلورت علاقات التعاون والتقارب العربي، ثم تعززت مع قيام دولة الإمارات عام 1971، حين كانت مصر من أوائل الدول الداعمة للاتحاد الجديد.
لكن حرب أكتوبر عام 1973 شكّلت محطة استثنائية في تاريخ العلاقة بين البلدين، وكشفت عمق الموقف القومي للشيخ زايد.
فقد وقف إلى جانب مصر وسوريا خلال الحرب، وسخّر ما استطاع من إمكانات لدعم الموقف العربي، مؤمنًا بأن المصير المشترك يفرض التضامن في لحظات التحدي.
وارتبط اسمه بالمقولة الشهيرة: «النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي»، التي أصبحت عنوانًا لموقفه الداعم للأشقاء العرب خلال تلك المرحلة.
ولم يقتصر دعمه لمصر على سنوات المواجهة العسكرية، بل امتد إلى المساهمة في إعادة إعمار مدن قناة السويس التي عانت آثار الحروب والدمار.
وجمعت الشيخ زايد بالرئيس محمد أنور السادات علاقة اتسمت بالتقدير المتبادل والتفاهم بشأن أهمية التضامن العربي، وقد عكست الزيارات الرسمية والمواقف المشتركة عمق الروابط بين البلدين.
واستمرت هذه العلاقات في عهد الرئيس محمد حسني مبارك، حيث شهد التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري توسعًا ملحوظًا، وتعزز حضور الاستثمارات الإماراتية في مصر، إلى جانب تطور الأطر المنظمة للتعاون الثنائي.
ولعل أبرز ما ميّز علاقة الشيخ زايد بمصر أنها لم تُبنَ على المصالح السياسية وحدها، بل استندت إلى قناعة راسخة بأهمية الدور المصري في محيطه العربي، وبأن قوة الأمة تنبع من تماسك دولها وتكامل أدوارها.
قائد جمع بين الحكمة والتواضع
على الرغم من التحولات الكبرى التي شهدتها الإمارات في عهده، ظل الشيخ زايد قريبًا من الناس، حريصًا على الاستماع إلى مطالبهم، ومتمسكًا بأسلوب في القيادة يقوم على التشاور والحكمة والتواصل المباشر.
وقد منحته هذه السمات مكانة خاصة، ليس فقط باعتباره رئيسًا ومؤسسًا، وإنما بوصفه شخصية أبوية ارتبطت في الذاكرة الإماراتية بمعاني الرعاية والمسؤولية والوفاء.
وكان يدرك أن بناء المؤسسات الحديثة لا ينبغي أن يأتي على حساب الهوية والتقاليد، فحرص على الجمع بين الأصالة والتحديث، وبين الانفتاح على العالم والحفاظ على الخصوصية الثقافية للمجتمع الإماراتي.
ومن هنا، لم تكن تجربته مجرد انتقال اقتصادي فرضته الثروة النفطية، بل مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا سعى إلى تأسيس دولة قادرة على الاستمرار والنمو.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
في الثاني من نوفمبر عام 2004، رحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عن عمر ناهز 86 عامًا، بعد أن أمضى عقودًا في قيادة مسيرة البناء والوحدة.
كان رحيله لحظة حزينة في تاريخ الإمارات، وحدثًا ترك أثره في العالم العربي، لكنه لم يكن نهاية الحكاية؛ فالدول التي تُبنى على رؤية واضحة لا يتوقف تاريخها برحيل مؤسسيها، وإنما تواصل مسيرتها بما تركوه من مؤسسات وقيم وتجارب.
وبعد أكثر من عقدين على رحيله، لا يزال اسم الشيخ زايد حاضرًا في ذاكرة الإماراتيين والعرب، مقرونًا بالوحدة والنهضة والعمل الإنساني والمواقف القومية.
لقد ترك وراءه دولة أصبحت ذات حضور إقليمي ودولي مؤثر، وتجربة تنموية تستحق الدراسة، وإرثًا إنسانيًا تجاوز حدود وطنه إلى شعوب ومجتمعات عديدة.
ولعل القيمة الأعمق في سيرة الشيخ زايد لا تكمن فيما شيّده من مدن ومؤسسات، ولا فيما حققته الإمارات من تقدم خلال سنوات حكمه فحسب، بل في المعنى الذي منحه لفكرة القيادة؛ أن يكون الإنسان غايتها، وأن تكون الوحدة مصدر قوتها، وأن يبقى العطاء أثرها الذي لا يزول.
رحم الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي رحل عن الدنيا، وبقي حاضرًا في ذاكرة وطن بناه، وفي وجدان أمة لم تنسَ مواقفه.



