قضايا وتحليلات

كيف يعيد الدعم الروسي لإيران تشكيل مسار الحرب؟

يتجه المشهد الإقليمي، يومًا بعد يوم، نحو مزيد من التعقيد والتصعيد في آنٍ واحد، على وقع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والمتفاقمة منذ الثامن والعشرين من فبراير/شباط الماضي، وسط مخاوف متزايدة من أن تتجاوز هذه الحرب نطاقها المحدود لتتحول إلى صدام إقليمي واسع، وربما إلى مواجهة دولية مفتوحة على احتمالات شديدة الخطورة.

وفي هذا السياق، كشفت صحيفة “واشنطن بوست” في تقرير نشرته في السادس من مارس/آذار الجاري عن أن روسيا زودت إيران بمعلومات استخباراتية حساسة قد تساعدها في استهداف القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، وهي معطيات، إن صحت، من شأنها أن تضيف بعدًا بالغ الخطورة إلى مسار الحرب، وأن تعيد خلط أوراق التوازنات القائمة داخلها.

تكتسب هذه التسريبات أهمية استثنائية، لأنها تعني أن موسكو، الحليف الأكثر ثباتًا لطهران، قد تكون انتقلت من موقع المتابع الدولي الحذر إلى موقع المنخرط، ولو بصورة غير مباشرة، في الحرب الجارية؛ وهو تحول يفتح الباب أمام اتساع رقعة الاشتعال، ويعزز المخاوف من انزلاق الصراع إلى مواجهة أوسع بين القوى الدولية الكبرى.

ومنذ اندلاع الحرب في نهاية الشهر الماضي، تبدو كرة النار وكأنها تتدحرج باطراد، متجاوزة حدود طرفي المواجهة المباشرين، لتلقي بظلالها على دول الخليج، ثم تمتد إلى أذربيجان وتركيا، وصولًا إلى روسيا نفسها، وفي ظل هذا المشهد المتشابك، يبرز سؤال جوهري: أي مقاربة تحكم العقل الروسي في التعاطي مع هذه الحرب؟

ماذا تقول تلك التسريبات؟

تشير التسريبات التي كشفتها الصحيفة، استنادًا إلى إفادات ثلاثة مسؤولين مطلعين على تقييمات الاستخبارات الأمريكية، إلى أن المعلومات المنقولة إلى إيران شملت مواقع السفن الحربية الأمريكية، وأماكن تمركز الطائرات العسكرية في المنطقة، فضلًا عن مواقع أصول عسكرية أخرى منتشرة في عدد من الدول.

ومن شأن هذا النوع من المعلومات الدقيقة أن يمنح طهران أفضلية عملياتية مهمة، إذ يساعدها على تحديد أماكن انتشار القوات الأمريكية بدرجة أعلى من الدقة، بما يرفع من كفاءتها في التخطيط للهجمات، ويعزز قدرتها على انتقاء أهداف أكثر حساسية للقصف الصاروخي أو لهجمات الطائرات المسيّرة.

وبذلك، لا تقتصر قيمة هذه المعلومات على تقليص كلفة الضربات العشوائية وفقط، رغم ما تمثله تلك المسألة من أهمية محورية بالنسبة لطهران،  بل تمتد إلى زيادة احتمالات إصابة الأهداف بدقة أكبر، ومن ثم إلحاق خسائر أكثر تأثيرًا في صفوف القوات الأمريكية.

ومع أن هذه التسريبات تستند إلى مصادر مجهولة وغير معلنة، بما يجعل من الصعب الجزم بصحتها على نحو قاطع، فإن جملة من المؤشرات الأخيرة، وفي مقدمتها نجاح بعض الضربات الإيرانية في إيقاع إصابات مباشرة داخل قواعد أمريكية في المنطقة، قد تدفع بعض التقديرات إلى ترجيح أن ما ورد في هذه التسريبات لا يخلو من قدر معتبر من الصحة.

في المقابل، سعت الولايات المتحدة إلى التقليل من الوزن الفعلي لهذه المعلومات المسربة، وهو ما عبّر عنه أكثر من مسؤول داخل الإدارة الأمريكية، يتقدمهم الرئيس دونالد ترامب، الذي أكد أن أي دعم روسي لإيران، حتى إن ثبت وجوده، لا يبدو عاملًا حاسمًا في مسار الحرب، مشددًا على أن واشنطن ماضية في تحقيق أهدافها بوتيرة أسرع مما كان متوقعًا.

ليست المعلومات الاستخباراتية وفقط

لم يقتصر الدعم الروسي لإيران، وفق ما نشرته “واشنطن بوست”، على تزويدها بمعلومات استخباراتية تتعلق بأماكن تمركز القواعد والقوات الأمريكية في الشرق الأوسط، بل امتد إلى مستوى أكثر حساسية يتمثل في تقديم دعم عسكري مباشر عبر تزويد طهران بأنظمة تسليح متطورة ذات طابع دفاعي وهجومي في آن واحد، وهو ما سلطت عليه الضوء صحيفة “فايننشال تايمز” في تقرير نشرته خلال فبراير/شباط الماضي.

وبحسب الصحيفة، فإن موسكو وقّعت مع طهران في ديسمبر/كانون الأول الماضي اتفاقًا عسكريًا بقيمة 589 مليون دولار، استنادًا إلى وثائق روسية مسربة اطلعت عليها، فضلًا عن إفادات عدد من الأشخاص المطلعين على تفاصيل الصفقة.

ويشير التقرير إلى أن روسيا تعتزم تزويد إيران بـ 500 منصة إطلاق محمولة من طراز “فيربا” (Verba)، إلى جانب 2500 صاروخ من طراز “9M336”، وهي منظومات دفاع جوي متقدمة من شأنها أن تعزز قدرة إيران على التعامل مع الأهداف الجوية التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، بما في ذلك الطائرات والمروحيات وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة.

ويرى محللون أن إدخال مثل هذه الأنظمة إلى الخدمة لدى إيران قد يرفع من كفاءتها في مواجهة الضربات الجوية المعتمدة على الطيران المنخفض، ولا سيما تلك التي تستهدف البنية التحتية أو المواقع الحساسة.

ولم تتوقف مؤشرات الانخراط الروسي عند هذه الصفقة، إذ أفادت تقارير أخرى بأن إيران تسلمت في يناير/كانون الثاني الماضي ما يصل إلى ست مروحيات هجومية روسية من طراز Mi-28، فيما تحدثت تقارير أخرى في أواخر عام 2025 عن احتمال حصولها على 16 مقاتلة روسية من طراز Su-35، بما يعكس اتجاهًا واضحًا نحو رفع مستوى التعاون العسكري بين الطرفين.

ويأتي هذا المسار في سياق أوسع تحكمه معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي وقعتها موسكو وطهران في يناير/كانون الثاني 2025، والتي تستهدف توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والعسكري والأمني بين البلدين على مدى العقدين المقبلين.

وتشمل المعاهدة نطاقًا واسعًا من الملفات، من بينها الدفاع، ومكافحة الإرهاب، والطاقة، والتمويل، والثقافة، فضلًا عن التعاون في مجالات التكنولوجيا والمعلومات، والأمن السيبراني، والطاقة النووية السلمية، والتنسيق الإقليمي، والقضايا البيئية، ومكافحة غسل الأموال والجريمة المنظمة.

بهذا المعنى، لا تبدو المساعدات الروسية لإيران – إذا ما ثبت صدقيتها-  مجرد تحركات تكتيكية مرتبطة بالحرب الجارية، بقدر ما تعكس مسارًا استراتيجيًا أوسع يهدف إلى ترسيخ شراكة طويلة الأمد بين الطرفين، بما قد يفضي إلى إعادة تشكيل جانب من توازنات القوة في الإقليم.

أي تداعيات على مسار الحرب؟

لا شك أن هذا النوع من الدعم الاستخباراتي الروسي المحتمل ترك بصمته الواضحة على مجريات الميدان، ولا سيما فيما يتعلق بنوعية الأهداف الأمريكية ودقة استهدافها، إذا ما قورن بما جرى خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران الماضي، حين انصبّ الجزء الأكبر من الهجمات الإيرانية على الداخل الإسرائيلي عبر رشقات صاروخية اتسمت، في معظمها، بالعشوائية وضعف الدقة.

أما في الجولة الحالية، فيبدو المشهد مختلفًا إلى حد بعيد، سواء من حيث طبيعة الأهداف أو مستوى الإصابة، فالهجوم الذي استهدف القواعد الأمريكية في الكويت، على سبيل المثال، وأسفر عن مقتل ستة جنود أمريكيين، يمثل تطورًا غير مسبوق، ويعزز الفرضية القائلة بأن طهران تلقت معلومات استخباراتية دقيقة بشأن مواقع تمركز الجنود ونقاط ارتكازهم داخل تلك القاعدة.

ولم يقتصر الأمر على الكويت وحدها، بل تكرر النمط نفسه في استهداف وحدات سكنية كان يتواجد فيها جنود أمريكيون في كل من البحرين والإمارات، فضلًا عن إصابة منصات إطلاق أمريكية في عدد من الدول الخليجية بعد تحديد مواقعها بدقة لافتة، بما يوحي بأن بنك الأهداف لم يكن وليد الرصد التقليدي أو التخمين العملياتي، بل استند إلى معطيات استخباراتية أكثر عمقًا وتحديدًا.

والأمر ذاته ينسحب على حاملتي الطائرات الأمريكيتين في المنطقة، اللتين تعرضتا لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وبصرف النظر عن الجدل القائم بشأن ما إذا كانت تلك الهجمات قد أسفرت عن إصابات مباشرة، فإن مجرد القدرة على تحديد موقعي الحاملتين ونقاط استهدافهما بهذه الدرجة من الدقة يكشف عن وجود معلومات استخباراتية عالية الحساسية، وهو ما يبدو أنه أربك الحسابات الأمريكية بصورة واضحة، وفرض معادلة ميدانية أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا.

مقاربة موسكو بين طهران وواشنطن

تنطلق موسكو في مقاربتها للحرب الجارية من قاعدتين حاكمتين لا تبدو مستعدة لتجاوزهما، الأولى تتعلق بتجنب الانزلاق إلى صدام مباشر ومعلن مع الولايات المتحدة عبر الانخراط العسكري الواضح في هذه الحرب، أما الثانية فتتمثل في الحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع إيران ومنع انهيار هذا التحالف، ولكن من دون أن يتحول ذلك إلى توريط روسي في مواجهة مفتوحة أو إلى فتح جبهة جديدة تثقل كاهلها سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.

وفي ضوء هاتين القاعدتين، تنظر روسيا إلى إيران باعتبارها خطًا أمنيًا وسياسيًا متقدمًا لا يمكن التفريط فيه، إذ ترى أن أي انهيار كبير في وضعها أو في بنية نظامها ستكون له ارتدادات بالغة الخطورة على التوازنات التي تخدم المصالح الروسية، بما يمنح الولايات المتحدة والمعسكر الغربي مكاسب استراتيجية إضافية في منطقة شديدة الحساسية بالنسبة لموسكو، ومن ثم، يصبح منع هذا الانهيار أولوية روسية لا تقل أهمية عن تجنب التورط المباشر في الحرب نفسها.

من هنا يمكن فهم طبيعة التدخل الروسي؛ فهو تدخل محسوب لا يستهدف حسم المعركة بصورة نهائية لصالح طرف على حساب آخر، كما لا يرمي إلى وضع روسيا في مواجهة مباشرة وجهًا لوجه مع الولايات المتحدة.

فموسكو لا تسعى إلى تمكين طهران من تحقيق انتصار كاسح على واشنطن يثير استفزازها ويدفعها للانتقام غير المحسوب، كما لا تقبل في المقابل بأن تنجح الولايات المتحدة في فرض هيمنة كاملة على إيران أو دفعها إلى هزيمة استراتيجية قاسية.

ما تريده روسيا، في جوهر الأمر، هو ضبط إيقاع الصراع بما يفضي إلى قدر من التوازن النسبي، لا إلى انتصار مطلق يفتح المجال أمام الخصم الأمريكي للتقدم في مجالها الحيوي، ولا إلى هزيمة مدوية تطيح بأحد أبرز حلفائها في الإقليم.

وعلى هذا الأساس، جاء الدعم الروسي لإيران بوصفه دعمًا يهدف إلى تقليص فجوة القوة، ولو مؤقتًا، بين طهران وواشنطن، بما يحد نسبيًا من الاختلال الكبير في موازين القدرات العسكرية بينهما، ومثل هذا الدعم، وإن كان لا يغير المعادلة بصورة جذرية، فإنه قد يسهم في إطالة أمد الحرب، وهو سيناريو لا يبدو بعيدًا عن الحسابات الروسية، بل قد ينسجم معها إلى حد كبير.

فإطالة أمد الصراع تعني، من المنظور الروسي، استنزافًا متدرجًا للقدرات العسكرية والتسليحية الأمريكية، كما تعني ضغطًا إضافيًا على الاقتصاد الأمريكي، وإرباكًا متزايدًا للداخل السياسي في الولايات المتحدة، فضلًا عن إعادة توجيه جانب معتبر من الاهتمام الأمريكي نحو هذه المواجهة، بما يخفف نسبيًا من مستوى التركيز على الجبهة الأوكرانية، وجميعها نتائج تصب، بدرجات متفاوتة، في مصلحة موسكو.

وثمة مقاربة أخرى لا تبدو بعيدة عن الذهنية الروسية، مفادها أن هذا الدعم قد يحمل في طياته بعدًا انتقاميًا أو ردًا غير مباشر على ما قدمته الولايات المتحدة لأوكرانيا من دعم عسكري واستخباراتي واسع في حربها مع روسيا،  وبهذا المعنى، تبدو المنطقة وكأنها تنزلق أكثر فأكثر إلى نمط من حروب الوكالة؛ دعم أمريكي غير مباشر لأوكرانيا في مواجهة روسيا، يقابله دعم روسي غير مباشر لإيران في مواجهة الولايات المتحدة.

مع الأخذ في الاعتبار أن روسيا، المستنزفة اقتصاديًا وعسكريًا بفعل حرب أوكرانيا الممتدة منذ نحو أربع سنوات، لا تبدو في وارد فتح جبهة صراع جديدة مع الولايات المتحدة، ولا سيما في لحظة تشهد محاولات من جانب دونالد ترامب لخفض منسوب التوتر مع موسكو عبر خطاب براغماتي أكثر مرونة، مقارنة بالنهج الأكثر تشددًا الذي اتسمت به إدارة سلفه جو بايدن.

أي انعكاسات على النظام الدولي؟

إذا ما ثبت بالفعل وجود دعم روسي لإيران، سواء في شقه الاستخباراتي أو التسليحي، فإن المنطقة ستكون إزاء منعطف بالغ الحساسية في مسار الصراع، قد يدفع المواجهة إلى تجاوز إطارها الثلاثي القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بل وحتى تخطي حدودها الإقليمية الممتدة إلى الخليج وأذربيجان وتركيا، لتقترب من مستوى اشتباك دولي أوسع بين القوى الكبرى، بما فيها القوى النووية.

وانطلاقًا من هذا التصور، فإن المشهد لم يعد متعلقًا بمجرد تصعيد عسكري عابر، بل بتحولات أعمق قد تمس بنية النظام الدولي نفسه، وتفتح المجال أمام قوى أخرى للانخراط في الصراع، بصورة مباشرة أو عبر أشكال مختلفة من الدعم غير المباشر، ومثل هذا المسار من شأنه أن يوسع دائرة المواجهة على نحو يضع الخريطة الجيوسياسية العالمية برمتها أمام احتمالات إعادة التشكيل والتعديل.

ومنذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب، اتجهت الأنظار إلى كل من موسكو وبكين باعتبارهما من أبرز الحلفاء الدوليين لطهران، وتعرضتا لانتقادات حادة بسبب ما وُصف حينها بـ”الحياد” أو حتى “الخذلان”، غير أن ما يتكشف تدريجيًا من معطيات وتسريبات يوحي بأن هذا التموضع لم يكن بالضرورة انعكاسًا لغياب الدعم، بقدر ما كان تعبيرًا عن نمط مختلف من الانخراط، قد تتضح ملامحه أكثر كلما اتسعت رقعة الصراع واقترب من التحول إلى أزمة دولية كبرى.

وفي المحصلة، تعيد هذه التسريبات فتح باب التساؤلات على مصراعيه بشأن المسار الذي يمكن أن تذهب إليه الحرب، وحدود التصعيد الممكنة، وما قد تفضي إليه من ارتدادات على الإقليم والمنظومة الدولية على السواء.

فالأحداث، يومًا بعد يوم، تبدو وكأنها تنزلق في مسار تصاعدي مفتوح، رأسيًا وأفقيًا،  في ظل غياب شبه كامل لأي جهود فاعلة للوساطة أو كبح الانفلات، وكأن الأطراف كافة تتعايش مع هذا التصعيد، أو تتقبله ضمنيًا، رغم ما ينطوي عليه من مخاطر كارثية لن يكون أحد بمنأى عن تداعياتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى