مقالات

الخوارزمية والعقل: من يصنع وعينا في العصر الرقمي؟

لم يعد السؤال في العصر الرقمي: ماذا نقرأ؟ بل أصبح السؤال الأكثر خطورة: من الذي يقرر ماذا نقرأ؟ نحن نفتح الهاتف بحثاً عن خبر، فنجد خبراً آخر، نشاهد مقطعاً واحداً، فتظهر أمامنا عشرات المقاطع المشابهة. نتفاعل مع فكرة، فتبدأ المنصة بتقديم المزيد منها.

وبمرور الوقت قد نتصور أننا نختار المحتوى بحرية، بينما الخوارزمية تتعلم من اختياراتنا، ثم تبدأ بدورها في اختيار ما يُعرض علينا. وهنا تبدأ القضية الحقيقية. الخوارزمية لا تحتاج إلى أن تقنعك بفكرة مباشرة؛ يكفي أن تكرر أمامك نوعاً معيناً من المحتوى حتى يصبح مألوفاً، والمألوف قد يبدو للعقل أكثر قبولاً من غيره.

ثم يحدث شيء أكثر خطورة: المعلومة تتحول إلى اهتمام، والاهتمام يتحول إلى قناعة، والقناعة تتحول إلى موقف، والموقف قد يتحول إلى سلوك. وهكذا يمكن أن تبدأ صناعة الوعي من نقرة صغيرة. الأخطر أن الإنسان لا يرى دائماً ما تم حجبه عنه؛ يرى ما اختير له، فيظن أن ما أمامه يمثل العالم كله.

وهنا تظهر فقاعة الخوارزمية: مجموعة من الأفكار والمواقف المتشابهة تحيط بالإنسان باستمرار، حتى يبدو له أن الجميع يفكرون مثله، وأن رأيه هو الرأي الطبيعي، وأن الرأي المختلف هو الاستثناء. لكن الحقيقة قد تكون مختلفة تماماً. فأنت لا ترى العالم كله؛ أنت ترى نسخة من العالم صُممت وفق نمط تفاعلك. وهذا لا يعني أن الخوارزميات “تتحكم بالكامل” في عقولنا، فهذه مبالغة؛ الإنسان ما يزال يمتلك القدرة على الاختيار والمراجعة والمقاومة.

لكن الخطر يكمن في أن البيئة الرقمية تستطيع توجيه الانتباه وترتيب الأولويات وتعزيز أنماط معينة من التعرض للمعلومات، وهنا يصبح الوعي الرقمي جزءاً من الأمن الفكري. العقل المحصّن لا يسأل فقط: ماذا يقول هذا المحتوى؟ بل يسأل: لماذا ظهر لي؟ ومن الذي يستفيد من بقائي أشاهده؟ ولماذا يتم تكرار هذه الفكرة أمامي؟ هل أرى رأياً واحداً لأن الحقيقة كذلك، أم لأن الخوارزمية تعرف أنني أفضل هذا النوع من المحتوى؟ وهل أبحث عن الحقيقة… أم أصبحت أبحث عن محتوى يجعلني أشعر أنني على حق؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في العصر الرقمي ليس أن تفقد معلوماتك، بل أن تفقد قدرتك على اختيار ما يستحق أن يدخل إلى عقلك. لذلك فإن معركة المستقبل لن تكون فقط على البيانات. ستكون على الانتباه. ومن يملك الانتباه يستطيع أن يؤثر في الإدراك. ومن يؤثر في الإدراك يستطيع، بدرجات مختلفة، أن يؤثر في المواقف والسلوك. ولهذا فإن حماية الوعي لا تعني الانسحاب من العالم الرقمي، بل امتلاك القدرة على استخدامه دون أن يتحول هو إلى مستخدم لنا.
لا تجعل الخوارزمية تختار لك ما تفكر فيه قبل أن تختار أنت ماذا تريد أن تعرف. ففي العصر الرقمي، قد لا يكون السؤال: من يملك المعلومة؟ بل: من يملك القدرة على ترتيبها أمام عينيك؟ وهنا تبدأ السيادة الجديدة: سيادة الإنسان على انتباهه، وعلى مصادر معرفته، وعلى عقله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى