
53 عامًا على أكتوبر 1973: هل تغيّرت قواعد الحرب أم تغيرت أدواتها؟
د.حمدى محمود – باحث متخصص في الشؤون الدولية والإستراتيجية المعاصرة
بعد ثلاثة وخمسين عامًا على حرب أكتوبر 1973، لم تعد قيمة هذه الحرب مرتبطة فقط بما جرى في ساعات العبور الأولى، أو بحركة القوات على الجبهة، أو بالمعارك التي دارت فوق سيناء وعلى امتداد قناة السويس. الزمن نفسه أعاد صياغة السؤال. فلم تعد أكتوبر مجرد حدث عسكري نستعيد تفاصيله في كل ذكرى، وإنما أصبحت تجربة تاريخية تسمح لنا بالنظر إلى الحرب من زاوية أوسع: كيف تصنع الدول المفاجأة؟ كيف تفشل أجهزة الاستخبارات رغم امتلاكها للمعلومات؟ كيف يتحول التفوق العسكري إلى وهم إذا أصبح يقينًا لا يُراجع؟ وكيف يمكن لحرب محدودة الأهداف أن تفتح طريقًا إلى تحول سياسي أكبر؟ من هنا يصبح السؤال الحقيقي بعد 53 عامًا: هل تغيّرت قواعد الحرب، أم أن الذي تغير هو الأدوات التي يستخدمها الإنسان في خوضها؟¹
ربما تكون المفاجأة الاستراتيجية هي أول ما يجعل أكتوبر حاضرة في الدراسات العسكرية حتى اليوم. فالمشكلة التي واجهت إسرائيل لم تكن ببساطة أنها لم تعرف شيئًا عن تحركات مصر وسوريا، وإنما أن المعلومات المتاحة جرى تفسيرها داخل إطار ذهني سابق. كانت هناك مؤشرات وتحركات وتحذيرات، لكن الاعتقاد السائد بشأن عدم استعداد العرب لحرب شاملة، وبشأن التفوق الإسرائيلي وقدرته على الردع، جعل قراءة تلك المؤشرات أكثر صعوبة. وهنا يظهر أحد أكثر دروس أكتوبر قسوة: ليس أخطر ما يمكن أن يحدث لجهاز استخبارات أن تنقصه المعلومات، وإنما أن يمتلك المعلومات ثم يفسرها بطريقة تؤكد ما كان يعتقده مسبقًا.²
وهذا الدرس لم يفقد قيمته مع التطور التكنولوجي، بل ربما أصبح أكثر أهمية. ففي 1973 كانت وسائل الاستطلاع والاتصال محدودة مقارنة بما نملكه اليوم، أما الآن فقد أصبحت الدولة قادرة على مراقبة مساحات واسعة من الأرض، وتحليل كميات هائلة من البيانات، واستخدام الأقمار الصناعية والطائرات غير المأهولة والذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن كثرة البيانات لا تعني بالضرورة وضوح الرؤية. فالإنسان هو الذي يقرر أي معلومة تستحق الاهتمام، وأيها يمكن تجاهلها، وأي نمط يفسر باعتباره تهديدًا وأي نمط يفسر باعتباره نشاطًا عاديًا. ولهذا قد تصبح التكنولوجيا وسيلة لإنتاج وهم أكبر بالمعرفة إذا لم يصاحبها عقل نقدي قادر على التشكيك في افتراضاته.
ومن هنا تبدو أدوات الحرب هي التي تغيرت بصورة جذرية، بينما ظلت قواعدها الأساسية أكثر ثباتًا. لقد تغير السلاح، وتغيرت سرعة الحركة، واتسعت قدرة الرصد والاستطلاع، وأضيفت إلى ساحات الحرب مجالات جديدة مثل الفضاء والسيبرانية والمجال المعلوماتي. لكن الخداع لم يتغير، والمفاجأة لم تتغير، والإرادة لم تتغير، والحاجة إلى المبادأة لم تتغير. ما تغير هو الوسيلة التي يمارس بها الإنسان هذه الأشياء. فالطائرة المسيّرة قد تحل محل طائرة مأهولة في مهمة معينة، والخوارزمية قد تحلل ما كان يحتاج إلى ساعات طويلة من العمل البشري، لكن قرار استخدام القوة يظل قرارًا سياسيًا واستراتيجيًا في جوهره.³
ولعل أكتوبر تقدم لنا مثالًا واضحًا على أن التفوق العسكري لا يعمل بصورة آلية. فبعد 1967 ترسخت لدى إسرائيل صورة قوية عن تفوقها العسكري، ولم تعد هذه الصورة مجرد تقدير لقدرات السلاح، وإنما أصبحت جزءًا من طريقة التفكير في الحرب نفسها. وعندما يتحول التفوق إلى يقين ذهني، يصبح من الصعب تخيل أن الخصم يستطيع تغيير قواعد اللعبة. وهنا جاءت أكتوبر لتكشف جانبًا بالغ الأهمية من طبيعة القوة: قد يكون التفوق الحقيقي أقل خطورة من الاعتقاد بأن التفوق مطلق. فالدولة التي تعرف حدود قوتها قد تتصرف بحذر، بينما الدولة التي تتعامل مع قوتها باعتبارها حقيقة غير قابلة للاختبار قد تجد نفسها أمام مفاجأة لم تكن مستعدة نفسيًا وعقليًا لاستيعابها.⁴
ولم تكن الحرب في جوهرها مواجهة عسكرية منفصلة عن البيئة الدولية. فمنذ بدايتها ارتبطت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بمسارها، سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا، وأصبحت احتمالات التصعيد مصدر قلق يتجاوز أطراف الصراع المباشرين. ومع استمرار القتال، لم تعد القضية مجرد تحرك قوات على جبهة إقليمية، وإنما أصبحت جزءًا من حسابات الحرب الباردة ومن توازن حساس بين قوتين عظميين تمتلكان السلاح النووي.⁵ وهنا تبرز إحدى الحقائق التي تبدو أكثر وضوحًا في عالمنا الراهن: الحرب التي تبدأ محلية قد لا تبقى محلية، خصوصًا عندما تقع في منطقة ذات قيمة استراتيجية عالية.
ولعل أحد أهم أوجه الحداثة التي حملتها أكتوبر كان انتقال آثار الحرب إلى الاقتصاد العالمي. فقد ارتبطت الحرب بأزمة النفط التي أظهرت أن امتلاك الموارد الاستراتيجية يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة سياسية. لم يعد الصراع يدور فقط حول الأرض والحدود، وإنما امتد إلى الطاقة والأسواق والاقتصاد العالمي. وأدركت الدول الصناعية أن أمنها لا يتوقف على حماية حدودها أو جيوشها، وإنما يرتبط أيضًا باستقرار تدفقات الطاقة التي تقوم عليها اقتصاداتها.⁶ ومنذ تلك اللحظة أصبح من الصعب الفصل بين الأمن العسكري والأمن الاقتصادي، وهي قاعدة ازدادت وضوحًا في العقود التالية مع تصاعد أهمية الطاقة والمعادن وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا.
لكن الحرب كشفت أيضًا أن القوة العسكرية لا تستطيع وحدها أن تحدد المستقبل السياسي. فالمعركة تخلق وقائع، لكنها لا تستطيع بمفردها بناء التسوية التي تأتي بعدها. وفي حالة أكتوبر، أدى التحول العسكري إلى تغيير البيئة السياسية، وفتح المجال أمام تحرك دبلوماسي واسع، وأسهم في انتقال الصراع المصري–الإسرائيلي تدريجيًا من حالة المواجهة المفتوحة إلى مسار تفاوضي جديد.⁷ وهنا تظهر قاعدة أخرى لم تتغير: الحرب قد تكون أداة للسياسة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل السياسة إلى الأبد. ولذلك فإن السؤال عن نتيجة الحرب يجب ألا يتوقف عند الميدان، بل يمتد إلى ما استطاعت الدولة أن تفعله بعد توقف القتال.
وبعد 53 عامًا، ربما يكون السؤال الأكثر إثارة للقلق هو: هل أصبح العالم أكثر قدرة على منع المفاجأة، أم أن أدواته المتقدمة جعلت المفاجأة أكثر تعقيدًا؟ لدينا اليوم معلومات أكثر مما كان لدى أي جيل سابق، لكننا لا نملك بالضرورة قدرة أكبر على فهم المستقبل. تستطيع الخوارزميات اكتشاف أنماط لا تراها العين البشرية، لكنها تعمل في النهاية داخل نماذج صنعها البشر، ويمكن أن تقع في الأخطاء نفسها التي يقع فيها الإنسان عندما يستبعد احتمالًا لأنه لا يتوافق مع تصوره السابق. ولهذا فإن الخطر لم يعد في عدم رؤية البيانات، وإنما في رؤية البيانات من خلال عدسة ضيقة.⁸
وهنا تتضح الإجابة عن سؤال العنوان: لقد تغيرت أدوات الحرب بصورة هائلة، لكن قواعدها العميقة لم تتغير بالقدر نفسه. تغيرت سرعة الصراع، ودقة السلاح، ووسائل الاتصال، وطبيعة الاستطلاع، واتسعت ساحات المواجهة لتشمل الفضاء والسيبرانية والمعلومات والاقتصاد. لكن الحرب ما زالت صراعًا بين إرادات بشرية، وما زالت المفاجأة والخداع والمبادأة والقدرة على التكيف عناصر حاسمة فيها. وما زال التفوق التكنولوجي معرضًا للانهيار إذا لم يرافقه تفوق في التفكير.
ولذلك فإن أعظم درس يمكن أن تمنحه أكتوبر بعد 53 عامًا ليس درسًا في السلاح، وإنما درس في التواضع الاستراتيجي. فلا دولة تستطيع أن تفترض أن خصمها سيتصرف وفق ما تتوقعه، ولا جهاز استخبارات يستطيع أن يعتبر نموذجه التفسيري حقيقة نهائية، ولا جيش يستطيع أن يضمن أن تفوقه التقني سيظل كافيًا في كل حرب. لقد تغيرت الأدوات، وربما تغيرت سرعة الحرب وشكلها، لكن السؤال القديم بقي كما هو: هل نستطيع أن نرى اللحظة التي يتغير فيها سلوك الخصم قبل أن تتحول المفاجأة إلى واقع؟ وربما هنا تحديدًا تظل أكتوبر 1973، بعد أكثر من نصف قرن، أقرب إلى الحاضر مما نتصور.
الهوامش:
¹ Williamson Murray, “The 1973 Yom Kippur War,” in Military Adaptation in War, Cambridge University Press, 2014.
² Matthew T. Penney, President Nixon and the Role of Intelligence in the 1973 Arab-Israeli War, Center for the Study of Intelligence, Central Intelligence Agency, 2013.
³ Williamson Murray, “The 1973 Yom Kippur War,” in Military Adaptation in War, Cambridge University Press, 2014.
⁴ Abraham Ben-Zvi, “Hindsight and Foresight: A Conceptual Framework for the Analysis of Surprise Attacks,” World Politics, Vol. 63, No. 1, 2011.
⁵ U.S. Department of State, Foreign Relations of the United States, 1969–1976, Volume XXV: Arab-Israeli Crisis and War, 1973, Office of the Historian.
⁶ U.S. Department of State, Foreign Relations of the United States, 1969–1976, Volume XXXVI: Energy Crisis, 1969–1974, Office of the Historian.
⁷ U.S. Department of State, The 1973 Arab-Israeli War, Office of the Historian, Department of State.
⁸ Richards J. Heuer Jr., Psychology of Intelligence Analysis, Center for the Study of Intelligence, Central Intelligence Agency؛ Chris Batchelder, “Combating Surprise: Introducing the Kinetic Predictive Analytic Technique,” Studies in Intelligence, Vol. 66, No. 4, 2022.



