
في ذكرى ميلاده.. الشيخ الشعراوي إمام الدعاة الذي عاش في قلوب الملايين
دنيا شرف
في مثل هذا اليوم، 15 أبريل من عام 1911، تحل ذكرى ميلاد واحد من أعظم علماء الدين في العصر الحديث، وأحد أبرز رموز الدعوة الإسلامية الذين تركوا أثرًا واسعًا في وجدان المسلمين، وهو الشيخ محمد متولي الشعراوي، فقد استطاع بأسلوبه البسيط والعميق أن يصل إلى قلوب الملايين، وأن يتجاوز حدود اللغة والثقافة، ليصبح صوته مألوفًا في البيوت العربية، وتصبح خواطره حول القرآن الكريم علامة بارزة في الوعي الديني لدى أجيال متعاقبة.
ويُعد الشيخ الشعراوي من أشهر مفسري معاني القرآن الكريم في القرن العشرين، إذ قدّم تفسيرًا ميسرًا قريبًا من الناس، بلغة سهلة وأسلوب سلس، ما جعله أكثر قدرة على الوصول إلى مختلف شرائح المجتمع في أنحاء العالم العربي. كما تولى منصب وزير الأوقاف المصري سابقًا، ولقّبه كثيرون بـ إمام الدعاة، تقديرًا لمكانته الكبيرة ودوره المؤثر في خدمة الدعوة الإسلامية.
وُلد الشيخ محمد متولي الشعراوي في قرية دقادوس التابعة لمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، وحفظ القرآن الكريم وهو في الحادية عشرة من عمره. وفي عام 1922 التحق بمعهد الزقازيق الابتدائي الأزهري، وظهرت عليه ملامح النبوغ منذ سنواته الأولى، فكان محبًا للشعر والأدب، حافظًا لكثير من المأثور والحكم. ثم حصل على الشهادة الابتدائية الأزهرية عام 1923، وانتقل إلى المعهد الثانوي الأزهري، حيث ازداد اهتمامه بالشعر والأدب، ونال مكانة مميزة بين زملائه، فاختير رئيسًا لاتحاد الطلبة ورئيسًا لجمعية الأدباء بالزقازيق.
وشهدت تلك المرحلة احتكاكه بعدد من الأسماء التي أصبحت لاحقًا من الشخصيات البارزة، مثل الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، والشاعر طاهر أبو فاشا، والأستاذ خالد محمد خالد، والدكتور أحمد هيكل، والدكتور حسن جاد، وكانوا يعرضون عليه ما يكتبون، في دلالة واضحة على ما تمتع به من حضور مبكر وثقة بين أقرانه.
وكانت نقطة التحول الكبرى في حياته حين أراد والده إلحاقه بالأزهر الشريف في القاهرة، بينما كان الشيخ يفضّل البقاء إلى جوار إخوته والعمل في زراعة الأرض. غير أن إصرار والده حسم الأمر، فاصطحبه إلى القاهرة، وهيأ له مكان السكن، ودفع المصروفات، لتبدأ رحلة علمية ودعوية استثنائية ستصنع لاحقًا واحدًا من أبرز أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث.
وتزوج الشيخ الشعراوي في مرحلة الدراسة الثانوية بناءً على رغبة والده الذي اختار له زوجته، فوافق على هذا الاختيار، وأنجب ثلاثة أبناء وبنتين: سامي، وعبد الرحيم، وأحمد، وفاطمة، وصالحة. وكان يرى أن من أهم عوامل نجاح الزواج حسن الاختيار والقبول المتبادل والمحبة بين الطرفين.
وفي عام 1937 التحق بكلية اللغة العربية، وانشغل بالحركة الوطنية والحركة الأزهرية، وكان يلقي الخطب في ساحات الأزهر وأروقته، مستكملاً حضوره الطلابي والفكري، لا سيما أنه كان يتولى رئاسة اتحاد الطلبة. ثم تخرج عام 1940، وحصل على العالمية مع إجازة التدريس عام 1943.
وبعد تخرجه، عُيّن في المعهد الديني بطنطا، ثم انتقل إلى المعهد الديني بالزقازيق، ثم إلى المعهد الديني بالإسكندرية. وبعد سنوات من الخبرة، سافر إلى المملكة العربية السعودية عام 1950 ليعمل أستاذًا للشريعة في جامعة أم القرى. ورغم أن تخصصه الأصلي كان في اللغة العربية، فإنه اضطر إلى تدريس مادة العقيدة، وهو ما مثل تحديًا كبيرًا، لكنه استطاع أن يثبت كفاءة لافتة وتميزًا كبيرًا في تدريسها، فنال استحسان الجميع وتقديرهم.
ثم عاد إلى القاهرة، وعُيّن مديرًا لمكتب شيخ الأزهر الشريف الشيخ حسن مأمون، قبل أن يسافر إلى الجزائر رئيسًا لبعثة الأزهر هناك، حيث أمضى نحو سبع سنوات في التدريس. وبعد عودته إلى مصر، تولى عددًا من المناصب، منها مدير أوقاف محافظة الغربية، ثم وكيلًا للدعوة والفكر، ثم وكيلًا للأزهر، قبل أن يعود مرة أخرى إلى السعودية للتدريس في جامعة الملك عبد العزيز.
وفي نوفمبر عام 1976، اختاره رئيس الوزراء آنذاك ممدوح سالم ضمن أعضاء الحكومة، وأسند إليه وزارة الأوقاف وشؤون الأزهر، وظل في هذا المنصب حتى أكتوبر 1978. ويُنسب إليه أنه كان أول من أصدر قرارًا وزاريًا بإنشاء أول بنك إسلامي في مصر، وهو بنك فيصل الإسلامي.
وفي عام 1987، اختير عضوًا بمجمع اللغة العربية، المعروف بـ مجمع الخالدين، كما نال العديد من الأوسمة والجوائز الرفيعة، من بينها وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى بمناسبة بلوغه سن التقاعد في 15 أبريل 1976، قبل تعيينه وزيرًا للأوقاف وشؤون الأزهر، ثم وسام الجمهورية من الطبقة الأولى عامي 1983 و1988. كذلك حصل على الدكتوراه الفخرية في الآداب من جامعتي المنصورة والمنوفية.
كما اختارته رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة عضوًا في الهيئة التأسيسية لمؤتمر الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية، وكلفته بترشيح عدد من المحكمين في مختلف التخصصات الشرعية والعلمية لتقويم الأبحاث المقدمة إلى المؤتمر. وفي عام 1989، اختارته محافظة الدقهلية شخصية المهرجان الثقافي السنوي، تكريمًا لدوره الكبير في الدعوة الإسلامية محليًا ودوليًا، كما أعلنت عن مسابقة خاصة حول حياته وأعماله، ورصدت لها جوائز تقديرية وتشجيعية.
وفي عام 1998، اختارته جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم شخصية العام الإسلامية في دورتها الأولى، ليؤكد ذلك حجم التقدير الذي ناله في العالم الإسلامي، ومكانته الكبيرة في قلوب الناس.
وترك الشيخ الشعراوي عددًا كبيرًا من المؤلفات التي دارت معظمها حول القرآن الكريم، وقضايا العقيدة، والفكر الإسلامي، والفقه، ومن أبرزها: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، الفتاوى، نظرات في القرآن الكريم، الطريق إلى الله، على مائدة الفكر الإسلامي، الإسلام والفكر المعاصر، الشورى والتشريع في الإسلام، ومائة سؤال وجواب في الفقه الإسلامي.
وفي 17 يونيو 1998، رحل الشيخ محمد متولي الشعراوي عن عمر ناهز 87 عامًا، بعدما ترك وراءه تراثًا علميًا ودعويًا كبيرًا، لا يزال حاضرًا في البيوت والقلوب والعقول. وما زال المصريون والعرب يستمعون إلى خواطره في تفسير القرآن الكريم، لما فيها من صفاء وبساطة وعمق، جعلها مفهومة للمتخصص وغير المتخصص على السواء. رحم الله الإمام الجليل، الذي أثبت أن الكلمة الصادقة حين تخرج من قلب مؤمن، يمكن أن تعيش طويلًا، وأن تترك أثرًا لا يزول في حياة الناس.



