قضايا وتحليلات

الإمارات وإيران.. حين تتحول «الرئة الاقتصادية» إلى ورقة ضغط

في خطوة فتحت الباب على مصراعيه أمام سيل من التكهنات بشأن مآلات المشهد الإقليمي ومسار التصعيد، قررت وزارة الخارجية الإماراتية وقف جميع التعاملات التجارية والمالية مع إيران حتى إشعار آخر، وذلك بعدما أظهرت تقييمات وزارة الدفاع الإماراتية أن صاروخين باليستيين قادمين من إيران كانا يستهدفان حركة الملاحة البحرية، موضحة أن القرار “جاء في ضوء التصعيد الإقليمي الذي قوّض السلام والأمن الإقليميين والدوليين”.

ورغم أن القرار لا يزال محاطًا بقدر كبير من الغموض، في ظل غياب تفاصيل واضحة بشأن طبيعة التعاملات التي سيشملها الإيقاف، وما إذا كان سيمتد إلى الحسابات والتحويلات المالية، أو تجارة الغذاء والدواء، أو العقود القائمة بالفعل؛ فإنه يمثل نقطة مفصلية في مسار العلاقات بين البلدين، فعلى الرغم من التوترات السياسية المتكررة بين أبوظبي وطهران، حافظ الجانبان، إلى حد كبير، على استمرارية التعاون الاقتصادي، في إطار سياسة تقوم على الفصل النسبي بين الخلافات السياسية والمصالح التجارية والمالية.

ومع ذلك، لا يبدو أن التصعيد الحالي يمثل قطيعة نهائية؛ إذ أبقى البيان الإماراتي الباب مفتوحًا أمام إمكانية التراجع عن القرار أو تعديله، من خلال ربط الإيقاف بعبارة “حتى إشعار آخر”، لكن الخطوة، رغم طبيعتها المؤقتة نظريًا، تظل شديدة الحساسية، وتحمل في طياتها العديد من الدلالات والرسائل الموجهة إلى قوى وأطراف وكيانات إقليمية ودولية.. فماذا يعني القرار الإماراتي؟ وما أبرز الرسائل التي يحملها في سياق التصعيد الإقليمي الراهن؟

تنبع أهمية مثل هذا القرار من حجم العلاقات التجارية بين البلدين، وما تمثله الإمارات تحديدًا بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني، إذ تُعد شريانًا حيويًا له، متجاوزةً إلى حد كبير التقلبات السياسية والخلافات الإقليمية التي تتصاعد وتهدأ من حين إلى آخر، فيما تحتل دبي على وجه الخصوص موقعًا استثنائيًا في التجارة الخارجية الإيرانية، ليس فقط باعتبارها سوقًا للسلع الإيرانية، وإنما أيضًا بوصفها مركزًا لإعادة التصدير ومنصة لوجستية ومالية تربط الاقتصاد الإيراني بالأسواق العالمية.

وتشير التقديرات إلى أن حجم التجارة بين البلدين بلغ خلال العام الماضي نحو 29.1 مليار دولار، منها 21.9 مليار دولار صادرات إماراتية إلى إيران، مقابل 7.2 مليارات دولار صادرات إيرانية إلى الإمارات، وبذلك أصبحت الدولة الإماراتية أكبر مصدر للواردات الإيرانية، وثالث أكبر وجهة للصادرات الإيرانية، فيما تحولت دبي إلى واحدة من أهم حلقات ارتباط إيران بالعالم الخارجي.

ربما يكون توقيت القرار أكثر أهمية من مضمونه ذاته من الناحية السياسية والاستراتيجية؛ إذ جاء بعد انتهاء مهلة الستين يومًا التي حددتها مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية، الموقعة في 17 يونيو/حزيران الماضي، للتوصل إلى تسوية أوسع بين الجانبين

وتستمد دبي أهميتها اللوجستية بالنسبة إلى طهران من كونها أحد أبرز المنافذ التي اعتمدت عليها إيران للحصول على السلع والمعدات، فضلًا عن دورها كحلقة وصل غير مباشرة مع سلاسل التجارة والتمويل الدولية، ولا سيما في ظل العقوبات الغربية المفروضة على طهران.

ومن هذا المنطلق، حرصت إيران على إبقاء قنواتها الاقتصادية مع أبوظبي مفتوحة حتى في ذروة التوترات السياسية والأمنية؛ فعلى الرغم من التجميد المؤقت للتعاملات التجارية خلال الأشهر الأولى من الحرب، عادت حركة التجارة بين الجانبين في يونيو/حزيران الماضي، وهو ما يضفي على قرار وقف النشاط التجاري والمعاملات المالية مع إيران حساسية سياسية واقتصادية مضاعفة، ويمنحه دلالات تتجاوز كونه إجراءً اقتصاديًا عابرًا إلى ما هو أبعد من ذلك.

ربما يكون توقيت القرار أكثر أهمية من مضمونه ذاته من الناحية السياسية والاستراتيجية؛ إذ جاء بعد انتهاء مهلة الستين يومًا التي حددتها مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية، الموقعة في 17 يونيو/حزيران الماضي، للتوصل إلى تسوية أوسع بين الجانبين،  وقد انتهت المهلة رسميًا في 17 أغسطس/آب الجاري من دون التوصل إلى اتفاق، بما يعني عمليًا انتهاء مرحلة التهدئة المؤقتة وعودة احتمالات التصعيد إلى الواجهة.

وفي اليوم التالي مباشرة لانتهاء المهلة، عادت مؤشرات التوتر إلى المشهد بقوة، سواء عبر تصاعد السجال السياسي والإعلامي بشأن مضيق هرمز، أو من خلال الاستهدافات الإيرانية التي طالت أهدافًا ومصالح خليجية، من بينها الإمارات، وفي خضم هذا التصعيد، جاء قرار أبوظبي وقف جميع التعاملات التجارية والمالية مع إيران حتى إشعار آخر، ليبدو جزءًا من سياق أوسع يتجاوز حدود العلاقات الاقتصادية الثنائية.

ويشير هذا التتابع الزمني والسياسي للأحداث إلى أن المنطقة ربما دخلت مرحلة جديدة من التصعيد عقب تعثر مسار التهدئة، بدأت خلالها الأطراف المختلفة في إعادة تفعيل أوراق الضغط التي جرى تحييد بعضها خلال فترة المفاوضات، فواشنطن وطهران، ومعهما الدول المتأثرة مباشرة بتداعيات المواجهة، وفي مقدمتها دول الخليج، باتت أكثر استعدادًا لاستخدام ما لديها من أدوات سياسية واقتصادية وأمنية للضغط على الطرف الآخر، ومن هذه الزاوية، تكتسب الخطوة الإماراتية دلالات تتجاوز إطارها الاقتصادي الضيق.

رغم التماهي الإماراتي الواضح مع الأجندة الأمريكية الرامية إلى زيادة الضغوط على إيران وتشديد الخناق عليها، فإن أبوظبي حرصت، في الوقت ذاته، وبحسابات براغماتية دقيقة، على إبقاء القنوات الاقتصادية والدبلوماسية مفتوحة مع طهران، وهي ذات المقاربة الإيرانية تقريبًا؛ والتي واصلت، رغم تصعيدها ضد أهداف إماراتية، الفصل النسبي بين الخلافات السياسية والأمنية من جهة، والمصالح الاقتصادية والتجارية من جهة أخرى.

وقد انعكست هذه المقاربة عمليًا في استئناف أبوظبي حركة الشحن المباشر مع طهران عبر ميناء جبل علي أواخر يونيو/حزيران الماضي، بعد توقفها منذ مارس/آذار من العام الجاري، إلى جانب ما تردد بشأن الإفراج عن بعض الأرصدة الإيرانية المجمدة لديها، رغم نفي الإمارات رسميًا، وهو المسار الذي يكشف عن حرص إماراتي سابق على الإبقاء على قدر من المرونة في العلاقة مع إيران، وعدم الانزلاق إلى قطيعة اقتصادية شاملة رغم حدة التوترات الإقليمية.

وعلى مدار الأشهر الماضية، بدت معادلة “التجارة مقابل خفض التصعيد” واحدة من أبرز ركائز المقاربة الإماراتية تجاه إيران منذ اندلاع الحرب؛ غير أن الاختلال الذي أصاب هذه المعادلة، في ظل تكرار الهجمات الإيرانية واتساع نطاق التهديدات الأمنية، دفع أبوظبي على ما يبدو إلى إعادة تقييم هذا النهج، ومن ثم، يمكن قراءة القرار الأخير باعتباره انتقالًا تدريجيًا من سياسة احتواء إيران والحفاظ على قنوات المصالح معها، إلى توظيف الإكراه الاقتصادي باعتباره إحدى أدوات الضغط والردع.

وفي ظل محدودية الخيارات العسكرية المتاحة أمام الإمارات للرد المباشر على الهجمات الإيرانية من دون الانخراط في دائرة تصعيد أوسع، برزت الورقة الاقتصادية باعتبارها إحدى أكثر أدوات الضغط فاعلية وأقلها كلفة سياسيًا وأمنيًا، فالتلويح بإغلاق أحد أهم الشرايين التجارية والمالية التي يعتمد عليها الاقتصاد الإيراني، وتقليص دور الإمارات بوصفها إحدى أبرز رئات إيران الاقتصادية إقليميًا وأحد جسورها الرئيسية إلى الأسواق الخارجية، يمنح أبوظبي أداة ضغط مؤثرة، بما يحمل رسالة مباشرة إلى طهران مفادها أن استمرار استخدام الصواريخ أو التهديد بمضيق هرمز كأدوات للضغط الإقليمي قد يقابله استهداف للمنافذ التجارية والمالية التي تمثل أهمية حيوية للاقتصاد الإيراني.

لطالما وُصفت الإمارات بأنها الرئة الاقتصادية الأكثر استمرارية لإيران، بصرف النظر عن حجم التوترات السياسية أو مستوى التهديدات الأمنية بين الجانبين؛ إذ حكمت أبوظبي علاقاتها مع طهران، في جانب كبير منها، بحسابات براغماتية تتجاوز كثيرًا من الاعتبارات السياسية، على نحو يتكرر في عدد من الملفات الإقليمية.

وقد استندت طهران بدورها إلى هذه المعادلة في إدارة علاقاتها مع دول الخليج، انطلاقًا من قناعة راسخة بإمكانية الفصل بين الخلافات السياسية والأمنية وبين المصالح الاقتصادية والتجارية، وهي السياسة التي أثارت، بين الحين والآخر، تحفظات لدى بعض حلفاء أبوظبي، سواء داخل الخليج أو لدى الولايات المتحدة وإسرائيل.

رغم ما قد تحمله قراءة قرار وقف النشاط التجاري مع إيران من مؤشرات على رغبة إماراتية في تصعيد الضغوط على طهران، فإن الأمر لم يصل بعد إلى حد القطيعة بين البلدين؛ فأبوظبي لم تقدم، على سبيل المثال، على قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، كما أن استخدام صيغة «حتى إشعار آخر» يحمل دلالة واضحة على إبقاء باب التراجع مفتوحًا، ويؤكد أن القرار ليس نهائيًا أو دائمًا بطبيعته.

ومن هذه الزاوية، يعكس القرار الأخير اقترابًا إماراتيًا نسبيًا من المقاربة الأميركية والخليجية الأكثر تشددًا تجاه إيران، القائمة على تضييق مساحة المناورة الاقتصادية أمام طهران ومحاولة إغلاق أكبر عدد ممكن من المنافذ التجارية والمالية التي تساعدها على تخفيف وطأة العقوبات الغربية والالتفاف على بعض قيودها، وبذلك، تنتقل أبوظبي من موقع الشريك الاقتصادي الذي حافظ طويلًا على قنوات مفتوحة مع إيران إلى توظيف هذه القنوات نفسها باعتبارها ورقة ضغط في مواجهة التصعيد الإيراني.

وعليه، تبعث أبوظبي برسالة مزدوجة؛ الأولى إلى دول الخليج والولايات المتحدة، مفادها أن أمن الخليج وحرية الملاحة في مضيق هرمز يمثلان خطًا أحمر، وأن تجاوزهما ستكون له كلفة اقتصادية وسياسية مرتفعة، حتى وإن تطلب ذلك التضحية بجزء من المصالح التجارية الإماراتية مع إيران، أما الرسالة الثانية، والموجهة مباشرة إلى طهران، فتؤكد أن استمرار التصعيد بهذه الوتيرة قد يفقدها واحدًا من أهم شركائها الاقتصاديين واللوجستيين في المنطقة، في وقت تبدو فيه إيران في أمسّ الحاجة إلى مثل هذه المنافذ في ظل العقوبات والضغوط الاقتصادية المفروضة عليها.

رغم ما قد تحمله قراءة قرار وقف النشاط التجاري مع إيران من مؤشرات على رغبة إماراتية في تصعيد الضغوط على طهران، فإن الأمر لم يصل بعد إلى حد القطيعة بين البلدين؛ فأبوظبي لم تقدم، على سبيل المثال، على قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، كما أن استخدام صيغة «حتى إشعار آخر» يحمل دلالة واضحة على إبقاء باب التراجع مفتوحًا، ويؤكد أن القرار ليس نهائيًا أو دائمًا بطبيعته.

ومن هنا، يبدو أن الهدف الأساسي من الخطوة يتمثل في توظيف الاقتصاد باعتباره أداة ضغط وتفاوض، لدفع طهران إلى إبداء قدر أكبر من المرونة في مسار التسوية السياسية، بما يسمح لأبوظبي بالحفاظ على مصالحها الاقتصادية في إيران من جانب، وعدم توسيع هوة الخلاف مع حلفائها الخليجيين من جانب آخر، فضلًا عن التعبير عمليًا عن قدر من التماهي مع المقاربة الأميركية–الإسرائيلية الأكثر تشددًا تجاه طهران.

وفي المحصلة، ورغم أهمية القرار الإماراتي وحساسيته بالنسبة إلى إيران، فإنه لا يمثل ضربة صادمة أو خانقة بصورة كاملة، في ظل امتلاك طهران منافذ ومسارات بديلة عبر الصين وتركيا والعراق وقنوات أخرى، وإن كانت هذه البدائل أعلى تكلفة وأكثر تعقيدًا ومخاطر.

ومع ذلك، يظل القرار، رغم غياب تفاصيله وأدوات تنفيذه، ورقة ضغط مؤثرة ورسالة سياسية واضحة، توحي بأن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالًا تدريجيًا من سياسة الاحتواء إلى مرحلة أكثر اعتمادًا على توظيف أدوات الضغط المتبادل، حيث يسعى كل طرف إلى استخدام ما يمتلكه من أوراق لتعظيم مكاسبه قبل العودة إلى طاولة المفاوضات، وهو ما يفتح المشهد الإقليمي على احتمالات متعددة، ويدفع مختلف الأطراف إلى إعادة تقييم مواقفها وترتيب مقارباتها بصورة متسارعة، وفقًا للمستجدات المتلاحقة على الأرض.

(نون بوست)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى