
عزة الفشني تكتب: ترامب بين الإضطراب العقلى والدهاء السياسي
وصفه العالم بالمضطرب لأنه رفض أن يلعب دور “الرئيس التقليدي” الذى يحفظونه. كان العالم يظن أنه يعرف قواعد اللعبة. سياسيون يتحدثون بلغة محسوبة. مؤسسات تراقب وتضبط. وأشياء يفترض أنها ثابتة. ثم جاء رجل لا يعترف بالقواعد. ولا يحترم المؤسسات. ولا يؤمن بالحقائق إلا إذا كانت تخدم صفقته التالية. فهو من كسر قواعد البروتوكول السياسي المتعارف عليه وأظهر أن الديمقراطية ليست محصنة.. وأن المؤسسات ليست أبدية.. جاء ترامب ليهمس في أذن الجميع أن كل شيء قابل للكسر.
دونالد ترامب لم يكن رئيساٌ بالمعنى التقليدي. كان إختبار لصمت النخب. لعقل الأشخاص. كل تغريدة منه كانت رصاصة تخترق التقاليد. كل خطاب منه كان بعيد كل البعد عن اللياقة السياسية.. لهذا السبب أجمع خصومه على وصفه بالمضطرب. ليس لأنه مريض. بل لأنه بعيد عن البروتوكول السياسي.
إن إختلاف شخصيته وحدها لا تصنع رئيساٌ ولا تضمن إستمراره في الحكم.. ولا تجعل الملايين تهتف باسمه.. فهناك شيء أعمق في تركيبة ذلك الرجل.. الذى يملك سلوكاٌ لا يخشى التناقض.. لأنه لا يؤمن بوجوده من الأساس.
ورغم كل ما سبق ذكره لا يمنحنا حكماٌ نهائياٌ. هل هو مضطرب أم عبقري؟ لكن يضعنا أمام السؤال الأخطر: ماذا يعني أن يصبح الإضطراب بحد ذاته مؤهلاٌ للحكم في وقتنا الحالي؟ الإجابة لا توجد في تقرير طبي بل في مرآة ضخمة اسمها ترامب عكست لنا وجه العالم كما لم نجرؤ على رؤيته من قبل.
فلم يحدث في التاريخ الأمريكي الحديث أن تحول رئيس إلى مادة دسمة للتحليل النفسي الجماهيري مثل دونالد ترامب. فمنذ اللحظة التي ظهر فيها للعالم معلناٌ ترشحه للرئاسة الأمريكية.. بدأ العالم يتساءل: هل نحن أمام ظاهرة سياسية أم حالة نفسية؟ إن الوصف الأكثر تكراراٌ الذي لاحقه كان “المضطرب نفسياٌ” لكن يعد هذا إختزال في وصف هذه الشخصية المثيرة للجدل. فالرجل الذي هز قواعد السياسة الأمريكية والعالمية لا يمكن فهمه أو وصفه بكلمة واحدة.
إن سلوك ترامب السياسي يقوم على كسر التوقعات.. هو لا يتحدث بلغة السياسيين المعروفة بل بلغة رجل الأعمال.. والإندفاع في التصريحات قبل التفكير.. وتحويل الخصومة الشخصية إلى معركة سياسية. والهجوم على المؤسسات.. كلها سمات ظاهرة لا يمكن إنكارها. هذه السمات دفعت الكثير من المعالجين النفسيين حول العالم إلى محاولة فهم هذه الشخصية وتحليلها. حتى توصلوا إلى مصطلح “النرجسية الخبيثة” فهو الوصف الأقرب لتضخيم الذات. واستعداده الدائم لمهاجمة من ينتقده.
على الجانب الآخر يرى البعض في سلوك ترامب ما يدل على الوعى والذكاء. ترامب القادم من عالم العقارات والصفقات والإعلام يعرف أن الإنتباه هو الأهم.. فالاندفاع ليس بالضرورة فقدان سيطرة. بل خلق حالة تجعله دائماٌ في المقدمة.. فكل ما يقوم به مقصود عن عمد.
بإلقاء نظرة على البيئة التي نشأ فيها ترامب وشكلت شخصيته.. نجد أنه نشأ فى كنف أب صارم لديه قناعات بأن العالم غابة وأن النجاة للأقوى. فتلك هى المعتقدات التى نشأ فيها دونالد ترامب.. وهذا ما يفسر لنا لماذا يتعامل مع الخسارة كإهانة شخصية لا كجزء من اللعبة الديمقراطية. فلا أحد يملك تشخيص ترامب الطبي إلا طبيبه. كل ما نملكه هو تحليل سلوكه الظاهرى. والسلوك الظاهرى يفهم كإضطراب ويمكن أن يفهم كإستراتيجية رجل أعمال قام بنقلها إلى السياسة.
السؤال الأهم إذا كان ترامب بالفعل مضطرباٌ؟ فلماذا صدقه وانتخبه الملايين؟
من الأسباب الجوهرية لجنون هذا الرجل أنه في زيارة واحدة ربما لبضع ساعات قضاها في الخليج العربي عاد إلى أمريكا ومعه آكثر من خمسة تريليونات دولار.. الأمر الذي جعله يظن أن كل دول العالم يجب أن تكون هكذا وترضخ لأفكاره.. خاصةٌ أن هذه الدول لم ولن تجرؤ حتى بعد مرور أكثر من عام أن تسأل عن عوائد هذه الأموال.
العيب الكبير في شخص ترامب مضافاً لما فيه من عيوب أنه يتصور ان كل زعماء العالم هم على شاكلة ملوك وأمراء الخليج خانعين خاضعين
وأن دول العالم هي ساحة جباية كما هي دول الخليج.
إنه شخصية تحمل عقد نفسية وأمراض فكرية وعقلية في عالم السياسة والإقتصاد والأمن العالمي. وسبق وأن قالت عنه والدته أنه احمق والعالم سوف يعانى منه إنه نذير شؤم.
لكن فى إعتقادى ان هذا الجنون ربما مقصود لإرباك الجميع حلفاء وغير حلفاء ثم تاتى المساومات. إنه وجه أمريكا الحقيقي وإلا كيف يمكن لشعب عاقل أن ينتخب مثل هذا المجنون.. فحينما يتحد الجنون مع النرجسية تكون هذه هي النتيجة.
إن الوجه الأكثر غرابة في هذه الملهاة ليس جنون العظمة بل فى إعادة
صياغة قانون الغاب ببدلة رسمية. فى ظل هذا الصمت العالمي الغريب
هذا واقع فيه الهزل والتفاهة.. إذ يحكم العالم مجموعة من السفهاء ليس لهم من العقل شيء وهم ليسوا مجانين إنما يدعون الجنون. والأغرب أن قرارات هؤلاء المجانين تمرر وتنفذ ويتقبلها العالم الخانع وأصحاب المصلحة الذين يجرون العالم إلى الهاوية أمام جبناء يقودون بقية العالم.. وفى الغالب سيكون تأثير هده الفترة فارقاٌ في تاريخ أمريكا والعالم وأكبر ضحاياه هم دول العالم الثالث.
نحن نعيش فى حقبة من الزمان يحكم العالم مجموعة من المعاتيه تتحكم في ملايين البشر في بلدانهم وخارج بلدانهم بإتخاذ خطوات بعيدة عن القانون الدولي والأعراف والتقاليد والإنسانية.. يجمعهم فقط حب المال والثروات من خلال إستخدام القوة والنفوذ وهم في الأغلب مرضى نفسيين أوصلتهم جهات ما تتبع الماسونية العالمية والصهيونية إلى الحكم.
فى النهاية: وحين يسدل التاريخ الستار على فترة حكم دونالد ترامب. لن يذكر الناس تفاصيل الصفقات ولا أرقام البورصة ولا حتى ما كتب من تغريدات. سيذكرون ذلك الإحساس الغريب بأن رجلاٌ واحداٌ إستطاع أن يكسر القواعد وجعل العالم كله يتحدث عنه سواء أحبوه أم كرهوه. قد يكون مريضاٌ وقد يكون عبقرياٌ وقد يكون الإثنين معاٌ. لكن المؤكد أنه كان الكاشف عن كم هو سهل أن يتحول الإستثناء إلى قاعدة.



