مقالات

عزة الفشني تكتب: الرقم الذي فضح أسطورة الاقتصاد الأمريكى


في صمت تام تجاوز دين أمريكا الأربعين تريليون دولار. لا صخب ولا إنهيار فقط رقم يكبر كل يوم ليسأل سؤالاٌ واحداٌ. هل يمكن لقوة أن تبقى عظيمة وهي تعيش على ما ستملكه غداٌ ؟ الأربعون تريليون ليست نهاية أمريكا لكنها بداية إعادة تعريفها.

ولطالما كانت الصورة الذهنية عن أمريكا هي صورة القوة التي لا تنكسر والإقتصاد الذي لا يتوقف والدولار الذي لا يهتز. كانت الحكاية التي تروى في كل العالم أن هذه الدولة تطبع العملة فيشتريها العالم وأنها تبتكر فتركض خلفها الأسواق وأنها تقرض فتدين لها الأمم. لكن الأرقام اليوم تروي حكاية مختلفة تماما. لأول مرة في تاريخها يتجاوز الدين العام الأمريكي حاجز الأربعين تريليون دولار. رقم لا يستوعبه العقل ولا تتحمله الذاكرة.

  • كيف لقلب الإقتصاد العالمي أن يغرق في الديون وهو الذي طبع القواعد؟

حين يتجاوز دين أعظم دولة في العالم حاجز الأربعين تريليون دولار لم تعد المسألة أرقاماٌ في دفتر محاسبة. صارت سؤالاٌ عن نهاية عصر كامل. كيف لقلب الإقتصاد العالمي أن يغرق في الديون وهو الذي طبع القواعد ووزع الأدوار على الجميع؟ الأربعون تريليوناٌ ليست عجزاٌ عابراٌ. هي مرآة تكشف أن القوة وحدها لا تحمي من فخ الإقتراض وأن الهيمنة قد تبدأ بالإنهيار من الداخل قبل أن يسقطها أحداٌ من الخارج.

السؤال الذي يفرض نفسه كيف وصل الرقم إلى هنا بل كيف لقلب العالم أن يقع في فخ كان يفترض أنه صنعته لغيرها. كيف لقوة عظمى تملك أكبر جيش وأكبر إقتصاد وأكبر جامعات أن تجد نفسها مدينة بما يعادل ناتج عدة دول كبرى مجتمعة.

البداية لم تكن لحظة واحدة. كانت تراكم عقود من الإختيارات. حروب طويلة كلفت تريليونات ولم تكن النتيجة سلاماٌ. أزمات مالية تم إنقاذها بضخ أموال بلا حساب. برامج رعاية وضمان إجتماعي تضخمت مع تقدم السكان. تخفيضات ضريبية وعدت بالنمو ولم تحقق إلا مزيداٌ من العجز. وفي كل مرة كان الحل الأسهل هو الإقتراض لأن الدولار عملة العالم ولأن الثقة كانت رصيداٌ لا ينضب ولأن أحداٌ لم يجرؤ على قول كلمة لا.

  • لم يعد دين أمريكا إستثناء في الأزمات بل أصبح القاعدة في الرخاء.

أمريكا لم تقع في الفخ فجأة بل مشت إليه بخطوات واثقة. كانت تعتقد أن القوة تمنحها حصانة. ما دام العالم يحتاج الدولار ليشتري النفط ويحتفظ باحتياطياته في سندات الخزانة الأمريكية فلا خوف. ما دام وول ستريت يبتكر وما دام البنك المركزي قادراٌ على طبع المزيد فلا سقف. وهكذا تحول الدين من أداة مؤقتة إلى عقيدة دائمة. لم يعد الدين إستثناء في الأزمات بل أصبح هو القاعدة في الرخاء.

اليوم وصلنا إلى اللحظة التي لم يعد فيها الرقم مجرد رقم في ورقة. الأربعون تريليون تعني أن جزءاٌ كبيراٌ من ميزانية الدولة يذهب لسداد الفوائد قبل أن يذهب للتعليم أو الصحة أو البنية التحتية. تعني أن أي إرتفاع بسيط في أسعار الفائدة يتحول إلى عبء يخنق الموازنة. ما تعني أن أمريكا لم تعد تقترض فقط لتنمو بل تقترض لتسدد ما اقترضته من قبل.

  • فخ الديون لا يصطاد الضعفاء فقط أحياناٌ يصطاد الأقوياء

المفارقة الأكبر أن القوة التي صنعتها أمريكا هي نفسها التي سمحت لها بالوصول إلى هذا الحد. الدولار كعملة إحتياط عالمية منحها إمتيازاٌ لم تمنحه لأي دولة من قبل. تستطيع أن تطبع وتقترض والعالم يشتري. لكن هذا الإمتياز ليس أبدياٌ. الثقة مثل الزجاج إذا تشققت مرة يصعب إعادتها كما كانت. والعالم بدأ يسأل بصوت منخفض إلى متى سنمول عجزاٌ لا ينتهي.

فخ الديون لا يصطاد الضعفاء فقط. أحيانا يصطاد الأقوياء الذين ظنوا أنهم فوق الحساب. أمريكا لم تفلس ولم تسقط لكنها دخلت مرحلة جديدة. مرحلة لم تعد فيها القوة العسكرية وحدها كافية. مرحلة يصبح فيها كل قرار إقتصادي مرتبطاٌ برقم الدين. مرحلة يجب أن تختار فيها بين الإنفاق على هيبتها في الخارج أو على شوارعها في الداخل.

الأربعون تريليون ليست نهاية القصة. هي بداية سؤال أكبر. هل تستطيع أعظم قوة في التاريخ أن تعيد كتابة قواعد لعبتها قبل أن تعيدها قواعد اللعبة. هل تستطيع أن توقف آلة الإقتراض دون أن توقف آلة النمو. هل تستطيع أن تحافظ على ثقة العالم وهي مدينة له بكل هذا.

فى نهاية المطاف: التاريخ يقول إن الإمبراطوريات لا تسقط بضربة واحدة. تسقط حين يصبح الدين أكبر من الإرادة وحين يصبح المستقبل مرهوناٌ بالماضي. وأمريكا اليوم تقف على هذه الحافة. ليست حافة الإنهيار لكنها حافة إعادة التعريف. فإما أن تجد طريقاٌ للخروج من فخ صنعته بيدها أو أن يصبح الأربعون تريليون ليس رقماٌ في الميزانية بل عنواناٌ لعصر جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى