
حين يتحدى صندوق الاقتراع جماعات النفوذ: صعود عبدالرحمن السيد وتحولات السياسة الأميركية
د.حمدي محمود – باحث في الشؤون الدولية والإستراتيجية المعاصرة
تكشف المنافسة التي حسمها الطبيب الأميركي من أصل مصري عبدالرحمن السيد، المعروف باسم عبدول، للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، عن دلالات تتجاوز حدود التنافس الحزبي إلى طبيعة التحولات التي تشهدها السياسة الأميركية ومصادر التأثير في مؤسساتها. فالفوز بفارق يقارب نقطة مئوية واحدة أمام النائبة هالي ستيفنز، التي حظيت بدعم سياسي ومالي من دوائر مرتبطة بلجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، يطرح تساؤلات جوهرية بشأن حدود قدرة المال السياسي على توجيه الخيارات الانتخابية، ومدى استقلال الناخبين عن شبكات المصالح المنظمة. ولا تكمن أهمية النتيجة في حجم الفارق وحده، بل في التناقض الذي أظهرته بين الإمكانات المالية والمؤسسية التي امتلكتها إحدى الحملتين، والقدرة الشعبية على إنتاج نتيجة مختلفة عما كانت ترجحه حسابات النفوذ التقليدية.
لا يعني ذلك أن المال السياسي فقد تأثيره في الانتخابات الأميركية، أو أن جماعات الضغط أصبحت عاجزة عن توجيه المنافسة، فهذه القوى لا تزال تمتلك أدوات واسعة للتأثير في الحملات والرسائل الإعلامية وبناء التحالفات السياسية. لكن ما تكشفه تجربة ميشيغان هو أن الموارد المالية لا تتحول بالضرورة إلى شرعية انتخابية، وأن الإنفاق الضخم لا يضمن إقناع الناخبين عندما تتعارض الرسائل السياسية مع تصوراتهم ومصالحهم. فالانتخابات ليست سوقاً تُشترى فيها الأصوات بصورة مباشرة، وإنما عملية تتداخل فيها الثقة والمواقف والهوية والمصالح الاقتصادية وتقييم أداء النخب الحاكمة. وقد يتحول حجم الإنفاق نفسه إلى موضوع للنقاش عندما يشعر الناخب بأن المؤسسات السياسية أصبحت أكثر استجابة لأصحاب المصالح منها للمواطنين الذين تمنحهم الانتخابات حق اختيار ممثليهم.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة المنافسة باعتبارها اختباراً للعلاقة بين المؤسسة الحزبية وقواعدها الانتخابية. فقد واجه السيد مرشحة تمتلك خبرة تشريعية وشبكة من العلاقات السياسية، لكنه استطاع تقديم خطاب يستند إلى نقد نفوذ المصالح الخاصة، والدفاع عن أولويات اجتماعية واقتصادية، ومراجعة بعض توجهات السياسة الخارجية الأميركية. ويعكس هذا المسار اتساع مساحة التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، الذي يسعى إلى إعادة ترتيب أولويات الحزب بعيداً عن بعض التوافقات التقليدية التي حكمت توجهاته خلال السنوات الماضية. فالمسألة لم تعد مجرد خلاف حول شخصية المرشح، وإنما تتصل بمن يحدد أجندة الحزب: قياداته وشبكات مصالحه، أم القواعد التي تتغير مطالبها بفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وتكتسب ميشيغان أهمية خاصة في هذا السياق؛ فهي ولاية ذات ثقل انتخابي، تتداخل فيها مصالح الطبقة العاملة والقطاعات الصناعية والناخبين المستقلين والتجمعات العربية والمسلمة، كما تمثل إحدى الساحات التي ظهرت فيها بوضوح تداعيات الحرب في غزة على التوازنات داخل الحزب الديمقراطي. فقد انتقلت القضية الفلسطينية من نطاق السياسة الخارجية إلى قلب النقاش الانتخابي، وأصبحت مواقف المرشحين من المساعدات العسكرية لإسرائيل والعمليات العسكرية في الأراضي الفلسطينية موضع مساءلة من قطاعات من الناخبين. وهذا التحول يعكس اتساع الصلة بين ما يحدث خارج الولايات المتحدة وما يجري داخل مجتمعها السياسي، حيث لم تعد السياسة الخارجية بمنأى عن الحسابات الانتخابية أو عن تقييم المواطنين لمصداقية الخطاب الأميركي بشأن حقوق الإنسان والقانون الدولي.
وفي هذا الإطار، مثّل موقف المرشحين من إسرائيل وغزة أحد محاور التباين بينهما؛ إذ تبنت ستيفنز موقفاً داعماً للعلاقة الاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية، مع انتقادات لبعض سياسات حكومة بنيامين نتنياهو، بينما اتخذ السيد موقفاً أكثر انتقاداً للعمليات العسكرية الإسرائيلية، وطالب بمراجعة المساعدات العسكرية الأميركية. ومع ذلك، فإن اختزال فوزه في القضية الفلسطينية وحدها لا يقدم تفسيراً كافياً للنتيجة؛ فقد تداخل هذا الموقف مع قضايا الرعاية الصحية وتكاليف المعيشة والحماية الاجتماعية والإنفاق السياسي، إلى جانب قدرته على مخاطبة قطاعات تقدمية وشبابية وناخبين يبحثون عن بدائل للوجوه السياسية التقليدية. ومن ثم فإن النتيجة تعكس تقاطعاً بين اعتبارات محلية واجتماعية وخارجية، وليس استجابة انتخابية لقضية واحدة.
وتتجاوز دلالة هذه المنافسة حدود الصراع داخل الحزب الديمقراطي، لتطرح سؤالاً بشأن طبيعة نفوذ جماعات الضغط في النظام السياسي الأميركي. فأيباك وغيرها من المؤسسات المؤثرة لا تعمل فقط من خلال دعم مرشحين أو تمويل حملات انتخابية، بل عبر بناء شبكات علاقات ممتدة والتأثير في النقاش العام وتشكيل أولويات بعض المشرعين. غير أن هذه الأدوات تواجه حدوداً عندما تتغير اتجاهات الرأي العام، أو عندما تصبح مواقف جماعات الضغط نفسها موضوعاً للنقد والمساءلة. وما حدث في ميشيغان لا يثبت انحسار نفوذ أيباك، لكنه يكشف أن هذا النفوذ ليس محصناً من المنافسة الشعبية، وأن قدرة المؤسسات المنظمة على التأثير تظل مرتبطة بمدى قبول الناخبين للأجندة التي تدافع عنها.
أما البعد المصري والعربي والإسلامي في تجربة عبدالرحمن السيد، فيمنحها أهمية إضافية تتصل بتطور التمثيل السياسي للأقليات في الولايات المتحدة. فالمسألة لا تتعلق بمجرد وصول شخص من خلفية دينية وإثنية مختلفة إلى موقع تشريعي، وإنما بمدى قدرة التعددية الاجتماعية على الانتقال من المجال المجتمعي إلى مؤسسات صناعة القرار. وإذا تمكن السيد من الفوز في الانتخابات العامة، فسيصبح أول مسلم يتولى عضوية مجلس الشيوخ الأميركي، وهو تطور يحمل قيمة تاريخية تتجاوز رمزيته، لأنه يوسع نطاق المشاركة السياسية ويعكس إمكانية وصول شخصيات من خلفيات متنوعة إلى مواقع كانت محدودة التمثيل أمامها تاريخياً.
لكن من الضروري عدم التعامل مع الهوية باعتبارها تفسيراً جاهزاً للمواقف السياسية أو ضمانة لتمثيل جماعي موحد. فالعرب والمسلمون الأميركيون ليسوا كتلة انتخابية متجانسة، كما أن الانتماء الديني أو الثقافي لا يفرض بالضرورة رؤية سياسية واحدة. وتكمن أهمية التجربة في أن السيد يخوض المنافسة بوصفه مواطناً أميركياً يحمل برنامجاً سياسياً، ويستند إلى تحالف انتخابي يتجاوز حدود الجالية التي ينتمي إليها. وفي المقابل، فإن توظيف خلفيته الإسلامية في حملات التشكيك أو ربطها باتهامات غير مثبتة يكشف استمرار التوتر بين قيم التعددية الدستورية وبعض مظاهر الخطاب الانتخابي الذي يستدعي المخاوف الدينية والثقافية لأغراض سياسية. وهنا يصبح احترام الاختلاف جزءاً من اختبار الممارسة الديمقراطية، وليس مجرد مبدأ دستوري معلن.
ومع ذلك، فإن الفوز بالترشيح الديمقراطي لا يعني حسم الوصول إلى مجلس الشيوخ؛ فالمعركة العامة تفرض حسابات مختلفة، تتطلب مخاطبة جمهور أوسع من القاعدة الحزبية، وبناء تحالفات تشمل المستقلين والناخبين المترددين والشرائح الاجتماعية المتنوعة. كما أن تحويل الزخم الانتخابي إلى عضوية في مجلس الشيوخ يظل مرهوناً بالقدرة على الحفاظ على تماسك التحالف الذي دعم المرشح، وتقديم برنامج يستجيب للقضايا المعيشية، دون أن يفقد مواقفه الأساسية بشأن السياسة الخارجية والإنفاق السياسي. ولذلك ينبغي التمييز بين دلالة الفوز في الانتخابات التمهيدية والنتيجة النهائية للمنافسة على المقعد.
وحتى إذا وصل السيد إلى مجلس الشيوخ، فإن تأثيره سيظل مرتبطاً بطبيعة المؤسسة التشريعية وتوازناتها. فعضو المجلس لا يستطيع بمفرده إعادة صياغة السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، أو تغيير مسارات التحالفات الاستراتيجية، لأن القرارات تخضع لتفاعلات حزبية وتشريعية ورقابية، فضلاً عن تأثير السلطة التنفيذية والمؤسسات الأمنية ومراكز المصالح. لكن وجود صوت مختلف داخل هذه المؤسسة يمكن أن يوسع نطاق النقاش، ويعزز الرقابة على المساعدات الخارجية، ويفتح المجال لمساءلة السياسات التي كانت تحظى بدرجة أكبر من التوافق الحزبي. وتظهر قيمة التمثيل هنا في القدرة على إدخال قضايا جديدة إلى دائرة القرار، وبناء تحالفات تشريعية حولها، وليس في افتراض أن وصول فرد واحد كافٍ لإحداث تحول شامل.
ومن منظور جيوسياسي، تعكس هذه التطورات تزايد تأثير السياسة الداخلية في تحديد هوامش الحركة الخارجية للولايات المتحدة. فاستمرار الدعم العسكري والتحالفات الاستراتيجية لم يعد مرتبطاً فقط بتقديرات المؤسسات الدبلوماسية والأمنية، بل أصبح عرضة لمناقشات أوسع داخل المجتمع الأميركي، تتصل بتكاليف هذه السياسات وتداعياتها الأخلاقية والقانونية وانعكاساتها على صورة الولايات المتحدة الدولية. وهذا يعني أن صانع القرار الأميركي أصبح مطالباً بمراعاة توازن أكثر تعقيداً بين الالتزامات الاستراتيجية الخارجية ومتطلبات الشرعية السياسية الداخلية. وقد لا تؤدي هذه التحولات إلى تغيير فوري في السياسات، لكنها تجعل استمرار بعض التوافقات التقليدية أكثر عرضة للنقاش والمساءلة.
وفي المقابل، لا ينبغي المبالغة في اعتبار ما جرى بداية لانهيار نفوذ النخب أو نهاية عصر جماعات الضغط؛ فالنظام السياسي الأميركي يمتلك مؤسسات وتحالفات ومصالح متجذرة لا تتغير بنتيجة انتخابية واحدة. لكن من الممكن النظر إلى هذه المنافسة باعتبارها مؤشراً على أن احتكار تحديد الخيارات السياسية أصبح أكثر صعوبة، وأن قطاعات من الناخبين باتت مستعدة لمواجهة اختيارات المؤسسة الحزبية عندما لا تتوافق مع تطلعاتها. فالقوة في الديمقراطيات لا تُختزل في امتلاك الموارد المالية أو النفاذ إلى دوائر القرار، وإنما تتطلب أيضاً القدرة على بناء قبول اجتماعي مستدام، وهو ما لا تستطيع أي شبكة نفوذ ضمانه بصورة دائمة.
وتكشف التجربة كذلك عن تحول في طبيعة المشاركة السياسية للأجيال الجديدة والأقليات؛ إذ لم يعد الحضور الانتخابي مقتصراً على التصويت أو التعبير عن المواقف عبر الاحتجاجات، بل أصبح يتجه بصورة متزايدة نحو المنافسة على المواقع التمثيلية والمشاركة في صياغة السياسات. وهذا التحول يضع الأحزاب أمام ضرورة مراجعة أساليب اختيار مرشحيها، وتوسيع قنوات التواصل مع قواعدها، والتعامل بجدية أكبر مع القضايا التي تثيرها قطاعات كانت تشعر بأن صوتها لا يجد انعكاساً كافياً داخل المؤسسات. فاستمرار الفجوة بين الخطاب الحزبي والممارسة السياسية قد يؤدي إلى تآكل الثقة، بينما يمنح الانفتاح على التعددية فرصة لتجديد الحياة السياسية.
في الواقع، لا تكمن أهمية صعود عبدالرحمن السيد في خلفيته المصرية أو الإسلامية وحدها، ولا في نجاحه في تجاوز منافسة حظيت بدعم مالي ومؤسسي واسع، بل في الأسئلة التي أعاد طرحها حول العلاقة بين المال والشرعية، وبين النخب وقواعدها، وبين الهوية والمواطنة، وبين التحالفات الخارجية وتوجهات الرأي العام. إنها تجربة تكشف أن صندوق الاقتراع لا يلغي مراكز النفوذ، لكنه يستطيع وضع حدود لتأثيرها عندما تتسع الفجوة بينها وبين المجتمع. وسيظل الاختبار الحقيقي في قدرة هذه اللحظة الانتخابية على الانتقال من تغيير أسماء المرشحين إلى إحداث أثر مؤسسي وتشريعي ملموس.
فما جرى في ميشيغان لا يقدم حكماً نهائياً على مستقبل السياسة الأميركية، لكنه يطرح سؤالاً يستحق التوقف أمامه: هل تتجه الولايات المتحدة نحو مرحلة تتعدد فيها مصادر التأثير السياسي، بحيث تصبح إرادة الناخبين أكثر قدرة على مراجعة أولويات النخب وشبكات المصالح، أم أن المؤسسات التقليدية ستنجح في استيعاب هذه التحولات وإعادة إنتاج قواعد النفوذ ذاتها؟ الإجابة لن تحددها نتيجة سباق انتخابي واحد، بل ما ستكشف عنه المرحلة المقبلة من قدرة المجتمع الأميركي على تحويل المشاركة الشعبية إلى تأثير مستدام في التشريع وصناعة القرار.



