مقالات

سيلفيا مكرم تكتب: “زهرة المدائن”.. حين يتحول الغناء إلى صلاة واللحن إلى مقاومة


منذ أيام، أجدني أُدندن “زهرة المدائن” بصوت فيروز، كأنها تعود إليّ بإلحاح من طبقة عميقة في الذاكرة؛ لا بوصفها أغنية تُستعاد فحسب، بل بوصفها حالة كاملة تُستدعى. لعلّ الأحداث الجارية هي التي فرضت هذا الحضور الكثيف، أو لعلّ بعض الأعمال الفنية لا تغادرنا أصلًا، بل تظل كامنة في الوعي، تنتظر اللحظة التي تعود فيها أشد صدقًا وأكثر قدرة على ملامسة الروح.

وُلدت الأغنية في أعقاب هزيمة 1967 واحتلال القدس، في زمن عربي مثقل بالصدمة، يتأرجح بين الانكسار السياسي والنزف الوجداني. كتب كلماتها سعيد عقل، ولحّنها عاصي ومنصور الرحباني، فخرجت إلى العالم لا كعمل ارتبط بلحظته التاريخية وحدها، بل كنموذج نادر لفنّ يتجاوز زمنه، ويملك القدرة على أن يعيد إنتاج معناه كلما تبدّل السياق وتكررت المأساة بوجوه مختلفة.

وعلى مستوى النص، تتجلّى براعة الأغنية في هذا الابتعاد الذكي عن المباشرة. فهي لا تنشغل بتفاصيل الحدث السياسي، ولا تركن إلى خطاب توثيقي عابر، بل ترتفع إلى مستوى الرمز. تمتزج اللغة فيها بين القداسة والإنسانية، بين الدعاء والنداء الجمعي، فتغدو القدس أكثر من مدينة محددة على الخريطة؛ تصبح رمزًا لكل أرض تُغتصب، ولكل مدينة تُجرح وتقاوم. ومن هنا اكتسب النص قدرته على البقاء، لأنه لم يُحبس داخل ظرفه الأول، بل ظل مفتوحًا على قراءات متعددة دون أن يفقد جوهره.

أما اللحن، فهو أحد أسرار خلود هذا العمل وأعمق مفاتيحه تأثيرًا. صاغه الرحابنة في بناء شديد الخصوصية، يمزج بين التراتيل الكنسية والإنشاد الصوفي والمارش الجنائزي المهيب، فخلقوا بذلك حالة شعائرية كاملة، لا يكتفي فيها المستمع بالإنصات، بل يشعر كأنه يشارك في طقس جمعي من الحزن النبيل والتضرع والمقاومة. الحزن هنا ليس انكسارًا، بل وقارًا. والقداسة ليست سكونًا جامدًا، بل حضورًا حيًّا يتجدد مع كل استماع.

ويزيد التوزيع الموسيقي من هذا الأثر عمقًا؛ فالوتريات مع آلات النفخ النحاسية تمنح اللحن مهابة المعركة وإيقاع المقاومة، فيما يجيء حضور الفلوت والأوبوا في المقاطع ذات الإحالة الروحية ليضفي على العمل مسحة شفافة من السكينة والرهبة. كما أن التنقل بين أكثر من مقام — من البياتي بروحانيته وإيمانه، إلى الحجاز بما فيه من خشوع وألم، إلى الكرد ببساطته وإنسانيته، مع لمسات من النهوند — يجري بسلاسة بالغة، تخدم المعنى ولا تزاحمه، وتمنح الإحساس امتداده الكامل في النفس.

ثم يأتي صوت فيروز ليكمّل هذا البناء، لا بانفعال صاخب أو بكاء ظاهر، بل بثبات مهيب يكاد يقترب من الترتيل أكثر مما يقترب من الغناء التقليدي. إنها لا تؤدي الكلمات بقدر ما تمنحها سلطة روحية، فتجعل أثرها يتجاوز التأثر اللحظي إلى رسوخ أعمق في الوجدان. كأن الصوت يقول، من غير تصريح: إن ما هو مقدس لا يُصرخ به، بل يُرتّل. وربما لهذا بقيت الأغنية حيّة فينا، لا كذكرى بعيدة، بل كخبرة شعورية تتجدد كلما عادت الجراح نفسها في أثواب جديدة.

دراميًا، تمضي الأغنية في مسار واضح وإن بدا غير مباشر. تبدأ من ألم الفقد، ثم تستدعي المقدسات، عبر مفردات الصلاة والمسيح والمآذن، لتعيد تشكيل المعنى وتوسيعه. فالقدس هنا ليست فقط رمزًا دينيًا، بل مساحة روحية مشتركة، تلتقي فيها مشاعر المسلمين والمسيحيين تحت سماء واحدة، كأنها البقعة القادرة على أن تذكّرنا بما هو أعمق من الاختلاف، وما هو أبقى من الانقسام. ومن هذا الأفق الروحي ترتفع الأغنية تدريجيًا نحو الرجاء، لكنها لا تمنحنا خاتمة مغلقة أو حسمًا نهائيًا، بل تترك النهاية معلّقة عمدًا، مفتوحة على الأزمنة كلها، وعلى كل مدينة قد تعيد الحكاية من جديد.

لهذا بقيت “زهرة المدائن” حيّة في الوجدان العربي، لا لأنها وثّقت لحظة تاريخية بعينها، بل لأنها تجاوزت هذه اللحظة إلى ما هو أوسع وأعمق. نجحت في أن تتخفف من الحدث المباشر دون أن تنفصل عنه، وأن تمزج بين الديني والإنساني من دون أن تطغى كفة على أخرى، وأن تحول الألم من جرح مغلق إلى طقس حيّ يمكن للذاكرة أن تحمله دون أن تنكسر تحته.

وربما لهذا السبب تحديدًا تعود إلينا الأغنية كلما تكررت مشاهد الفقد والاحتلال في أي مكان. لا تعود بوصفها حنينًا إلى الماضي، ولا مجرد نوستالجيا لزمن مضى، بل بوصفها أداة لفهم الحاضر، ولإبقاء المعنى يقظًا فينا. كأنها تهمس لنا بأن بعض المدن، مهما تغيّرت أسماؤها وتبدلت خرائطها، تظل تحمل القصة ذاتها؛ وأن الفن الحقيقي لا يواسي فقط، بل يذكّر، ويوقظ، ويحفظ للمعنى حياته، مهما تبدلت الأزمنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى