مقالات

عزة الفشني تكتب: الردع المصري والعناد الإثيوبي صراع النفوذ على النيل الأزرق

حين يعلو صوت الماء يصمت كل صوت آخر لأن الماء هو الأصل وهو البداية وهو نهاية كل حسابات السياسة.
في هذه الأيام تعود أثيوبيا لتتحدث من جديد عن النيل الأزرق وتعلن عن رغبتها في بناء ثلاثة سدود جديدة فوق الجسد نفسه الذي أقيم عليه سد النهضة وكأن الجرح القديم لم يندمل بعد وكأن سنوات التفاوض والشد والجذب لم تترك في الذاكرة المصرية إلا مزيداٌ من القلق.

  • بناء سدود جديدة من منظور القاهرة وأديس أبابا

من منظور أديس أبابا الأمر بسيط هم يرون في هذه السدود طريقاٌ للخروج من العتمة طريقاٌ للكهرباء التي تنير البيوت وللمصانع التي تشغل الأيدي وللتنمية التي يحلم بها مئة وعشرون مليون إنسان يقولون إن النهر يمر بأرضهم أولاٌ وإن لهم الحق في أن يستفيدوا منه كما تستفيد باقي الأمم من أنهارها

أما من منظور القاهرة فالصورة مختلفة تماماٌ هنا لا نتحدث عن مشروع طاقة نتحدث عن شريان حياة وحيد لا بديل له نتحدث عن نهر يجري لمسافة آلاف الكيلومترات ليصل إلى دلتا تزرع وتشرب وتبني مستقبل أكثر من مئة وعشرون مليون مصري أي نقص فيه ليس رقماٌ في تقرير بل هو أرض تبور وبيت يعطش وطفل لا يجد ماء يشربه

ولهذا حين تأتي أنباء السدود الجديدة لا يقرأها المصريون كخبر هندسي عادي بل يقرأونها كرسالة مباشرة كإستفزاز متعمد. كمحاولة لفرض أمر واقع جديد فوق أمر واقع لم يتم الإتفاق عليه بعد لقد قالت مصر مراراٌ وتكراراٌ إنها لا ترفض تنمية أحد لكنها ترفض أن تكون تنمية أحد على حساب وجودها ورفضت منذ اللحظة الأولى أن يتم بناء السد بطريقة أحادية دون إتفاق ملزم يحمي حصة مصر ويضمن ألا يتكرر سيناريو العطش.

  • ما تفعله أثيوبيا إعلان حرب ومصر قادرة على الرد

اليوم يتردد في الشارع المصري كلام غاضب ويتردد أن ما تفعله أثيوبيا هو إعلان حرب وترد الدولة بأنها قادرة على حماية أمنها القومي بجيشها وبمخابراتها وبكل أدواتها وأنها تعرف متى وكيف ترد لكنها في الوقت نفسه تسير في طريق آخر طريق القانون الدولي وطريق مجلس الأمن وطريق إقناع العالم بأن نهراٌ عابراٌ للحدود لا يمكن أن يدار بمزاج دولة واحدة

الحقيقة المرة أن لا أحد سيربح حرب الماء لو وقعت لأن النهر سيتأذى أولاٌ والإنسان سيتأذى ثانياٌ والأرض بين المنبع والمصب ستدفع الثمن ولذلك يبقى الأمل معلقاٌ على كلمة عقل تقال في الوقت المناسب وعلى إدراك أن النيل ليس ملكاٌ لأحد لكن العطش يمكن أن يصيب الجميع.

  • ما يحدث إختبار كبير لصبر مصر وذكاء قادتها

ما يحدث الآن اختبار كبير لصبر مصر وذكاء قادتها فإما أن نكتب معاٌ إتفاقاٌ يحفظ لمصر ماءها ولأثيوبيا ما تطمح له وإما أن ندخل جميعاٌ في نفق مظلم لا يعلم نهايته إلا الله

الخلاصة أن النيل أكبر من سد وأكبر من تصريح وأكبر من لحظة غضب
هو عهد قديم بين الأرض والسماء لا يجوز أن نكسره بأيدينا
فإن أردنا أن تنتصر التنمية فلتكن تنمية لا تعطش أحداٌ.
وإن أردنا أن نحفظ الأمن فلنحفظه بماء يجري للجميع لا بماء يحبس عن أحد.. وإلا فالتاريخ لن يغفر لمن كان بيده أن يروي فإختار أن يظمئ.
الحقيقة الغائبة عن إثيوبيا ومن يعاونها أن النيل سيجري كما جرى لآلاف السنين لكن السؤال الذي لا إجابة له بعد بأي لون سيجري وبأي ثمن؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى