
د. عبدالعظيم الشاذلي يكتب: عندما يتكلم القلق من البطن.. لماذا تتعب المعدة أوقات التوتر؟
يتكرر في عيادات الجهاز الهضمي مشهد مألوف جدًا…
يجلس المريض ويقول:
«يا دكتور، كلما توترت تتعب معدتي… ينتفخ بطني، ويبدأ المغص، وأحيانًا أضطر إلى دخول الحمام أكثر من مرة. أجريت التحاليل، وقيل لي إن كل شيء سليم… فهل أنا أتخيل ما أشعر به؟»
والإجابة التي يحتاج هذا المريض إلى سماعها بوضوح هي:
لا… أنت لا تتوهم، وألمك حقيقي.
لكن الحقيقة أيضًا أن المشكلة قد لا تكون في المعدة أو القولون وحدهما؛ فالدماغ والجهاز الهضمي يتحدثان معًا طوال الوقت، وما يحدث لأحدهما قد ينعكس مباشرة على الآخر.
الأمعاء ليست مجرد أنبوب للطعام
يعتقد كثيرون أن الجهاز الهضمي مجرد أنبوب طويل يهضم الطعام ثم يتخلص من الفضلات. لكن الحقيقة أنه يحتوي على شبكة عصبية شديدة التعقيد، حتى إن بعض العلماء يصفونه مجازًا بأنه «الدماغ الثاني».
وبين الدماغ والأمعاء خط اتصال لا يتوقف، تنتقل عبره الرسائل من خلال الأعصاب والهرمونات والجهاز المناعي. ولهذا، عندما يدخل الإنسان في حالة قلق أو ضغط مستمر، لا يبقى الأمر حبيس الأفكار؛ بل يشعر به الجسم كله.
قد تتغير حركة المعدة، أو تتسارع الأمعاء عند شخص وتتباطأ عند آخر، وقد تصبح الأعصاب الموجودة داخل الجهاز الهضمي أكثر حساسية، فيشعر الإنسان بكمية عادية من الغازات وكأنها انتفاخ شديد، أو بانقباض طبيعي وكأنه مغص مؤلم.
وهنا نفهم لماذا يسبق الإسهال أحيانًا موعدًا مهمًا، ولماذا تشتعل الحموضة في فترات الضغط، ولماذا يزداد القولون اضطرابًا قبل الامتحانات أو أثناء المشكلات العائلية وضغوط العمل.
من بدأ المشكلة أولًا: الدماغ أم الأمعاء؟
في كثير من الأحيان لا توجد إجابة واحدة.
قد يبدأ الأمر بفترة من القلق فتظهر الأعراض الهضمية، ثم يبدأ المريض في الخوف من الألم نفسه:
ماذا لو أصابني المغص خارج المنزل؟
ماذا لو احتجت إلى الحمام أثناء الاجتماع؟
هل هذا الطعام سيتعبني؟
وهكذا يصبح التفكير في الأعراض سببًا في زيادتها، وتدخل المعدة والقولون والدماغ في دائرة مغلقة؛ القلق يزيد الألم، والألم يزيد القلق.
وقد يحدث العكس أيضًا. فالشخص الذي يعاني أعراضًا هضمية مزمنة قد تتأثر نفسيته ونومه وعمله وعلاقاته الاجتماعية. لذلك ليس من العدل أن نقول إن القلق هو السبب دائمًا، ولا أن نفصل الصحة النفسية عن صحة الجهاز الهضمي وكأنهما عالمان لا يلتقيان.
«التحاليل سليمة» لا تعني أن المريض سليم تمامًا
من أكثر العبارات التي تزعج المريض أن يسمع:
«كل الفحوص سليمة… إذن ليس لديك شيء».
سلامة الفحوص خبر مطمئن بالتأكيد، لكنها لا تعني أن الأعراض مصطنعة. ففي حالات مثل القولون العصبي وعسر الهضم الوظيفي، قد لا يظهر التهاب أو جرح أو ورم في التحاليل أو المنظار، بينما تكون المشكلة في طريقة حركة الجهاز الهضمي وحساسية أعصابه وطريقة استقبال الدماغ للإشارات القادمة منه.
ولهذا أصبح الطب يستخدم تعبيرًا أكثر دقة هو «اضطرابات التفاعل بين الأمعاء والدماغ».
وهذه الاضطرابات ليست نادرة أو دليلًا على ضعف الشخصية. تشير الدراسات الدولية إلى أنها تصيب نسبة كبيرة من البشر بدرجات مختلفة، وقد تؤثر بوضوح في جودة الحياة والعمل والنوم.
لكن ليس كل شيء سببه الحالة النفسية
هذه هي النقطة الأهم والأكثر حساسية.
أحيانًا يقال للمريض بسرعة: «هذا قولون عصبي»، فقط لأنه يمر بظروف صعبة أو لأن التحاليل الأولية لم تظهر سببًا واضحًا. وقد يؤدي هذا التسرع إلى تأخير اكتشاف مرض عضوي يحتاج إلى العلاج.
فأعراض الانتفاخ والمغص وتغير الإخراج قد تظهر أيضًا مع حساسية القمح «السيلياك»، أو أمراض الأمعاء الالتهابية، أو بعض العدوى، أو اضطرابات الغدة الدرقية، أو نقص الحديد، أو أمراض أخرى.
لذلك يجب عدم تجاهل ظهور الدم مع البراز، أو فقدان الوزن دون سبب، أو الأنيميا ونقص الحديد، أو الأعراض التي توقظ المريض من النوم باستمرار، أو القيء المتكرر، أو ظهور أعراض جديدة في عمر متقدم، أو وجود تاريخ عائلي لسرطان القولون أو أمراض الأمعاء الالتهابية.
وجود إحدى هذه العلامات لا يعني بالضرورة وجود مرض خطير، لكنه يعني أن الأمر يستحق تقييمًا طبيًا جادًا قبل الاكتفاء بتشخيص القولون العصبي.
العلاج ليس مجرد «بطل تفكير»
من السهل أن تقول لشخص متوتر: «اهدأ». لكن كيف يهدأ؟ وكيف يتوقف عن التفكير وهو يعاني ألمًا حقيقيًا كل يوم؟
التعامل الصحيح يبدأ بالاستماع إلى المريض وفهم ظروفه ونمط أعراضه، ثم وضع خطة تناسبه هو، وليس وصفة واحدة تُعطى للجميع.
تنظيم مواعيد الطعام، والنوم الكافي، والنشاط البدني، وشرب الماء، وتقليل الوجبات الدسمة، ومراقبة الأطعمة التي تزيد الأعراض قد تساعد كثيرًا.
لكن من الخطأ منع الحليب والخبز والخضراوات وعشرات الأطعمة دفعة واحدة دون سبب واضح؛ لأن الحمية القاسية قد تزيد القلق وتؤدي إلى نقص غذائي من دون فائدة حقيقية.
بعض المرضى يحتاجون إلى علاج للإمساك أو الإسهال أو التقلصات. وبعضهم يستفيد من أدوية تهدئ الإشارات العصبية بين الدماغ والأمعاء.
وقد تكون هذه الأدوية معروفة أصلًا باستخدامها في علاج القلق أو الاكتئاب، لكنها تُستخدم أحيانًا بجرعات مختلفة لتقليل حساسية الأعصاب والألم الهضمي.
وهذا لا يعني أن الطبيب يرى المرض «نفسيًا»، بل يعني أنه يعالج أحد المسارات التي تنقل الألم.
كما قد يستفيد بعض المرضى من العلاج السلوكي المعرفي أو تقنيات الاسترخاء والتنفس أو العلاج النفسي الموجّه لأعراض الجهاز الهضمي.
وهذه ليست مجاملة للمريض، ولا حلًا أخيرًا بعد فشل العلاج؛ بل جزء معترف به علميًا من الخطة المتكاملة لبعض اضطرابات الأمعاء والدماغ.
لا تهمل جسدك… ولا تخف منه
الرسالة ليست أن كل من يعاني المغص يحتاج إلى طبيب نفسي، وليست أن كل ألم في البطن يحتاج إلى منظار وعشرات التحاليل.
الرسالة ببساطة أن الإنسان وحدة واحدة. ما يرهق عقلك قد يسمعه جهازك الهضمي، وما يؤلم أمعاءك قد يسرق هدوءك ونومك.
لا تصف كل عرض بأنه «توتر» قبل الاطمئنان، ولا تعتبر تأثير التوتر وهمًا بعد استبعاد الأسباب العضوية.
افهم ما يحدث، وانتبه إلى علامات الإنذار، واطلب المساعدة المناسبة بدل التنقل بين الحميات والوصفات وتجارب الآخرين.
فأحيانًا لا يقول الإنسان إنه متعب… لكن معدته تقولها نيابة عنه.
افهم جسمك… واطمئن على صحتك.
*استشاري أمراض الجهاز الهضمي والكبد والمناظير



