
السياسة الإماراتية تجاه الساحل الأفريقي
أمنية بوقراس – باحثة في العلوم السياسية و العلاقات الدولية ، جامعة الجزائر
تتميز منطقة الساحل الافريقي بخصائص جغرافية جعلت منها قيمة محورية في حركة التنقل شمال -جنوب، وما بين شرق و غرب افريقيا لاسيما عن جوارها لاقاليم استراتجية وحيوية أكسبتها أهمية جيوسياسة ، الى جانب مقومات اقتصادية تبرز في القدرات النفطية و المعدنية و الزراعية مكنتها من أهمية جيو اقتصادية ، وعلى ضوء مميزاتها الجيوسياسية و الجيواقتصادية أصبحت ساحة للتنافس و دائرة أطماع بين مختلف القوى الكبرى كالولايات المتحدة و فرنسا فضلا عن القوى الصاعدة كالصين و روسيا ، و بروز قوى جديدة توجه اهتمامها بمنطقة الساحل الافريقي في ظل المتغيرات الجيوسياسة و التطورات المتسارعة .
وفي هذا السياق ، برزت الامارات كأحد أهم القوى الصاعدة التي وجهت سياستها الخارجية نحو منطقة الساحل الافريقي ، عبر التوسيع الاستراتجي في القرن الافريقي و الموانئ المطلة على البحر الأحمر ، فاستحدمت آليات عسكرية و اقتصادية و سياسية و تنموية وحتى إنسانية في جذب دول القرن الافريقي المتمثلة في جيبوتي ، الصومال و اريتريا ، و تتمكن من الوصول الى عمق الساحل الافريقي لملأ الفراغات السياسية و الأمنية بعد تراجع الدور الفرنسي و الأمريكي في المنطقة موظفة أساليب ديبلوماسية قائمة على الجذب و الاقناع لتكريس نفوذ جيوسياسي و اقتصادي يخدم مصالحها الاستراتجية .
وفي ظل هذه المعطيات ،بدأ التغلل الاماراتي نحو عمق منطقة الساحل الافريقي نتيجة عوامل متعددة متمثلة في ضعف الحكم و توسع الفساد في مختلف المجالات السياسة و الافتصادية مع غياب العدالة التوزيعية و كثرة الانقلابات العسكرية نتيجة التدخلات الخارجية ، لاسيما تراجع النفوذ الفرنسي في المنطقة بعد فشل عملياته العسكرية في مواجهة الجماعات المسلحة ما. دفع الى تراجع مستوى الثقة و تنامي المشاعر المعادية للاستعمار ، منح الجيوش المحلية مبرر التدخل كذريعة لاسترجاع السيادة و هو ما أدى الى تراجع الدور الفرنسي في كل من بوركينافسو ومالي و النيجر ماترك فراغا أمنيا صعد من العنف و العمليات الإرهابية ، مجمل هذه التطورات و الاضطرابات السياسية، سهلت الولوج الاماراتي في منطقة الساحل الافريقي تحت غطاء التقارب الديبلوماسي .
وبالتوازي مع ذلك ، وجدت الامارات فراغا أمنيا نتيجة تراجع الدور الغربي في الساحل الافريقي و تدهور العلاقات الجزائرية مع الساحل على خلفية انهاء اتفاقية السلام 2015 واتهامات امالي الجزائر بالتدخل في شؤونها الداخلية فضلا عن قضية سقوط الطائرة المسيرة المالية ووتحالف دول الساحل -المكوَّن من مالي، النيجر، وبوركينا فاسو-، كأحد أبرز ملامح إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي الإقليمي و ظهور الفاعل الاماراتي مستغلا الوضع لترسيخ نفوذه و إعادة التموضع و رسم هندسة جديدة للمشهد الإقليمي .
الهدف من التغلغل لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التجاري كما يُروّج رسميًا، بل يتمحور حول ثلاثة محاور رئيسية:
- ترسيخ شراكة أمنية مع الأنظمة العسكرية الانتقالية التي وصلت إلى الحكم عبر انقلابات في السنوات الأخيرة، مثلما هو الحال في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
- توفير مظلة دعم سياسي ولوجستي لتلك الأنظمة في مواجهة الضغوط الغربية والإفريقية، لا سيما في ما يخص قمع الحركات المدنية وقوى المعارضة التي تنادي بالديمقراطية.
- المشاركة غير المباشرة في طيّ صفحة “قضية الأزواد” في شمال مالي، وذلك عبر تبني “خريطة أمنية جديدة” يتم رسمها برعاية إماراتية، تتجاهل المطالب التاريخية للطوارق بالاستقلال أو الحكم الذاتي.
ومنه استعملت الامارات اداة ديبلوماسية وتحالفية لخدمة مصالحها الاستراتجية و تعزيز نفوذها في منطقة الساحل الافريقي .
وانطلاقا من هذه تظهر السياسة الإماراتية في الساحل الافريقي من خلال تفاعلاتها النشطة القائمة على بناء علاقات تكمنها من تعزيز مكانتها الجيوسياسية و ترسيخ دورها كفاعل إقليمي مؤثر .
ففي علاقتها مع النيجر وقّعت الإمارات العربية المتحدة والنيجر مذكرة تفاهم شاملة لتعميق التعاون بينهما في المجالات التجارية والاستثمارية والملاحة الجوية، في خطوة تعكس التزام الدولتين بتوسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية بما يخدم مصالحهما المشتركة. وتغطي الاتفاقيات الجديدة تسهيل تبادل السلع والخدمات، وجذب الاستثمارات المتبادلة، وتعزيز الاتصالات الجوية بين البلدين مما يسهم فتح افاق تجارية وتعزيز شركات اقتصادية
أما على مستوى علاقاتها مع موريتانيا فتقوم العلاقات الامارتية المورتانية على روابط الاخوة و المحبة بين الشعبين ، كما تجمعهما مصالح مشتركة إزاء القضايا الأمنية المتعلقة بمكافحة الإرهاب و التطرف فضلا عن الشراكة الاقتصادية القائمة على التبادل التجاري و زيادة الاستثمارات الامارتية في موريتانيا ، ودعم المشاريع التنموية في موريتانيا لا سيما مشاريع النقل و الطاقة و الصناعات المعدنية و الخدمات ، ورغبة تعزيز التعاون كافة المجالات السياسية و الاقتصادية و العسكرية و التنموية .
و بالمثل تشهد العلاقات بين الإمارات وتشاد في الفترة الأخيرة تقارباً وتحولاً ملحوظاً من الشراكة الدبلوماسية التقليدية إلى تحالف استراتيجي واقتصادي متنامٍ، تركز على دعم مشاريع التنمية المستدامة، وتوسيع آفاق التعاون التجاري والاستثماري في ظل مواجهة تشاد لتحديات اقتصادية.
ومن خلال هذا يتجلى محاولة السياسية الإماراتية بسط نفوذها في الساحل الافريقي من خلال أساليب الجذب و الاقناع كقوة ناعمة تمكها من بسط مكانتها و ترسيخ نفوذها و تعزيز مصالحها االاستراتجية.
و في ضوء هذه التفاعلات فان السياسة الإماراتية تجاه الساحل الافريقي جاءت نتيجة البيئة المضطربة و المتغيرات الجيوسياسية. المتسارعة التي مهدت للامارات طريق للحصول على مصالح استراتجية و ترسيخ نفوذ فضلا عن تعزيز حضور إقليمي و دولي من خلال تنويع شراكاتها مع دول الساحل الافريقي عبر استخدام آليات ديبلوماسية و توظيف أدوات اقتصادية قائمة على الاسثمارات و المساعدات المالية و دعم المشاريع التنموية إضافة الى التنسيق في مختلف القضايا السياسية و على راسها مكافحة الإرهاب و التطرف مع تطبيق السياسة الإنسانية من خلال الدعم الإنساني وهو مايسمح لها بحضور ديبلوماسي و اقتصادي يمكنها من بناء قدرة وظيفية تؤثر في سلوك الدول و سياسات بما يكرس نفوذها الجيوسياسي .
كما انعكس التواجد الاماراتي في منطقة الساحل الافريقي الى إعادة توزيع النفوذ خاصة بعد تراجع الدور الغربي و الجزائري و بروز فواعل جديدة ،وهو ما يمهد الى إعادة تشكيل التحالفات و الشراكات الإقليمية ، وهذا ما يخلق تحديا امام السياسة الإماراتية في ظل تعدد القوى المتنافسة في الساحل مع عدم الاستقرار السياسي و تنامي المشاعر المناهضة للتدخل الخارجي فضلا عن صعوبة تحويل النفوذ الاقتصادي الى نفوذ سياسي دائم.
وعليه في ظل الفراغ الأمني التي تشهده منطقة الساحل الافريقي تعزز السياسة الإماراتية من مكانتها الاستراتجية عبر تنويع شراكاتها و استخدام مختلف الأساليب الديبلوماسية والاقتصادية التي تمكنها من ترسيخ نفوذها و لكن يبقى ذلك مرهونا بقدرة السياسة الامارتية على التكيف مع المتغيرات الجيوسياسة في المنطقة .
المصادر و المراجع
١-منصوري نوال ، حقاني حليمة ،الأهمية الاستراتجية لمنطقة الساحل الافريقي ومكانتها أدى القوى الدولية ،مجلة المفكر ،المجلد 20 ،العدد 01 ، سنة 2025 .
٢-الامارات ترسم خرائط جديدة في الساحل الافريقي:هندسة نفوذ على حساب الجزائر ، من الموقع الالكتروني :
https://emiratesleaks.com/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84-2/ ، تم التصفح بتاريخ 21/08/2026
٣-ايدابير أحمد ،التدخلات الأجنبية في الساحل الافريقي : نحو إعادة رسم خارطة النفوذ،مجلة الحقيقة للعلوم الاجتماعية و الإنسانية ، مجلد 24 ، العدد 04 ، 2025
٤-موريتانيا و الامارات ..علاقات تتجدد، من الموقع الالكتروني:
https://www.alkhaleej.ae ، تم التصفح بتاريخ 21/08/2026
٥-النيجر و الامارات توقعان اتفاقية تعاون تجاري واستثماري و ملاحي ، من الموقع الالكتروني :
https://alibtikarnews.ae// ، تم التصفح بتاريخ 21/08/2026



