مقالات

النتوقراطية.. هل تكتب التكنولوجيا نهاية الديمقراطية؟

ظهر مصطلح “النتوقراطية” (Netocracy) لأول مرة عام 2001، على يد الكاتبين السويديين: “ألكساندر بارد”، المحاضر والخبير في مجال الاتصالات، و”جان سوديركفيست”، الكاتب والمنتج التلفزيوني. نُحت المصطلح من شقين؛ الأول (Net) ويعني الشبكة أو الإنترنت، والثاني (Cracy) المأخوذ من أوزان الكلمات الكلاسيكية كالديمقراطية والبيروقراطية (والذي يعني السُلطة أو الحُكم). ليخرج لنا مصطلح جديد يعبر عن حقبة اجتماعية وسياسية غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية، توقع الكاتبان آنذاك أن تحل محل حقبتي الرأسمالية والديمقراطية التقليدية.

 يرتبط هذا المفهوم ارتباطاً جذرياً بتطور الحوسبة وثورة المعلومات. ففي بداياتها، كانت أبحاث الكمبيوتر تهدف إلى بناء ذكاء اصطناعي يعاون العقل البشري، لكن سرعان ما اتخذت التكنولوجيا مساراً أوسع. ومنذ أن أعلن “بيل غيتس” عام 1995 تركيز شركته على شبكات الاتصال، وصولاً إلى طفرة الذكاء الاصطناعي التوليدي والبيانات الضخمة (Big Data) التي نعيشها اليوم، تغيرت طرق تفكير البشر وسلوكياتهم بشكل جذري. لقد أصبحنا أمام أنماط جديدة كلياً من الاقتصاد، والسياسة، والتعليم، وحتى شكل الأسرة.

حتى النصف الأول من القرن العشرين، كانت كلمة “معلومات” تشير ببساطة إلى تفاصيل في أرشيف أو كتاب مرجعي، وكان موظفو الأرشيف يشغلون مراتب وظيفية متواضعة. ولكن مع رقمنة كل شيء –من المعادلات المعقدة إلى تفضيلات المستخدمين اليومية– تحولت “المعلومة” إلى السلعة الأغلى في العالم (النفط الجديد).

اليوم، لم تعد السيطرة لرأس المال المادي فحسب، بل لمن يمتلك البيانات. ظهر ما يُعرف بـ “رأسمالية المراقبة” و”اقتصاد الانتباه”، حيث بات من يسيطر على تدفق المعلومات وتخزينها يمتلك قوة هائلة، قادرة على توجيه الاقتصاد، واختراق أدق أسرار المجتمعات، بل وإحلال شبكاته محل المؤسسات السياسية والإعلامية التقليدية.

إن هذه الثورة التكنولوجية أحدثت زلزالاً في بنية النظام الديمقراطي. فالديمقراطية في جوهرها تعتمد على حكم الأغلبية والنقاش العام، لكن شبكات الاتصال الراهنة باتت تلعب لصالح “جماعات المصالح” والأقليات المنظمة. بفضل قوة الخوارزميات وتكنولوجيا التوجيه الدقيق (Micro-targeting)، يمكن لجماعة صغيرة أن تفرض أجندتها، وتجبر صُناع القرار على تبني سياساتها بغض النظر عن الإرادة الفعلية للأغلبية.

ونتيجة لهذا التلاعب الرقمي، يتراجع اهتمام الجماهير بالمشاركة السياسية التقليدية، كالانتخابات، وتتحول السياسة إلى مجرد “تسلية” أو “تريند” على منصات التواصل. أصبحت الفضائح والتراشق الشخصي هي المادة الإعلامية التي تُشبع نهم الجمهور، بينما يشرّع السياسيون قوانينهم بناءً على صداها المتوقع في خوارزميات السوشيال ميديا، لا بناءً على المصلحة العامة.

لقد  ارتبط النظام الديمقراطي بنشأة واستقرار “الدولة القومية، لكن هذه الأخيرة آخذة في التحلل أمام زحف النتوقراطية. فالحدود الجغرافية فقدت الكثير من معناها، والإعلام الرسمي الذي كانت تستخدمه الدول لتعبئة شعوبها تهاوى أمام الفضائيات ومنصات التواصل العابرة للحدود.

لقد سمح الفضاء الرقمي للأفراد بتجاوز مجتمعاتهم المحلية، لتشكيل مجتمعات افتراضية بناءً على الاهتمامات أو الأيديولوجيات المشتركة. والأخطر من ذلك، أن الخوارزميات خلقت ما يُعرف بـ “غرف الصدى” (Echo Chambers)؛ حيث لا يرى المستخدم أو يسمع إلا الآراء التي تتوافق مع قناعاته المسبقة. هذا الوضع دمر مساحة “الحوار المشترك” التي تقوم عليها الديمقراطية، وألغى الحاجة للقاء أصحاب الرأي الآخر أو التسوية معهم، مستبدلاً الروابط الوطنية وروابط الدم بشبكات اتصالية مغلقة ومستقطبة.

وهكذا  يبرز هرم جديد للسلطة لا يعتمد على صناديق الاقتراع، بل يتربع على قمته “مديرو الشبكات” ومُلّاك شركات التكنولوجيا الكبرى (Big Tech) ومطورو الذكاء الاصطناعي. هؤلاء هم “النتوقراطيون” الجدد، وتتحدد قوتهم بمدى كفاءتهم في احتكار البيانات، وتصميم خوارزميات تجتذب أكبر عدد من المستخدمين.

هذه النخبة الجديدة بدأت تحل محل الدولة في العديد من وظائفها. فالقواعد التي تضعها هذه الشركات (شروط الاستخدام، ومعايير المجتمع) أصبحت قوانين غير مكتوبة تحكم حرية التعبير، وتتفوق أحياناً على الدساتير الوطنية. أما “سلطة العقاب” فلم تعد مقتصرة على السجن التقليدي، بل باتت تتمثل في “الإلغاء” أو الحرمان من المنصة (De-platforming) والإقصاء من العضوية في العالم الرقمي، وهو ما يعني اليوم موتاً مجتمعياً وسياسياً واقتصادياً للمستبعدين.

 إن مجتمع النتوقراطية، بما خلقه من أطر وقواعد تقنية واقتصادية، لم يعد مجرد خيال علمي، بل تحول إلى بديل شرس وواقعي يسحب البساط من تحت أقدام الديمقراطية التقليدية. وتحت ضغط هذه الثورة الرقمية المستمرة، يبدو أن سلطة “حكم الجماهير” في تراجع مستمر، لصالح “حكم الشبكات” وأسيادها الجدد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى