
العقوبات الأميركية الجديدة على إيران.. اختبار النفوذ والردع في الخليج
د. عماد عنان
بدأت واشنطن اليوم تنفيذ ما وصفته بأنه أكبر هجوم مالي على إيران، في خطوة أطلقت عليها الإدارة الأميركية “يوم الحساب”، وتهدف إلى قطع ما تبقى من شرايين اقتصادية ومالية تعتمد عليها طهران لمواصلة نشاطها الداخلي والإقليمي، وسط حالة ترقب واسعة النطاق بشأن تداعياتها المحتملة، في ظل تأكيد إدارة الرئيس دونالد ترامب أن الحزمة الجديدة من العقوبات تمثل ضربة قوية تستهدف ما تبقى من تماسك النظام الإيراني.
وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن، في مقال نشرته صحيفة فايننشال تايمز، أن يوم الاثنين 24 أغسطس/آب الجاري سيكون موعد بدء تنفيذ الإجراءات الجديدة التي سبق أن توعد بها ترامب، موضحًا أن العقوبات لن تقتصر على إيران وحدها، بل ستشمل أيضًا الدول والجهات التي تواصل علاقاتها الاقتصادية مع طهران، بهدف فرض عزلة مالية أوسع على مختلف المسارات الاقتصادية المرتبطة بالجمهورية الإيرانية.
ومع دخول العقوبات الجديدة حيز التنفيذ، تبرز العديد من التساؤلات الباحثة عن إجابة: ما الأهداف التي تسعى إدارة ترامب إلى تحقيقها من وراء هذه الضغوط غير المسبوقة؟ وكيف يمكن أن يكون الرد الإيراني، خصوصًا عبر ورقة مضيق هرمز؟ وما مدى قدرة دول الخليج على حماية مسارات تصدير الطاقة البديلة؟ ثم كيف سينعكس التصعيد على أسواق الطاقة والعلاقات الخليجية الأميركية؟
أهداف ترامب من العقوبات الجديدة
تأتي موجة العقوبات الأميركية الجديدة في إطار سياسة “الضغط الأقصى” التي تنتهجها إدارة دونالد ترامب تجاه إيران، بهدف تحقيق الغاية الأكبر المتمثلة في دفع طهران إلى تغيير سلوكها في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وذلك بعدما لم تتمكن المواجهة العسكرية وحدها، على مدار ستة أشهر كاملة، من تحقيق جميع الأهداف التي وضعتها واشنطن للحرب، في وقت تسعى فيه الإدارة الأميركية إلى تحقيق إنجاز ملموس وسريع قبل دخول الماراثون الانتخابي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
ولتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، تعتمد واشنطن على مجموعة من الأهداف الفرعية المساندة، يأتي في مقدمتها خنق العائدات النفطية الإيرانية، وتقليص قدرة طهران على تصدير النفط والاستفادة من عوائده المالية، سواء في دعم اقتصادها الداخلي، أو تمويل سياساتها الخارجية، أو تعزيز إنفاقها العسكري في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
كما تستهدف العقوبات إضعاف قدرة إيران على تمويل حلفائها وشبكات نفوذها الإقليمية في اليمن ولبنان والعراق، من خلال تضييق الخناق على مواردها المالية، إلى جانب توجيه رسائل ضغط إلى شركائها الإقليميين عبر التلويح بعقوبات تستهدف قطاعات التجارة والطاقة والمعاملات المالية، بهدف تقليص هامش المناورة أمام الاقتصاد الإيراني.
ومن شأن هذه الإجراءات، وفق الرؤية الأميركية، أن تدفع طهران إلى العودة إلى طاولة التفاوض وتقديم تنازلات في عدد من الملفات الخلافية، وعلى رأسها أمن الملاحة في مضيق هرمز، والبرنامج النووي، وطبيعة النفوذ الإيراني في المنطقة، كما تحمل العقوبات بعدًا أمنيًا يتمثل في تعزيز الردع الأميركي في منطقة الخليج، وإظهار قدرة واشنطن على استخدام أدوات الضغط الاقتصادي إلى جانب أدواتها العسكرية.
وفي المحصلة، تسعى واشنطن من خلال هذه العقوبات إلى فرض معادلة تقوم على رفع تكلفة السلوك الإيراني سياسيًا واقتصاديًا، دون الوصول إلى نقطة اللاعودة التي قد تقود إلى مواجهة مفتوحة، فإدارة ترامب، رغم تصعيدها غير المسبوق، تحرص على إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، ولكن من موقع قوة مختلف وبشروط جديدة تتجاوز المعادلات التي تمسكت بها طهران خلال الجولات السابقة.
ويبدو أن ترامب يبحث عن انتصار سياسي سريع وقابل للتسويق داخليًا، يعزز صورته قبل الاستحقاقات الانتخابية، ويخفف من الانتقادات التي طالت إدارته بسبب طريقة التعامل مع الحرب وتداعياتها على المواطن الأميركي، فضلًا عن تأثيرها على صورة الولايات المتحدة ومكانتها عالميًا.
ماذا عن الرد الإيراني المتوقع؟
لا شك أن هذا التصعيد من الجانب الأميركي سيقابله رد إيراني مضاد، حيث يمثل مضيق هرمز الورقة الأبرز التي تمتلكها طهران في مواجهة العقوبات الجديدة، خاصة بعد تراجع زخم الردود العسكرية المباشرة، وتنظر إيران إلى هذا الممر الحيوي باعتباره أحد أهم أدوات القوة في جعبتها، و”الخنجر الأكثر تأثيرًا” في أي مواجهة، نظرًا لما يمثله من أهمية استراتيجية ولوجستية في خريطة الطاقة والاقتصاد العالمي.
ومن هذا المنطلق، تمتلك طهران عددًا من الأدوات التي يمكنها من خلالها توظيف ورقة مضيق هرمز، من بينها التلويح بتقييد حركة الملاحة، أو تهديد أمن السفن، أو فرض قيود على حركة العبور، بهدف رفع تكلفة العقوبات على الولايات المتحدة وحلفائها، وإظهار قدرتها على التأثير في أسواق الطاقة العالمية.
كما قد تلجأ إلى استراتيجيات تصعيدية محسوبة دون الإقدام على إغلاق المضيق بشكل كامل، مثل تعزيز وجودها العسكري بالقرب منه، أو إجراء مناورات بحرية، أو توجيه رسائل سياسية وأمنية للسفن العابرة بهدف ممارسة الضغط والترهيب دون الانزلاق إلى استهداف مباشر، وتأتي هذه الخطوات في إطار سياسة الضغط غير المباشر التي لطالما اعتمدتها طهران في إدارة أزماتها مع واشنطن.
وتنطلق إيران في هذا المسار من إدراكها لحساسية أي اضطراب في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وما يمكن أن يترتب عليه من ارتفاع في أسعار النفط وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما يمنحها هامشًا أوسع للتأثير في الحسابات الدولية، واستخدام أمن الطاقة كورقة ضغط لدفع واشنطن وحلفائها إلى إعادة تقييم مستوى العقوبات المفروضة عليها.
لكن مضيق هرمز لا يمثل الورقة الوحيدة التي يمكن أن تستخدمها طهران في مواجهة الضغوط الأميركية؛ إذ قد تلجأ أيضًا إلى توظيف شبكة حلفائها الإقليميين في لبنان واليمن والعراق، بهدف رفع كلفة العقوبات وتوسيع دائرة التصعيد غير المباشر، وعليه قد يمتد الضغط الإيراني إلى ممرات استراتيجية أخرى، مثل باب المندب، إلى جانب احتمالية استهداف مصالح ومنشآت الطاقة التابعة لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما قد يخلق تداعيات واسعة تتجاوز الإطار الإقليمي لتصل إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة الدولية.
هل تستطيع دول الخليج حماية المسارات البديلة؟
منذ الهزة العنيفة التي تعرض لها مضيق هرمز بالتزامن مع اندلاع الحرب الأميركية ضد إيران، وتحول هذا الشريان الحيوي إلى ورقة ضغط وأداة جيوسياسية في قلب المواجهة، وجدت الدول النفطية نفسها أمام مأزق استراتيجي متزايد، فقد أصبح الممر الأهم والأكثر تأثيرًا في صادرات الطاقة الخليجية عرضة لتهديدات مستمرة، الأمر الذي دفع هذه الدول إلى إعادة التفكير في مدى اعتمادها على المضيق، والبحث بجدية أكبر عن مسارات بديلة تقلل من مخاطر هذا الاعتماد.
وقد دفعت التهديدات الأمنية المتصاعدة خلال الأشهر الستة الماضية دول الخليج، إلى جانب عدد من الدول النفطية المجاورة، إلى تسريع خططها المتعلقة بتطوير ممرات وخطوط أنابيب وموانئ بديلة تسمح بتصدير النفط والغاز بعيدًا عن نطاق مضيق هرمز، سواء عبر البحر الأحمر، أو البحر المتوسط، أو خليج عُمان وبحر العرب.
وقد تطرق تقرير سابق لـ”نون بوست“، لأبرز ملامح الخريطة التفصيلية للمسارات البديلة التي بدأت الدول الخليجية في دراستها أو الاعتماد عليها بشكل نسبي، بدءًا من ميناء ينبع في السعودية، مرورًا بالفجيرة في الإمارات، وصولًا إلى الدقم في سلطنة عُمان، إلى جانب مسارات أخرى ترتبط بموانئ ومنشآت إقليمية، مثل البصرة والحديثة في العراق، والعقبة في الأردن، والعين السخنة في مصر، وجيهان في تركيا.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك دول الخليج القدرة على حماية هذه المسارات البديلة من الاستهداف أو التهديد؟.. تُظهر التجارب السابقة أن تأمين هذه المسارات يمثل مهمة بالغة التعقيد، إذ إن خطوط الأنابيب والموانئ والمنشآت النفطية تظل أهدافًا محتملة في أي مواجهة إقليمية واسعة، وهو ما شهدته المنطقة في أكثر من مناسبة خلال السنوات الماضية.
كما أن حماية هذه البدائل لا تقتصر على تأمين خطوط الأنابيب فقط، بل تتطلب منظومة أمنية متكاملة تشمل حماية الموانئ، وتأمين المنشآت البرية، وتعزيز قدرات الدفاع الجوي والبحري، إلى جانب رفع مستوى الحماية السيبرانية للمنشآت الحيوية المرتبطة بقطاع الطاقة.
وتعتمد دول الخليج في هذا الجانب على شراكاتها الدفاعية، وفي مقدمتها التعاون العسكري والأمني مع الولايات المتحدة والدول الغربية، بالتوازي مع تطوير قدراتها الوطنية في مجالات المراقبة البحرية والدفاع الجوي وحماية البنية التحتية الحيوية.
ومع ذلك، فإن اتساع رقعة المنشآت النفطية، وطول خطوط الأنابيب، وتعدد نقاط التصدير، يجعل تحقيق حماية كاملة أمرًا بالغ الصعوبة، خاصة في ظل طبيعة التهديدات الحديثة التي لم تعد تقتصر على المواجهات التقليدية، بل تشمل الهجمات غير المباشرة والعمليات السيبرانية والضغوط الجيوسياسية، فضلا عن زيادة احتمالية أن تكون تلك المسارات أهدافًا حساسة وقوية لأي توتير مستقبلي.
أي تداعيات محتملة على أسواق الطاقة والعلاقات الخليجية الأميركية؟
أي تصعيد أميركي إيراني، سواء جاء عبر استهداف واشنطن لحلفاء طهران ومساراتها النفطية، أو من خلال رد إيراني يستهدف مضيق هرمز ويؤدي إلى إرباك حركة الملاحة فيه، سواء عبر التهديد أو الإغلاق، سيكون له انعكاسات سلبية واسعة على أسواق الطاقة العالمية، التي قد تتعرض لهزة عنيفة على مستوى الأسعار أو حجم الإمدادات.
وإذا كانت أسواق النفط قد شهدت خلال الأشهر الستة الماضية من الحرب اضطرابات حادة وتقلبات متواصلة، فإن المشهد في حال الانتقال إلى مرحلة جديدة تجمع بين العقوبات الأميركية المشددة والردود الإيرانية المحتملة سيكون أكثر تعقيدًا وخطورة، وفي هذا السيناريو، قد تشهد أسعار النفط ارتفاعات سريعة مدفوعة بالمخاوف من نقص المعروض، خاصة أن الأسواق عادة ما تتفاعل مع المخاطر الجيوسياسية قبل ظهور تداعياتها الفعلية على حركة الإمدادات.
أما على مستوى العلاقات الخليجية الأميركية، فعلى الرغم من أن واشنطن تتحمل جانبًا من مسؤولية تصاعد التوترات وانعكاساتها المحتملة على دول الخليج، فإن استمرار التصعيد قد يعزز في الوقت ذاته أهمية الشراكة الأمنية بين الطرفين، إذ تنظر دول الخليج إلى الوجود العسكري الأميركي باعتباره عنصرًا رئيسيًا في حماية حرية الملاحة، وتأمين منشآت الطاقة، وضمان أمن الممرات التجارية، وذلك رغم التساؤلات التي أُثيرت حول فاعلية المظلة الأمنية الأميركية في حماية الحلفاء الخليجيين منذ بداية الحرب.
وفي المقابل، قد يدفع تجاوز التصعيد للخطوط الحمراء بعض دول الخليج إلى إعادة تقييم مستوى اعتمادها على المظلة الأمنية الأميركية، والبحث عن بدائل أكثر فاعلية، سواء عبر تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، أو بناء شراكات أمنية جديدة كما في الاتفاقيات التي أبرمتها السعودية مع دول مثل باكستان وتركيا، إلى جانب احتمالات توسيع التعاون الاستراتيجي مع قوى أخرى مثل الصين وروسيا والهند.
وفي المحصلة، فإن العقوبات الأميركية الجديدة -حال تنفيذها بالشكل الذي تعهد به الرئيس ترامب ووزير الخزانة الأميركي- تمثل اختبارًا حساسًا، لا لقدرة إيران على تحمل الضغوط الاقتصادية والسياسية فقط، بل لقدرة دول الخليج أيضًا على إدارة تداعيات أزمة قد تتجاوز حدود المواجهة الثنائية بين واشنطن وطهران، فالأزمة الحالية قد تكون من أكثر الاختبارات صعوبة التي تواجه منطقة الخليج منذ الحرب العراقية الإيرانية، وقد تسهم نتائجها في إعادة رسم موازين الأمن والنفوذ، وتحديد موقع الخليج على خريطة التنافس الدولي خلال المرحلة المقبلة.



