قضايا وتحليلات

خلاف عبر الأطلسي.. كيف عمّقت حرب إيران الفجوة بين الولايات المتحدة وأوروبا؟

تتجه العلاقات الأميركية الأوروبية نحو منعطف شديد الحساسية، يُعد من الأكثر توترًا منذ سنوات طويلة، على خلفية التباين المتصاعد في مقاربة الحرب ضد إيران، ففي الوقت الذي تدفع فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب بمسار التصعيد إلى مداه الأقصى، تبدو العواصم الأوروبية أكثر ميلًا إلى الحذر، وأشد تمسكًا بتفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا تملك حسابات نهايتها.

وفيما يواصل ترامب ممارسة ضغوط مكثفة على الحلفاء الأوروبيين لدفعهم إلى الانخراط في هذه الحرب، لا سيما بعدما دخلت مرحلة بالغة التعقيد على المستويين اللوجستي والمالي، وامتدت تداعياتها إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، يتمسك الأوروبيون بخيار التهدئة وضرورة إعادة إحياء المسار الدبلوماسي، وقد أسهم هذا التباين في تفجير حالة من التوتر السياسي والغضب داخل البيت الأطلسي، انعكست في الخطاب السلبي الذي تبناه الرئيس الأميركي تجاه أوروبا.

وأمام إصرار واشنطن على جرّ أوروبا إلى هذه المواجهة، وتمسك العواصم الأوروبية بالابتعاد عن ما تعتبره فخًا استراتيجيًا لا يمثل معركتها في الأصل، تبدو العلاقات عبر الأطلسي أمام اختبار بالغ الدقة في ظرف دولي استثنائي.

ومن ثم، يظل السؤال مطروحًا بقوة: هل ينجح الغرب في احتواء هذا التصدع، أم أن الحرب على إيران ستفتح الباب أمام اهتزاز غير مسبوق في تماسكه السياسي والاستراتيجي؟

فيما يواصل دونالد ترامب ممارسة ضغوط مكثفة على الحلفاء الأوروبيين لدفعهم إلى الانخراط في هذه الحرب، يتمسك الأوروبيون بخيار التهدئة وضرورة إحياء المسار الدبلوماسي

منذ اليوم الأول.. أوروبا ترفض الانجرار للحرب

منذ اليوم الأول للحرب، كشفت أوروبا عن مقاربتها للأزمة بصورة معلنة وصريحة، وهو ما تجسد بوضوح في بيان الاتحاد الأوروبي الصادر في الأول من أذار/ مارس الماضي، بعد يوم واحد فقط من اندلاع المواجهة، حين دعا إلى “أقصى درجات ضبط النفس”، وحماية المدنيين، واحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

ومن ثم، بدا واضحًا منذ اللحظة الأولى أن المزاج الأوروبي يميل إلى الاحتواء ومنع الانفلات، على خلاف المنطق العسكري الأميركي الإسرائيلي القائم على توسيع الضغط ورفع كلفة المواجهة.

ولم يبق هذا التمايز في حدود البيانات الدبلوماسية، بل انتقل لاحقًا إلى مستوى المواقف السياسية المباشرة، ففي السابع والعشرين من الشهر ذاته، عبّر المستشار الألماني فريدريش ميرتس بوضوح عن شكوكه إزاء جدوى المسار الذي تنتهجه واشنطن وتل أبيب، مؤكدًا أنه غير مقتنع بأن ما تقومان به سيقود فعلًا إلى نجاح، ومشددًا على أن هذه ليست حرب حلف الناتو، بما يعني ضمنًا أن أوروبا لا ترى ما يبرر انخراطها في معركة لم تكن طرفًا في قرار إشعالها أصلًا.

ومع انتقال الضغوط الأميركية إلى ملف مضيق هرمز، ازداد هذا التباين وضوحًا، فحين دفعت واشنطن باتجاه تعاون أوروبي أوسع لإعادة فتح المضيق، شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أن فرنسا وأوروبا لا تنظران إلى ما يجري بوصفه “حربًا أوروبية”، باعتبار أن الولايات المتحدة اتخذت قرارها بالمضي في هذه الحرب إلى جانب إسرائيل بصورة منفردة، من دون تشاور حقيقي مع الحلفاء.

كما أكد أن معالجة أزمة المضيق لا ينبغي أن تمر عبر عمل عسكري مباشر، بل عبر مسار سياسي وتشاور مع إيران، في موقف يعكس مسافة سياسية معتبرة بين المقاربة الأوروبية والرؤية الأميركية.

ثم راحت المواقف الأوروبية الأكثر وضوحًا تتكشف تباعًا، في صورة عكست اتساع الفجوة مع المقاربة الأميركية للحرب، فقد عبّرت إسبانيا بلهجة حاسمة عن رفضها للضربات، باعتبارها تصعيدًا يهدد أمن المنطقة واستقرارها، فيما فضّلت فرنسا الإبقاء على أولوية الملف الأوكراني، متجنبة الانخراط في مواجهة مباشرة تنسجم مع الاندفاعة الأميركية، أما بريطانيا، فقد بدا موقفها أكثر صراحة في النأي بالنفس عن الحرب، من خلال التأكيد أن هذه المعركة ليست معركة لندن، وأنها لا تعتزم الانجرار إلى هذا الصراع.

ولم يتوقف التحفظ الأوروبي عند حدود الامتناع عن المشاركة العسكرية المباشرة، بل امتد إلى مستوى أكثر حساسية تمثل في تقييد توظيف القواعد والأجواء الأوروبية لخدمة العمليات الأميركية، حيث منعت فرنسا  طائرات إسرائيلية من عبور أجوائها لنقل أسلحة، كما رفضت إيطاليا منح إذن طارئ لقاذفات أميركية بالهبوط في صقلية، وكانت إسبانيا قد رفضت بالكامل دعم الحرب، مؤكدة استقلالية موقفها وعدم قبول أي محاضرات بشأن التزامها بالسلام.

ترامب يهدد الناتو

أثار الموقف الأوروبي إزاء الحرب ضد إيران حفيظة ترامب، الذي بدأ في تصعيد خطابه ضد الحلفاء الأوروبيين، ملوّحًا بإعادة النظر في جدوى المظلّة الأطلسية نفسها إذا استمر امتناعهم عن تقديم دعم فعلي في ما يتصل بأزمة مضيق هرمز وتداعيات الحرب على إيران.

وفي السياق ذاته، خرجت من واشنطن إشارات أكثر صراحة بشأن احتمال مراجعة العلاقة مع الحلف، سواء عبر تهديد ترامب بالانسحاب من الناتو أو عبر حديث مسؤولين أميركيين عن ضرورة إعادة تقييم دور الحلف إذا ظل الأوروبيون على هذا القدر من التردد في أوقات الأزمات الكبرى.

ولم يتوقف الأمر عند حدود التلويح السياسي، بل امتد إلى خطاب هجومي مباشر اتهم فيه ترامب بعض أعضاء الناتو بأنهم “حلفاء سيئون“، معبرًا عن غضبه من رفض عدد من العواصم الأوروبية تقديم دعم بحري أو لوجستي في سياق الحرب.

كما وجّه انتقادات علنية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على خلفية رفض باريس الانخراط في مقاربة عسكرية لفتح مضيق هرمز، في مشهد عكس حجم التوتر غير المسبوق داخل البيت الأطلسي.

هذا الخطاب الأميركي أثار موجة متزايدة من القلق داخل الحلف، خصوصًا بعدما تحول الحديث من مجرد الضغط على الحلفاء إلى نقاش فعلي حول مستقبل الالتزام الأميركي بالناتو، فقد أشارت تقارير إلى أن ترامب يدرس بجدية مسألة الانسحاب من الحلف، ما أعاد فتح جدل قانوني وسياسي واسع في واشنطن وأوروبا بشأن حدود سلطة الرئيس الأميركي في هذا الملف، وحول ما إذا كانت الحرب على إيران ستتحول إلى نقطة تصدع استراتيجية في العلاقة عبر الأطلسي.

ورغم محاولات الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، احتواء هذا التوتر المتفاقم، فإن المشهد العام يوحي بأن العلاقات بين ضفتي الأطلسي بلغت مستوى بالغ الحساسية من الاحتقان، لم تعرفه بهذا الوضوح منذ سنوات، فالحرب على إيران لم تكشف فقط عن تباين في تقدير الموقف، بل أظهرت أيضًا هشاشة الثقة بين واشنطن وبعض أبرز حلفائها الأوروبيين، في لحظة دولية شديدة الاضطراب.

5 مقاربات تمنع أوروبا من الانخراط في الحرب

تستند المقاربة الأوروبية الرافضة للانخراط الكامل في الحرب إلى جملة من الاعتبارات المتشابكة، في مقدمتها الاختلاف الجوهري مع الرؤية الأميركية لطبيعة المعركة نفسها.

فبينما تنظر واشنطن، بقيادة ترامب، إلى الحرب باعتبارها أداة لإعادة ترميم الردع وإعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها ويعزز موقع إسرائيل، تنظر أوروبا إلى المشهد من زاوية أكثر حذرًا، تضع في صدارة الحسابات كلفة الحرب على الداخل الأوروبي، سواء على مستوى الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، أو على مستوى التضخم والاستقرار الاقتصادي، فضلًا عن حساسية الرأي العام الأوروبي تجاه أي تورط عسكري جديد خارج الحدود.

ويتمثل السبب الثاني في أن العواصم الأوروبية تنظر إلى هذه الحرب باعتبارها ثمرة قرار أميركي أُخذ بصورة أحادية، من دون تشاور جاد مع الحلفاء، بما يجعلها غير مستعدة لتحمل كلفة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية لقرار لم تكن شريكًا في صنعه.

ويضاف إلى ذلك عامل ثالث لا يقل أهمية، يتمثل في الضبابية التي لا تزال تكتنف أهداف الحرب وحدودها، في ظل خطاب متقلب ومسارات مفتوحة على احتمالات متعددة، وهو ما يثير مخاوف أوروبية جدية من أن يقود أي انخراط مباشر إلى التورط في صراع ممتد يصعب التحكم في مداه الزمني أو الجغرافي.

أما السببان الرابع والخامس، فيرتبطان بحسابات المصالح والنظام الأطلسي معًا؛ إذ تدرك أوروبا أن أي تورط مباشر في الحرب قد ينعكس سلبًا على حضورها السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط، ويهدد مصالحها وأمنها ونفوذها في منطقة بالغة الحساسية.

وفي الوقت نفسه، يتنامى داخل العواصم الأوروبية قلق واضح من أن الزج بحلف شمال الأطلسي في هذه المواجهة قد يفضي إلى تآكل شرعيته السياسية وتقويض تماسكه الداخلي، إذا جرى استخدامه كغطاء تلقائي لخيارات أميركية أحادية لا تحظى بإجماع داخل الحلف. ومن هنا، يبدو الرفض الأوروبي ليس مجرد تحفظ ظرفي، بل تعبيرًا عن رؤية أعمق تسعى إلى تجنب الاستنزاف وحماية المصالح والحفاظ على توازن البيت الأطلسي.

البحث عن بدائل

استنادًا إلى هذه المقاربة، تبدو أمام أوروبا ثلاثة مسارات رئيسية لتعزيز استقلاليتها النسبية وتقليص ارتهانها الكامل للقرار الأميركي، بما يخفف من الكلفة السياسية والاستراتيجية المترتبة على اتساع فجوة التباين عبر الأطلسي.

وفي مقدمة هذه المسارات يبرز السعي إلى بناء قدرة دفاعية أوروبية أكثر صلابة واستقلالًا، وهو ما بدأت ملامحه تتشكل بالفعل عبر رفع الإنفاق العسكري، وتوسيع مشروعات التسليح المشترك، والدفع نحو تأسيس قاعدة أمنية ذاتية تقلل من الاعتماد الدائم على المظلة الأميركية.

أما المسار الثاني، فيرتبط بملف الطاقة، بوصفه أحد أبرز مفاتيح الاستقلال السياسي الأوروبي، فالقارة باتت تدرك أن امتلاك هامش أوسع في القرار الخارجي يظل مشروطًا بتقليص هشاشتها في مجال الإمدادات، وهو ما يفسر الاتجاه نحو تنويع مصادر الطاقة، وتوسيع شبكة الموردين، والانفتاح على شركاء جدد مثل الجزائر وأذربيجان وكندا.

وهنا تتحرك أوروبا وفق معادلة دقيقة، تنطوي على تقليل الاعتماد على الطاقة الروسية من جهة، وتجنب الوقوع في ارتهان جديد للطاقة الأميركية من جهة أخرى، بما يضمن لها قدرًا أكبر من المرونة في إدارة أزماتها ومواقفها الدولية.

ويأتي المسار الثالث متصلًا بإعادة تنشيط الحضور الدبلوماسي الأوروبي على نطاق أوسع، عبر بناء شبكة أكثر تنوعًا من الشراكات والعلاقات الدولية. ويشمل ذلك ترميم جسور التقارب مع بريطانيا بعد سنوات من التباعد، إلى جانب توسيع الشراكات الاقتصادية والدفاعية مع الدول ذات الأهمية اللوجستية والاستراتيجية بالنسبة لأوروبا، وفي مقدمتها دول الشرق الأوسط.

ومن شأن هذا التوجه أن يمنح القارة هامشًا أرحب للحركة والمناورة، ويعزز قدرتها على حماية مصالحها وصياغة خياراتها بعيدًا عن أحادية التوجيه الأميركي.

إعادة ترتيب لا تآكل

تشير المعطيات المتراكمة إلى أن التحالف عبر الأطلسي، في مرحلة ما بعد هذه الحرب، لن يبقى على الصورة ذاتها التي استقر عليها طوال العقود الماضية، ولا يعني ذلك بالضرورة أن العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة تتجه إلى انهيار كامل أو قطيعة مفاجئة، بقدر ما يوحي بأن هذا التحالف بات مرشحًا لإعادة ترتيب عميقة من داخله، تعيد ضبط توازناته، وحدود أدوار أطرافه، وطبيعة القيادة التي حكمته لعقود.

وفي هذا السياق، تبدو أوروبا وكأنها تتحرك وفق مقاربة براغماتية واضحة، هدفها تفادي الانزلاق إلى حرب باهظة الكلفة ضد إيران، من دون الذهاب في الوقت نفسه إلى صدام مباشر مع الحليف الأميركي، رغم الضغوط المتزايدة التي يمارسها ترامب لدفع العواصم الأوروبية نحو انخراط أوسع في المواجهة.

ومن ثم، فإن ما يجري اليوم لا يبدو مجرد خلاف عابر حول إدارة حرب إقليمية، بل مؤشرًا على تحول أعمق داخل المعسكر الغربي نفسه، قد يفضي تدريجيًا إلى تراجع درجة التماسك التقليدي التي ميزت العلاقات عبر الأطلسي لعقود طويلة.

كما أن تداعيات الحرب لا تبدو مرشحة للتوقف عند حدود الميدان العسكري أو اضطرابات الطاقة والأسواق، بل تمتد على الأرجح إلى بنية النظام الدولي ذاته، في لحظة يتزايد فيها الاقتناع بأن ارتدادات هذه المواجهة قد تسهم في إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية العالمية بصورة تدريجية ولكن شديدة التأثير.

(الترا صوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى