
السودانيون في مصر: أموال واستثمارات تواجه خطاب “العبء”
لا يكاد يمر وقت طويل دون أن تتجدد في الساحة الإعلامية المصرية دعوات تطالب بإعادة النظر في أوضاع اللاجئين المقيمين في البلاد، في سجال ينقسم عادة بين اتجاه متشدد يرى في وجودهم عبئًا إضافيًا على الدولة وخدماتها العامة، ويدفع باتجاه التضييق أو الترحيل.
واتجاه آخر أكثر اتزانًا يعتبرهم جزءًا من دورة اقتصادية واجتماعية يمكن الاستفادة منها، ويدعو إلى دمجهم واحتوائهم في إطار الدور الإنساني والإقليمي الذي تضطلع به مصر بوصفها دولة محورية وشقيقة كبرى في محيطها العربي.
هذا الجدل ليس جديدًا على المشهد المصري، فقد سبق أن تكرر مع الجالية السورية، التي تعرضت في مراحل مختلفة لخطابات مشابهة، قبل أن تثبت بمرور الوقت قدرتها على التحول إلى عنصر مؤثر في الاقتصاد المصري.
فبحسب بيانات الهيئة العامة للاستثمار، تجاوزت الاستثمارات السورية الرسمية في مصر 800 مليون دولار، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أن الحجم الفعلي للاستثمارات، الرسمية وغير الرسمية، بلغ نحو 73 مليار دولار بحسب خلدون الموقع رئيس تجمع رجال الأعمال السوريين في مصر، بما يعكس أن موجات اللجوء لا تختزل دائمًا في كلفة آنية، بل قد تتحول إلى قيمة مضافة اقتصادية واستثمارية على المدى الأبعد.
واليوم، يبدو أن السودانيين يواجهون نسخة مكررة من هذا المشهد، في ظل حملة يقودها بعض الأصوات الإعلامية المعروفة بخطابها العدائي المتكرر تجاه اللاجئين، حيث يجري تحميلهم مسؤولية تراجع بعض الخدمات العامة والضغط على المرافق، في مقاربة تميل إلى تبسيط الأزمة وردّها إلى وجود الوافدين، بدلًا من النظر إلى التعقيدات البنيوية الأوسع التي أنتجت هذا التراجع.
غير أن هذه السردية تتجاهل، أو تتعمد تجاهل، أن السودانيين باتوا يشكلون هم أيضًا رافدًا اقتصاديًا معتبرًا، وأن مساهمتهم في تحريك السوق المصرية، سواء عبر الإنفاق أو الاستثمار أو نقل الأنشطة التجارية والصناعية، لا تقل في أهميتها عن الدور الذي لعبه السوريون في سنوات سابقة.
40 مليار دولار استثمارات السودانيين في مصر
كشفت صحيفة “سودان تريبيون” في تقرير حديث أن الاستثمارات السودانية في مصر، في قطاع العقارات وحده، ارتفعت إلى نحو 40 مليار دولار، بعدما كانت في حدود 23 مليار دولار مع بداية الحرب قبل ثلاثة أعوام، وفقًا لما نقلته الصحيفة عن اتحاد الصناعات السودانية، في مؤشر يعكس اتساع الحضور الاقتصادي السوداني داخل السوق المصرية، وتحوّل الوجود السوداني من مجرد حالة لجوء فرضتها الحرب إلى كتلة استثمارية ومالية ذات وزن متزايد.
وأشار التقرير إلى أنه منذ اندلاع النزاع في نيسان/ أبريل 2023، لجأ إلى مصر ما لا يقل عن 1.5 مليون سوداني، لينضموا إلى جالية سودانية كبيرة كانت موجودة بالفعل قبل الحرب، ومع هذا التدفق البشري، لم يقتصر الحضور السوداني على البعد الإنساني وحده، بل امتد إلى المجال الاقتصادي، إذ نقلت شركات سودانية عديدة عملياتها التصنيعية إلى مصر، قبل أن تبدأ لاحقًا في تصدير منتجاتها مرة أخرى إلى السودان، بما يعكس تشكل نمط جديد من الترابط الاقتصادي فرضته ظروف الحرب وإعادة التموضع.
ولا تتوقف أهمية هذا الحضور عند حدود الاستثمارات المباشرة، إذ يضيف التقرير أن هناك ما لا يقل عن 7 مليارات دولار تتدفق سنويًا إلى مصر في صورة تحويلات مالية للمغتربين السودانيين، تُوجَّه لتغطية تكاليف السكن والتعليم والرعاية الصحية، وهو ما يعني أن الاقتصاد المصري لا يستفيد فقط من رؤوس الأموال السودانية المستثمرة، بل أيضًا من كتلة مالية سنوية متجددة تسهم في تنشيط قطاعات واسعة من السوق والخدمات.
وتشير التقديرات الرسمية المصرية إلى أن عدد السودانيين المقيمين في مصر حاليًا يقترب من 5 ملايين شخص، يتركز معظمهم في القاهرة والجيزة والإسكندرية، وهو ما يجعل من الوجود السوداني في مصر ظاهرة تتجاوز إطار اللجوء التقليدي، لتصبح مسألة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية أوسع، يصعب اختزالها في الخطاب الإعلامي الضيق الذي ينظر إلى اللاجئين باعتبارهم عبئًا فقط، بينما تكشف الأرقام عن دور اقتصادي لا يمكن تجاهله.
العقارات.. ملاذ السودانيين الآمن
وفقًا لما نشرته “سودان تريبيون”، استحوذ القطاع العقاري على النصيب الأكبر من حجم الاستثمارات السودانية في مصر، في دلالة واضحة على أن الحضور السوداني داخل السوق المصرية لم يعد محصورًا في أنشطة مؤقتة فرضتها الحرب، بل أخذ يتجه بصورة متزايدة نحو توطين رؤوس الأموال في أحد أكثر القطاعات أمانًا وقدرة على حفظ القيمة.
وتدعم هذا الاتجاه تقارير إعلامية تتحدث عن ارتفاع ملحوظ في الطلب السوداني على العقارات في القاهرة الجديدة ومدينة السادس من أكتوبر والساحل الشمالي، إلى حد أن بعض التقديرات باتت تضع السودانيين ضمن أكبر المستثمرين الأجانب في السوق العقارية المصرية.
وفي قراءة ميدانية لهذا التحول، يقول عامر سعد، وهو سمسار عقارات، إن السوق المصرية منذ اندلاع الحرب السودانية قبل ثلاث سنوات شهدت إقبالًا واسعًا من السودانيين على الإيجار والشراء معًا، وهو ما أدى تدريجيًا إلى زيادة الضغط على السوق العقارية، ومن ثم دفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
ويفتح هذا التوصيف الباب أمام فهم أوسع لطبيعة الأثر الذي خلّفه النزوح السوداني، إذ لم يكن مجرد حضور سكاني إضافي، بل تحول إلى عامل مؤثر في حركة الطلب وإعادة تشكيل ملامح السوق في عدد من المناطق.
ويرجع سعد، هذا الإقبال السوداني على العقارات تحديدًا إلى سببين رئيسيين؛ أولهما أن العقار في مصر يظل، من وجهة نظر كثير من السودانيين، أقل تكلفة من بدائل أخرى في دول مختلفة، بما يجعله أصلًا ماليًا آمنًا ومرشحًا للزيادة في القيمة بمرور الوقت.
أما السبب الثاني، فيرتبط بالبعد الإنساني والمعيشي المباشر، إذ أصبح شراء العقار أو استئجاره ضرورة لتلبية احتياجات الأعداد الكبيرة من السودانيين النازحين إلى مصر، خاصة مع ترسخ قناعة متزايدة لديهم بأن إقامتهم لن تكون قصيرة، في ظل المؤشرات التي توحي بأن الحرب في السودان مرشحة للاستمرار لسنوات.
وفي هذا السياق، لم يعد التوجه السوداني نحو العقار في مصر مجرد تصرف فردي تحكمه الحاجة الآنية إلى السكن، بل بات يعكس تحولًا أعمق في السلوك الاقتصادي للجالية السودانية، من البحث عن ملاذ مؤقت إلى بناء استقرار طويل الأمد، وهو ما يفسر كيف تحوّل السوق العقاري إلى البوابة الأوسع لدخول الاستثمارات السودانية إلى الداخل المصري.
مصر.. سواق واعدة للاستثمارات السودانية
يرى كثير من السودانيين أن مصر تمثل واحدة من أكثر البيئات ملاءمةً لاستثماراتهم، مقارنة بعدد من الدول الأخرى التي تستضيف جاليات سودانية كبيرة، وهو ما يرتبط بجملة من العوامل الاقتصادية والعملية.
وبحسب رجل الأعمال السوداني المقيم في القاهرة محمد عثمان، فإن أبرز هذه العوامل يتمثل في انخفاض كلفة رأس المال اللازمة لتأسيس المشروعات داخل مصر، إذ إن كثيرًا من الأنشطة لا تحتاج إلى استثمارات ضخمة أو اشتراطات مالية معقدة، على خلاف ما تفرضه أسواق أخرى أكثر كلفة وأشد تعقيدًا.
ويضيف عثمان، أن جاذبية السوق المصرية لا تتوقف عند حدود انخفاض الكلفة، بل تمتد أيضًا إلى ما يتيحه الاقتصاد المصري من مزايا تشغيلية، في مقدمتها ارتفاع إنتاجية العامل المصري مقارنة بتكلفة الأجور، وهو ما يمنح المستثمر هامشًا أوسع للحركة والربحية.
وإلى جانب ذلك، فإن الحجم السكاني الكبير لمصر يحولها إلى سوق استهلاكية ضخمة قادرة على استيعاب المنتجات السودانية وترويجها على نطاق واسع، بما يمنح المستثمر السوداني فرصة لا تتوافر بسهولة في أسواق أصغر أو أقل كثافة.
كما يشير عثمان إلى أن التيسيرات المرتبطة بعمليات الاستيراد والتصدير تمثل بدورها عنصرًا مشجعًا، فرغم ما يثار أحيانًا من شكاوى بشأن بعض الإجراءات، فإن البيئة المصرية تظل، في نظر كثير من المستثمرين السودانيين، أكثر مرونة وأفضل نسبيًا من بدائل أخرى مطروحة في الإقليم.
وفي تقديره، بدأت الحكومة المصرية خلال الفترة الأخيرة تدرك بصورة أوضح حجم الحضور الاستثماري السوداني داخل الاقتصاد المصري، وهو ما انعكس في خطوات عملية تستهدف استيعاب هذا الوجود وتنظيمه، من بينها البدء في إنشاء مناطق صناعية مخصصة للمستثمرين السودانيين، ولا سيما في صعيد مصر.
ويعكس هذا التوجه في جوهره، بحسب رجل الأعمال السوداني، إدراكًا متزايدًا بأن الاستثمارات السودانية لم تعد مجرد أثر جانبي لأزمة الحرب، بل أصبحت مكوّنًا اقتصاديًا حقيقيًا يمكن البناء عليه ضمن شبكة المصالح المتبادلة بين البلدين.
(الترا صوت)



