
بين الخليج وأوروبا: ممر تركي سعودي يهدد رهانات “إسرائيل” اللوجستية
د. عماد عنان
دفعت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، وما خلّفته من ارتدادات واسعة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، خصوصًا بعد تحوّل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط سياسية في قلب معادلة الصراع، مختلف القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة النظر في خرائط النقل والتجارة وسلاسل الإمداد، والبحث عن مسارات بديلة تقلّل من هشاشة الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية.
وفي هذا السياق، برز مؤخرًا الممر البري للنقل والتجارة الواصل بين دول الخليج وأوروبا، عبر السعودية والأردن وسوريا وتركيا، باعتباره أحد المسارات البديلة التي قد تحمل تداعيات استراتيجية تتجاوز البعد الاقتصادي المباشر، فالمشروع، وفق التصورات المطروحة، لا يوفّر فقط طريقًا جديدًا لحركة البضائع بين آسيا وأوروبا، بل يعيد ترتيب أدوار الجغرافيا السياسية في المنطقة، ويمنح دول العبور موقعًا أكثر تأثيرًا في معادلات التجارة والطاقة واللوجستيات.
وقد أثار هذا الطرح قلقًا واضحًا في الأوساط الإسرائيلية، انعكس في تحذيرات الإعلام العبري من المشروع المستند إلى إحياء أجزاء من “سكة حديد الحجاز” التاريخية، حيث تصفه الصحف الإسرائيلية بأنه “يتجاوز إسرائيل”، وينافس الممر الاقتصادي الهندي- الشرق أوسطي- الأوروبي المعروف باسم IMEC، والذي تراهن عليه تل أبيب لتعزيز مكانتها كمحطة تجارية ولوجستية مركزية بين الخليج وأوروبا.
وإذا ما تُرجم هذا المشروع إلى خطوات عملية ملموسة، رغم ما يواجهه من عقبات أمنية وسياسية وتمويلية، فلن يكون مجرد منافس تجاري لممرات قائمة أو مقترحة، بل قد يتحول إلى أداة لإعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي، إذ من شأنه أن يضع لاعبين جددًا في قلب حركة العبور والتبادل، فماذا نعرف عن هذا الممر؟ وهل يمكن أن ينتقل من كونه تصورًا على الورق إلى مشروع قابل للتنفيذ؟ وما أبرز التحديات التي تعترض طريقه؟ ولماذا تنظر إليه تل أبيب باعتباره تهديدًا لموقعها في هندسة الممرات الإقليمية الجديدة؟
ماذا نعرف عن هذا الممر؟
يقوم المشروع، في جوهره، على إنشاء مسار ربط بري بين الخليج وأوروبا في الاتجاهين، ففي مسار الذهاب، تبدأ حركة البضائع من شبكات النقل السعودية، ثم تنتقل إلى الأردن عبر بوابة العقبة، ومنها إلى الأراضي السورية عبر مسارات يُتوقع أن تشمل دمشق وحلب بطول يقارب 350 كيلومترًا، قبل أن تصل إلى الشبكات التركية المتصلة بجنوب أوروبا، ومنها إلى أسواق القارة العجوز، أما في مسار العودة، فيُفترض أن يسلك الخط الاتجاه ذاته، مع إمكانية توسيع نطاقه مستقبلًا من السعودية نحو بقية دول الخليج وسلطنة عُمان المطلة على المحيط الهندي.
ويتحرك المشروع على مستويين رئيسيين، الأول هو مستوى السكك الحديدية، وهو الأكثر أهمية من الناحية اللوجستية والاستراتيجية، نظرًا لما يتيحه من نقل كميات أكبر من البضائع بتكلفة أقل وبانتظام أعلى مقارنة بالنقل البري التقليدي، غير أن هذا الخيار يواجه معضلة تشغيلية معقدة، ترتبط بتدهور البنية التحتية للخطوط الحديدية في بعض مناطق المسار، ولا سيما داخل سوريا.
أما المستوى الثاني، فيتمثل في النقل البري عبر الشاحنات، وهو خيار قد يكون أسرع في المرحلة الأولية، إذا ما جرى تأمين الطرق والمعابر الحدودية وتنسيق الإجراءات الجمركية والأمنية بين الدول المعنية، ولذلك قد يبدأ المشروع عمليًا بصيغة نقل بري محدودة، قبل أن يتطور لاحقًا إلى ممر سككي أكثر استقرارًا وقدرة على المنافسة.
وتشير بعض التقارير إلى أن السعودية وتركيا وقّعتا بالفعل مذكرات تفاهم في مجالات السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، وهو ما يمنح المشروع دلالة تتجاوز كونه فكرة سياسية عابرة أو تصورًا نظريًا، ليضعه في نطاق التفاهمات الأولية والدراسات الفنية التي قد تمهد لمرحلة أكثر جدية من التخطيط والتنفيذ.
ويكتسب هذا الممر أهميته من كونه يطرح بديلًا بريًا لنقل البضائع بين آسيا وأوروبا دون المرور بإسرائيل أو الاعتماد على ميناء حيفا، وبعيدًا، ولو جزئيًا، عن مخاطر الممرات البحرية الحساسة مثل مضيق هرمز وباب المندب، كما أن التصور الأوسع للمشروع لا يحصره في كونه طريقًا سعوديًا – تركيًا فحسب، بل يفتحه مستقبلًا أمام تمدد خليجي أوسع يشمل الإمارات وقطر والكويت والبحرين وسلطنة عُمان، بما قد يحوله إلى ممر خليجي – أوروبي واسع يعيد تشكيل معادلات النقل والتجارة في المنطقة.
أهمية لوجستية فائقة
تتمثل الأهمية الأولى لهذا المشروع في بعده اللوجستي العام، باعتباره مسارًا بديلًا محتملًا لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا في الاتجاهين، فمن شأن هذا الممر، إذا ما اكتمل تشغيله، أن يقلل نسبيًا من هامش الاعتماد على الممرات التقليدية في المنطقة، لا سيما بعدما تحولت بعض تلك الممرات إلى أوراق ضغط سياسية في أيدي الدول المشاطئة، أو باتت عرضة للتوترات الأمنية والعسكرية بين الحين والآخر، بما يجعل الاعتماد عليها وحدها خيارًا محفوفًا بالمخاطر.
ولا تقف أهمية المشروع عند هذا الحد، إذ يكتسب الممر قيمته أيضًا من حجم المكاسب المحتملة للدول الواقعة على امتداده، كل بحسب موقعه الجغرافي ودوره في المسار والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها من ورائه، وتأتي تركيا في مقدمة المستفيدين، باعتبارها بوابة العبور الأخيرة للبضائع المتجهة إلى أوروبا، فمن المرجح أن تحقق أنقرة مكاسب مباشرة من عوائد العبور، وتشغيل السكك الحديدية، وتقديم الخدمات اللوجستية، وربط الموانئ والمناطق الصناعية بشبكات النقل الإقليمية.
غير أن المكسب التركي لا يقتصر على الجانب المالي فحسب، بل يمتد إلى بعد جيوسياسي أوسع، إذ يمنح المشروع تركيا نفوذًا اقتصاديًا إضافيًا في سوريا والأردن والخليج، ويعزز طموحها في ترسيخ موقعها كمنصة لوجستية كبرى تربط الشرق بالغرب، ولاعب لا يمكن تجاوزه في التجارة الإقليمية والدولية، كما يفتح لها الباب أمام توسيع حضورها الاقتصادي في سوريا، وربط جزء من مسارات إعادة الإعمار السورية بشبكات النقل التركية.
أما السعودية، فتأتي في مرتبة متقدمة من حيث القيمة المضافة المتوقعة من المشروع، فالممر يمنح الرياض فرصة للتحول من دولة مركزية في إنتاج الطاقة إلى عقدة لوجستية تربط آسيا بأوروبا، بما يتوافق مع توجهاتها الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز موقعها في سلاسل الإمداد العالمية، كما يوفر لها طريقًا بريًا بديلًا يمكن الاعتماد عليه في حال تعطل الممرات البحرية، أو ارتفاع تكاليف التأمين والشحن نتيجة التوترات في مضيق هرمز أو باب المندب أو البحر الأحمر.
وفي المقابل، قد يمثل المشروع فرصة لسوريا لاستعادة جزء من دورها التاريخي كممر بري بين تركيا والخليج، مستفيدة من موقعها الجغرافي اللوجستي، وذلك بعد سنوات طويلة من التراجع والعزلة وتآكل البنية التحتية، غير أن استفادة دمشق من هذا المسار ستظل مشروطة بقدرتها على تأمين الطرق والمعابر، وإعادة تأهيل شبكات النقل والسكك الحديدية التي تضررت بفعل سنوات الحرب، فضلًا عن تجاوز التعقيدات السياسية والاقتصادية المرتبطة ببيئة الاستثمار والعقوبات.
أما الأردن، فيكتسب أهمية خاصة بوصفه حلقة الوصل بين السعودية وسوريا، وممرًا ضروريًا في أي تصور لربط الخليج بتركيا وأوروبا، ومن شأن انخراطه في هذا المشروع أن يعزز موقعه في تجارة الترانزيت، ويفتح أمامه فرصًا في قطاع النقل والخدمات اللوجستية والمناطق التخزينية، خصوصًا مع الحديث عن ربط المسار بعمّان والعقبة، بما يمنح المملكة دورًا أكبر في هندسة الممرات التجارية الجديدة في المنطقة.
لماذا تقلق “إسرائيل”؟
تنظر “إسرائيل” إلى التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تشهدها المنطقة منذ اندلاع حرب غزة بعين من الريبة والقلق، لا سيما ما يتعلق بالمشروعات والممرات البديلة الآخذة في التشكل خارج التصورات التقليدية التي اعتادت تل أبيب التحرك داخلها، فالأمر بالنسبة لتل أبيب لا يقتصر على ممر تجاري جديد أو طريق بديل لحركة البضائع، بل يتصل بصورة أعمق بموقعها في الخريطة الإقليمية، وبقدرتها على الاحتفاظ بدور مركزي في شبكات النقل والتجارة والطاقة.
وفيما يتعلق بالممر التركي – السعودي عبر سوريا والأردن، الرابط المحتمل بين آسيا وأوروبا، فإن جوهر القلق الإسرائيلي يتمثل في أنه يضعف الفكرة الأساسية التي قامت عليها مشاريع التطبيع الاقتصادي الكبرى، وهي تحويل “إسرائيل” إلى عقدة مركزية في حركة التجارة بين الخليج وأوروبا، وعلى رأسها مشروع الممر الاقتصادي الهندي – الشرق أوسطي – الأوروبي، المعروف باسم IMEC، والذي أُعلن عنه عام 2023 بدعم أمريكي وغربي، وكان يتضمن ربط الهند بالخليج، ثم الأردن وإسرائيل، وصولًا إلى أوروبا، مع إبراز ميناء حيفا كمحطة محورية في هذا المسار.
ومن هذه الزاوية، يطرح الممر التركي – السعودي رؤية معاكسة تقريبًا لما كانت تراهن عليه تل أبيب؛ إذ يسمح، إذا ما اكتمل، بمرور التجارة الخليجية – الأوروبية عبر الأردن وسوريا وتركيا، بدلًا من المسار الذي يمنح “إسرائيل” موقع العبور المركزي، وعليه، فإن الخسارة المحتملة بالنسبة لإسرائيل لا تتوقف عند البعد الاقتصادي المباشر، المتمثل في عوائد النقل والموانئ والخدمات اللوجستية، بل تمتد إلى بعد جيوسياسي أوسع، يتمثل في تقليص النفوذ الذي سعت “إسرائيل” إلى بنائه عبر الاقتصاد والبنية التحتية، لا عبر الأدوات الأمنية والسياسية وحدها.
وتزداد حساسية هذا المشروع حين يُقرأ ضمن سياق أوسع من التحركات الإقليمية، سواء عبر ممرات بديلة أو شبكات تعاون جديدة تتشكل بعيدًا عن المسارات التي اعتادت واشنطن وتل أبيب هندستها أو التأثير فيها، فتل أبيب، التي استفادت طويلًا من خريطة إقليمية جامدة ومن مقاربات تقليدية كبّلت قدرة دول المنطقة على تطوير بدائلها الخاصة، تجد نفسها اليوم أمام مشهد أكثر سيولة، تتداخل فيه حسابات الاقتصاد والجغرافيا والطاقة مع إعادة تشكيل التحالفات.
ومن هنا، فإن القلق الإسرائيلي لا ينبع من الممر في ذاته فحسب، بل من دلالته السياسية الأوسع، حيث احتمال تشكل خريطة إقليمية جديدة لا تكون “إسرائيل” في مركزها، ولا تمر كل خطوط الربط الكبرى عبر بوابتها، وهذا تحديدًا ما يجعل المشروع، في نظر تل أبيب، جزءًا من تحول استراتيجي قد يحد من قدرتها على توظيف الاقتصاد والبنية التحتية لترسيخ نفوذها الإقليمي.
ما التحديات؟
تجدر الإشارة، ابتداءً، إلى أن هذا الممر المقترح لم يرتقِ بعد إلى مستوى المشروع القائم فعليًا، إذ لا يزال حتى الآن في إطار التفاهمات الأولية ومذكرات التعاون والمحادثات الفنية، ورغم بعض الخطوات التي اتُّخذت في هذا الاتجاه، وفي مقدمتها مذكرة التفاهم الموقعة بين السعودية وتركيا في مجالات السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، فضلًا عن التفاهمات المتعلقة بالنقل بين تركيا والأردن وسوريا في أبريل/نيسان الماضي، فإن المشروع لم يتحول بعد إلى مسار منفذ على الأرض، في ظل قائمة طويلة من التحديات التي قد تعرقل انتقاله من التصور النظري إلى الواقع العملي.
ويأتي في مقدمة هذه التحديات تدهور البنية التحتية على امتداد أجزاء مهمة من المسار، لا سيما داخل سوريا، حيث تحتاج الطرق والمعابر وشبكات السكك الحديدية إلى عمليات إعادة تأهيل واسعة، تتطلب تمويلًا كبيرًا وإرادة سياسية واضحة وتنسيقًا طويل الأمد بين الدول المعنية، كما أن الوضعين الأمني والسياسي في بعض مناطق العبور لا يزالان عاملين حاسمين، إذ يصعب تصور ممر تجاري مستقر دون ضمان أمن الطرق والمعابر واستمرارية الحركة عبرها.
وإلى جانب ذلك، تبرز التعقيدات القانونية والدبلوماسية المرتبطة بمثل هذا المشروع، إذ إن ممرًا بهذا الحجم لا يحتاج فقط إلى بنية تحتية صالحة، بل إلى منظومة متكاملة من التنسيق الجمركي والأمني، والاعتراف الإقليمي والدولي، والاتفاق على قواعد العبور والتأمين والتشغيل، بما يضمن له الاستقرار والاستمرارية ويمنح الشركات والمستثمرين الثقة في جدواه.
وتضاف إلى هذه التحديات عقبة سياسية لا تقل أهمية، تتعلق بالموقف الإسرائيلي من المشروع، فتل أبيب لا تنظر إلى هذا الممر باعتباره مسار نقل عاديًا، بل باعتباره تحديًا محتملًا لنفوذها اللوجستي ولدورها الذي سعت إلى ترسيخه ضمن مشاريع الربط بين الخليج وأوروبا، ومن ثم، فإن المشروع قد يواجه ضغوطًا سياسية أو محاولات إعاقة مباشرة أو غير مباشرة من جانب الكيان، وربما من أطراف دولية متقاطعة المصالح معه، الأمر الذي يجعل تمريره بحاجة إلى جهود دبلوماسية معقدة وتفاهمات إقليمية قادرة على حمايته من التحول إلى ساحة جديدة للتجاذب والصراع.
وبصرف النظر عن حجم العقبات التي قد تعترض طريق هذا المشروع، فإنه يظل مؤشرًا لافتًا على تحول أعمق في تفكير دول المنطقة وتوجهاتها الاستراتيجية، فبعد عقود طويلة ظلت فيها المنطقة أسيرة خرائط تقليدية مرسومة سلفًا، حدّت من إمكاناتها وقلّصت من هامش حركتها ونفوذها، بدأت بعض دولها تبحث عن مخارج أكثر استقلالًا، سواء عبر تدشين ممرات بديلة، أو بناء شبكات تعاون إقليمية، أو إعادة توظيف الجغرافيا في خدمة الاقتصاد والسياسة معًا.
ولا يمكن فصل هذه التحركات عن حالة القلق المتزايدة من التحولات الجيوسياسية التي تعصف بالنظامين الإقليمي والدولي، فالمقاربات القديمة لم تعد قادرة على توفير الضمانات ذاتها، كما أن الدوران في فلك النظام التقليدي بات خيارًا محفوفًا بالمخاطر، ومن هذه الزاوية، فإن أهمية المشروع لا تكمن فقط في كونه طريقًا محتملًا للتجارة بين آسيا وأوروبا، بل في كونه تعبيرًا عن رغبة إقليمية في كسر القيود القديمة، والانتقال من موقع التابع لخريطة مرسومة إلى موقع الفاعل في رسم خرائط جديدة.
فالدول التي تدرك مبكرًا قيمة موقعها الجغرافي وقدرتها على تحويله إلى نفوذ اقتصادي وسياسي، ستكون أكثر قدرة على حجز مكانها في معادلات المستقبل، ولعل ما قاله رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، في سياق حديثه في منتدى دافوس الأخير، عن أفول النظام التقليدي وصعود عصر التحالفات الإقليمية، يختصر جانبًا من هذا التحول؛ فالدول التي لا تنجح في إيجاد مقعد لها على طاولة الكبار، قد تجد نفسها، عاجلًا أو آجلًا، ضمن قائمة الطعام.



