قضايا وتحليلات

تحالف مكة يفعّل الدفاع المشترك.. هل ينجح في الاختبار الأول؟

في خطوة تحمل دلالات سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الإعلان في حد ذاته، أعلنت الدول الأعضاء في تحالف مكة، السعودية وتركيا وباكستان، البدء الفوري في تنفيذ التزامات الدفاع المشترك، وتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها، إلى جانب اتخاذ الإجراءات اللازمة لنشرها سريعًا داخل الأراضي السعودية، وذلك في أعقاب الاجتماع الطارئ الذي عُقد في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، خُصيصًا لبحث “التطورات الأمنية والتهديدات التي تواجه المملكة”.

وبهذا الإعلان، وما صاحبه من خطوات تنفيذية وتنظيمية، في مقدمتها تعيين الفريق الباكستاني المتقاعد نعمان محمود أول أمين عام للتحالف لمدة ثلاث سنوات، يبدو أن «تحالف مكة» يقف أمام أول انتقال فعلي من صيغته السياسية الردعية على الورق، إلى إطار أكثر عملية، يستند إلى آلية للدفاع الجماعي قابلة للتفعيل والتحرك ميدانيًا.

ومما ضاعف من أهمية تلك الخطوة تزامنها مع التطورات المتسارعة على الساحة اليمنية، فقد جاء تفعيل بند الدفاع المشترك بالتزامن مع العملية العسكرية التي تخوضها القوات اليمنية المدعومة سعوديًا على الساحل الغربي، ومساعيها لاستعادة مناطق استراتيجية في محيط باب المندب والمخا من قبضة الحوثيين، في الوقت الذي كثفت فيه الجماعة هجماتها داخل الأراضي السعودية.

هذا التزامن يمنح قرار التفعيل أبعادًا تتجاوز مفهوم حماية الأراضي السعودية في صورته التقليدية.. فماذا يعني، عمليًا، تفعيل بند الدفاع المشترك في هذا التوقيت تحديدًا؟ وإلى أي مدى يمكن أن يغير من طبيعة «تحالف مكة» وحدود أدواره؟ وهل نحن أمام مجرد مظلة دفاعية لحماية المملكة، أم بداية لتحول أوسع قد تترتب عليه انعكاسات مباشرة على مسار الحرب في اليمن وخريطة التحالفات وموازين القوى في المنطقة؟

حين وُقّع اتفاق «تحالف مكة» في السابع من أغسطس/آب الماضي، كان أحد أبرز بنوده ينص على أن أي هجوم مسلح تتعرض له إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا على الدول الأعضاء مجتمعة، ومنذ ذلك الحين، ظل هذا النص حاضرًا في مختلف القراءات والتساؤلات التي أُثيرت بشأن أسباب عدم تحرك التحالف للدفاع عن المملكة في مواجهة الهجمات الحوثية خلال الفترة الماضية، وحدود الالتزام الفعلي بمبدأ الدفاع المشترك الذي قام عليه الاتفاق.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تحرك التحالف بوتيرة متسارعة لاستكمال بناء منظومته المؤسسية وتعزيز آليات التنسيق بين الدول الأعضاء، إذ انصبت الاجتماعات والاتصالات بصورة أساسية على تأسيس هياكل العمل المشترك وترتيب الأطر السياسية والعسكرية المنظمة له، من دون أن يمتد ذلك، بصورة معلنة، إلى طرح التدخل العسكري ضد الحوثيين باعتباره أحد التطبيقات المباشرة لبند الدفاع المشترك.

لكن ما جرى في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول الجاري يمثل نقطة تحول فارقة في هذا المسار، بعدما انتقل الالتزام بالدفاع المشترك من صيغته السياسية ذات الطابع الردعي إلى إجراءات ذات مضمون ميداني، عبر الإعلان عن توفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها، والشروع في اتخاذ التدابير اللازمة لنشرها سريعًا داخل الأراضي السعودية.

وبذلك، يكون التحالف قد قطع، خلال فترة زمنية وجيزة، عدة مراحل متتابعة، من تدشين الاتفاقية، إلى بناء هياكله المؤسسية، والتنسيق بشأن منظومة القيادة السياسية والعسكرية، ثم تفعيل مبدأ الدفاع الجماعي، وصولًا إلى تجهيز قوات وقدرات عسكرية قابلة للانتشار داخل المملكة، وهو تطور يُعد، حتى الآن، الأهم في مسيرة التحالف حديث النشأة؛ ليس فقط لأنه ينقل التزاماته من مستوى التعهد السياسي إلى حيز التنفيذ العملي، وإنما لأنه يضع للمرة الأولى مدى فاعلية مبدأ الدفاع المشترك ومصداقيته أمام اختبار ميداني حقيقي.

لم يكن الإعلان عن تفعيل بند الدفاع المشترك في هذا التوقيت تحديدًا وليد المصادفة، إذ تزامن مع جملة من التطورات الميدانية والسياسية التي دفعت التحالف إلى تسريع خطواته والانتقال من مرحلة التنسيق وبناء الهياكل إلى مرحلة التفعيل العملي، في مقدمتها انتقال الحوثيين بمستوى المواجهة من الساحة اليمنية إلى العمق السعودي، عبر استهداف منشآت تابعة لأرامكو وعدد من المطارات السعودية، من بينها الرياض وأبها، فضلًا عن منشآت ومواقع عسكرية في المنطقة الجنوبية.

وزاد من حساسية المشهد ما أُثير بشأن محاولات استهداف مناطق قريبة من المدن المقدسة، مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهو تطور يضع دول التحالف أمام اختبار سياسي وأخلاقي وديني بالغ الحساسية أمام الرأي العام الإسلامي، وفي الوقت ذاته يمنح تفعيل بند الدفاع المشترك مساحة أوسع من الشرعية السياسية والشعبية، خصوصًا في تركيا وباكستان، فالمسألة، وفق هذا المنظور، لم تعد قابلة للتقديم باعتبارها انخراطًا في حرب دائرة داخل اليمن بقدر ما يمكن تأطيرها باعتبارها دفاعًا عن الأراضي السعودية وحماية للمقدسات الإسلامية التي تحتل مكانة استثنائية لدى أكثر من مليار مسلم حول العالم.

إلى جانب ذلك، يصعب فصل هذه الخطوة عن استعداد الرياض للانتقال إلى مرحلة عسكرية أكثر اتساعًا في مواجهة الحوثيين، بعدما وصلت المواجهة إلى مستوى بدا معه أن الخيارات القائمة لم تعد كافية لاحتواء التصعيد، فتحرك سعودي عسكري واسع في اليمن لا يمكن قراءته باعتباره خطوة منفردة بمعزل عن التنسيق مع الحلفاء، وفي مقدمتهم تركيا وباكستان، فضلًا عن أطراف إقليمية أخرى تتقاطع مصالحها مع الرياض في مواجهة التهديدات المرتبطة باليمن والبحر الأحمر.

ومن هنا، وجد «تحالف مكة» نفسه أمام أول اختبار جدي لالتزاماته؛ اختبار يصعب تجاوزه من دون الإضرار بمصداقية مبدأ الدفاع المشترك ذاته، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة انخراط القوات التركية والباكستانية مباشرة في العمليات الهجومية داخل اليمن، إذ يبدو أن الصيغة الأولية التي جرى التوافق عليها تقوم على تعزيز القدرات الدفاعية والردعية داخل الأراضي السعودية، بما يوفر مظلة أمنية خلفية تحمي العمق السعودي، وتمنح الرياض في الوقت نفسه هامشًا أوسع لإدارة عملياتها العسكرية خارج الحدود.

ولا يمكن، في السياق ذاته، استبعاد العامل الأمريكي من حسابات التوقيت، فمع تحفظ واشنطن على الانخراط العسكري المباشر في المواجهة مع الحوثيين، وعدم استجابتها للمطالب السعودية بالمشاركة المباشرة، باتت الرياض أمام ضرورة توسيع خياراتها الأمنية وعدم حصر حماية أمنها القومي في المظلة الأمريكية وحدها، ومن هنا تبرز أهمية إضافة طبقات أمنية ودفاعية جديدة تستند إلى شبكة أوسع من الشركاء والحلفاء.

وعليه، فإن تحرك التحالف إلى جانب السعودية لا يعكس فقط استجابة آنية لتصاعد التهديد الحوثي، وإنما يأتي في لحظة تشهد إعادة صياغة تدريجية لمعادلات الأمن والنفوذ في المنطقة، فالتحدي بالنسبة للتحالف لم يعد مقتصرًا على إظهار التضامن مع أحد أعضائه، وإنما أصبح مرتبطًا بإثبات قدرته على تحويل التزاماته السياسية إلى قوة ردع فعلية، والحفاظ في الوقت نفسه على موقعه داخل مشهد إقليمي تتعدد فيه المظلات الأمنية وتتغير فيه أنماط التحالف والاعتماد المتبادل.

وفقًا لما هو معلن حتى الآن، فإن طبيعة الدور الذي يمكن أن يضطلع به التحالف في هذه المرحلة تبدو محكومة بسقف الدعم العسكري والتقني داخل الأراضي السعودية. وهو ما عكسه البيان الرسمي بوضوح، حين تحدث عن نشر القوات والقدرات العسكرية داخل المملكة، من دون أن يتطرق إلى المشاركة في عملية هجومية مشتركة داخل اليمن، أو الانخراط بصورة مباشرة في العمليات العسكرية الجارية ضد الحوثيين.

وفي ضوء ذلك، يُرجح أن تتركز مساهمة التحالف، في مرحلتها الأولى، على تعزيز منظومة الدفاع عن العمق السعودي، من خلال توفير أو دعم قدرات الدفاع الجوي والصاروخي، والاستطلاع والإنذار المبكر، والحرب الإلكترونية والطائرات المسيّرة، إلى جانب الإسناد اللوجستي والتخطيط والتنسيق العملياتي المشترك، كما يمكن أن يمتد هذا الدور إلى المساهمة في حماية القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية والاستراتيجية داخل المملكة، فضلًا عن تقديم المستشارين والخبرات والقدرات التقنية والعسكرية اللازمة لرفع كفاءة منظومة الدفاع والردع.

أما الانتقال من هذا المستوى الدفاعي إلى الانخراط في عمليات هجومية مباشرة ضد الحوثيين، فيظل خيارًا أكثر تعقيدًا وحساسية، بالنظر إلى ما يمكن أن يترتب عليه من كلفة سياسية وعسكرية على الدول الأعضاء، فضلًا عن حسابات كل من أنقرة وإسلام آباد تجاه اتساع نطاق المواجهة الإقليمية.

ومن ثم، يبدو من المستبعد، على الأقل في المرحلة الراهنة، أن تتجه قوات التحالف إلى خوض مواجهة مباشرة مع الحوثيين داخل اليمن، فمثل هذه الخطوة لن تعني مجرد توسيع نطاق المشاركة العسكرية إلى خارج الأراضي السعودية، وإنما قد تنقل تركيا وباكستان من موقع الداعم والحليف إلى موقع الطرف المباشر في صراع شديد التشابك مع إيران وحلفائها في المنطقة، بما يرفع احتمالات اتساع دائرة المواجهة ويضع التحالف أمام مستوى مختلف تمامًا من التصعيد الإقليمي.

وعليه، يبدو أن الصيغة الأكثر ترجيحًا في الوقت الحالي تقوم على معادلة تجمع بين تعزيز الدفاع عن الداخل السعودي من جانب، ومنح الرياض هامشًا أوسع للتحرك عسكريًا في الساحة اليمنية من جانب آخر، من دون دفع بقية أعضاء التحالف إلى مواجهة مباشرة مع الحوثيين أو إيران، وهي المعادلة التي قد تسمح للتحالف بإثبات جدية التزامه بمبدأ الدفاع المشترك، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بسقف محسوب للانخراط العسكري، تجنبًا للانتقال المبكر إلى مواجهة إقليمية أوسع لا تبدو أي من الأطراف راغبة فيها في هذه المرحلة.

إلى جانب دلالاتها العسكرية، تحمل خطوة تفعيل بند الدفاع المشترك جملة من رسائل الضغط السياسي، تتجه بصورة أساسية إلى طرفين رئيسيين في معادلة الصراع، الرسالة الأولى موجهة إلى الحوثيين، ومفادها أن استمرار الهجمات على الأراضي السعودية قد ينقل المواجهة تدريجيًا من إطارها الحالي إلى نطاق أوسع، تصبح فيه الحركة أمام تحالف عسكري يضم، إلى جانب السعودية، قوتين إقليميتين لهما ثقلهما العسكري والسياسي، هما تركيا وباكستان، ومن شأن التلويح بهذا الاحتمال أن يرفع كلفة التصعيد بالنسبة للحوثيين، ويضعهم أمام حسابات مختلفة بشأن جدوى مواصلة استهداف العمق السعودي وما قد يترتب عليه من توسيع دائرة خصومهم.

غير أن هذه الرسالة الردعية لا تعني، في المقابل، إغلاق المسار السياسي، فتحاشي تركيا وباكستان الانخراط المباشر في العمليات العسكرية ضد الحوثيين خلال المرحلة الراهنة، بالتوازي مع الحديث عن اتصالات ومساعٍ سياسية عبر إيران، وفق ما أعلنته باكستان، يشير إلى أن التحالف لا يزال يترك نافذة مفتوحة أمام احتواء التصعيد، وبذلك تبدو المعادلة أقرب إلى ممارسة ضغط عسكري متصاعد من دون بلوغ نقطة المواجهة الشاملة، بما يمنح الحوثيين فرصة للتراجع أو إعادة حساباتهم قبل الانتقال إلى مستوى أعلى من التصعيد.

ومن هنا تبرز الرسالة الثانية، والأكثر حساسية، والموجهة إلى طهران، فرغم تأكيد «تحالف مكة» أن ترتيباته الدفاعية لا تستهدف دولة بعينها، فإن استمرار الهجمات على السعودية، باعتبارها أحد أعضائه، قد يدفع تدريجيًا نحو توسيع نطاق تفعيل التحالف وقدراته في مواجهة الحوثيين، الذين يمثلون في المرحلة الراهنة إحدى أهم أوراق النفوذ الإيراني وأكثرها فاعلية في الإقليم.

وبهذا المعنى، لا تحمل الرسالة الموجهة إلى إيران تهديدًا مباشرًا بالمواجهة بقدر ما تضعها أمام معادلة أكثر تعقيدًا، إما توظيف نفوذها لدى الحوثيين من أجل ضبط مستوى التصعيد والحد من العمليات التي تستهدف السعودية، بما يحول دون توسيع نطاق المواجهة، أو التعامل مع بيئة أمنية إقليمية جديدة تتسم بحضور عسكري أكثر كثافة وتنسيقًا، وتضم قوى ذات ثقل مثل تركيا وباكستان إلى جانب السعودية.

ومن ثم، فإن استمرار التصعيد الحوثي قد يضع طهران أمام خيارين كلاهما مرتفع الكلفة؛ فإما الانزلاق إلى جبهة إضافية لا تبدو في حاجة إليها في التوقيت الراهن، بما يستنزف جانبًا جديدًا من قدراتها وحساباتها الإقليمية، وإما المخاطرة بتعرض الحوثيين، باعتبارهم إحدى أقوى أوراقها الإقليمية حاليًا، لضغوط عسكرية وسياسية متزايدة قد تحد من قدرتهم على الحركة وتقلص من القيمة الاستراتيجية التي يمثلونها ضمن شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة.

وعليه، فإن أحد أهم أهداف التفعيل في هذه المرحلة قد لا يكون خوض الحرب بقدر ما يتمثل في رفع كلفة استمرارها؛ أي استخدام احتمال توسيع الانخراط العسكري للتحالف كورقة ردع وضغط تدفع الحوثيين وطهران معًا إلى إعادة حساباتهما قبل الوصول إلى نقطة يصبح عندها احتواء التصعيد أكثر صعوبة.

في الأخير، لا يمكن النظر إلى تفعيل بند الدفاع المشترك في «تحالف مكة» باعتباره مجرد خطوة لتقديم الدعم العسكري للسعودية، بقدر ما يمثل لحظة تأسيسية لاختبار صيغة جديدة للأمن الإقليمي، ومحطة مفصلية في مسيرة التحالف حديث النشأة، ينتقل من خلالها من مرحلة التأسيس والتعهدات السياسية إلى اختبار قدرته الفعلية على ترجمة هذه الالتزامات إلى أدوات ردع وتأثير على الأرض.

ومن هنا، فإن الحكم على أهمية هذه الخطوة ومستقبل التحالف سيظل مرهونًا بحجم وطبيعة الدعم الذي سيُقدم للمملكة، ومستوى الانخراط العسكري والتقني للدول الأعضاء، ومدى قدرة هذا الدعم على إحداث فارق ملموس في معادلة الردع وحماية العمق السعودي، فضلًا عن انعكاساته على مسار المواجهة مع الحوثيين.

وعليه، ستظل التطورات التي قد تحملها الأيام المقبلة، وما ستتمخض عنه العمليات العسكرية ضد الحوثيين من نتائج ميدانية وسياسية، عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل هذا التحالف نفسه؛ فنجاحه في اجتياز هذا الاختبار سيعزز من مصداقيته وقدرته على الاستمرار والتطور إلى إطار أمني أكثر فاعلية وحضورًا في المنطقة، بينما سيضع محدودية تأثيره أو تعثره تساؤلات جدية حول حدود دوره وقدرته على التحول من تحالف ناشئ إلى منظومة دفاع جماعي قادرة على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي.

(نون بوست)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى