قضايا وتحليلات

كيف كشفت الحرب الأمريكية ضد إيران حدود القوة الهندية؟

شكّلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، بما خلّفته من ارتدادات واسعة على خريطة الاقتصاد العالمي، ولا سيما في أسواق الطاقة، اختبارًا بالغ الصعوبة كشف على نحو دقيق حدود قدرة الدول والقوى الكبرى على امتصاص الصدمات، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين اعتبارات النفوذ السياسي وضغوط الاقتصاد.

وكانت الهند من أبرز القوى التي وُضعت تحت هذا الاختبار المعقّد؛ فمع اتساع رقعة الحرب، بدا أن نيودلهي تواجه مأزقًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا متشابكًا، بعدما أظهر التصعيد هشاشة التوازنات التي استند إليها اقتصادها خلال السنوات الماضية، والقائمة على معادلة دقيقة جمعت بين معدلات نمو قوية ومستويات تضخم منخفضة.

وفي الوقت نفسه، كشفت الحرب بوضوح حجم الارتباط العضوي بين الاقتصاد الهندي وأمن واستقرار الشرق الأوسط، خصوصًا منطقة الخليج، بما جعل الأزمة عاملًا حاسمًا في إعادة صياغة الحسابات السياسية والاقتصادية للهند في آن واحد.

نيودلهي أمام اختبار صعب

تُعدّ الهند من أكثر القوى انكشافًا على تداعيات التصعيد الجاري في المنطقة، بحكم موقعها كواحدة من أكبر القوى المستوردة للطاقة عالميًا؛ فهي ثالث أكبر مستورد ومستهلك للنفط في العالم ( تستورد نحو 90% من احتياجاتها من النفط الخام و50% من احتياجات الغاز)، فيما يمر جزء معتبر من وارداتها النفطية عبر مضيق هرمز( 40% من واردات الخام تمر من خلاله)، وتأتي نسبة كبيرة من احتياجاتها الغازية من الشرق الأوسط ( حوالي 60%).

ولهذا، فإن الحرب الراهنة لا تمثل بالنسبة إلى نيودلهي أزمة إقليمية بعيدة، بقدر ما تبدو اختبارًا قاسيًا لأمنها الاقتصادي واستقرارها الداخلي، بعدما وضعتها أمام صدمتين متزامنتين تضغطان مباشرة على بنية اقتصادها ومجالات حركتها السياسية.

الصدمة الأولى جاءت من بوابة الطاقة، مع اضطراب خطوط الإمداد بفعل إغلاق مضيق هرمز وما ترتب عليه من ارتفاعات حادة في أسعار النفط والغاز، الأمر الذي ضاعف الضغوط على مؤشرات الاقتصاد الكلي، وهدد قطاعات حيوية تمثل عصب النشاط الاقتصادي الهندي، وفي مقدمتها الأسمدة وتوليد الكهرباء

أما الصدمة الثانية، فتجلت في اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، نتيجة تحويل مسارات الشحن وارتفاع أقساط التأمين البحري، بل وإلغائها في بعض الحالات، بما يهدد منظومة التصدير الهندية إلى أسواق الخليج التي تمثل رافدًا مهمًا للخزائن الهندية.

ويُضاف إلى ذلك ما تكبده الحرب من خسائر لوجستية مباشرة، خاصة في قطاع الطيران، مع إغلاق بعض المجالات الجوية في منطقة الصراع، بما يفرض على شركات الطيران مسارات أطول وأكثر كلفة في استهلاك الوقود، ويدفع نحو زيادة الخسائر التشغيلية وإلغاء أعداد كبيرة من الرحلات.

وبهذا المعنى، وجدت الهند نفسها في قلب معركة لم تكن طرفًا مباشرًا فيها، لكن ارتداداتها كشفت بوضوح مقدار هشاشة الاقتصاد الهندي حين يتعرض لاختبار جيوسياسي حقيقي، بعيدًا عن أرقام النمو الرسمية ومؤشرات الرفاه التي لم تُختبر على هذا النحو خلال السنوات الأخيرة.

المقاربة الهندية.. خفض التصعيد وتجنب الاصطفاف

انطلاقًا من هشاشة الاقتصاد الهندي أمام الهزات الجيوسياسية الكبرى، تبنّت نيودلهي خطابًا دبلوماسيًا محسوبًا، يرفع شعارات ضبط النفس والحوار واحترام سيادة الدول، لكنه في جوهره يعكس إدراكًا عميقًا لحجم المأزق الذي فرضته الحرب على مصالحها الحيوية.

ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن تؤكد وزارة الخارجية الهندية أن أولوية البلاد القصوى تتمثل في ضمان الملاحة الآمنة والحرة عبر مضيق هرمز، باعتباره شريانًا لا يحتمل المغامرة أو الانقطاع، وفي السياق نفسه، حرصت الحكومة الهندية على إبقاء قنواتها مفتوحة مع الجميع، فأكدت استمرار تواصلها مع إيران ودول الخليج، ومشاركتها في مشاورات دولية بشأن أمن الملاحة، بالتوازي مع اتصالات شملت تقريبًا جميع أطراف الأزمة، من إسرائيل وإيران إلى السعودية والإمارات وقطر وعُمان والولايات المتحدة.

تعكس هذه المقاربة بوضوح ميل نيودلهي إلى سياسة التوازن وتجنب الاصطفاف الحاد، إذ سعت بكل ما تملك إلى النأي بنفسها عن الانخراط المباشر في الحرب أو الظهور كطرف محسوب على محور ضد آخر، متجنبة السقوط في فخ الاستقطاب في تلك المرحلة الحساسة والحرجة.

غير أن هذه البراغماتية الدبلوماسية تكشف في الوقت ذاته حقيقة أكثر عمقًا، وهي أن القرار السياسي الهندي بدا في هذه الأزمة، خاضعًا إلى حد بعيد لإكراهات الاقتصاد وأمن الطاقة، أكثر من كونه تعبيرًا عن استقلالية استراتيجية كاملة.

ومن هنا، يمكن القول إن تلك الحرب لا تختبر فقط قدرة الهند على حماية مصالحها، ولا تمثل تحديًا كبيرًا لمتانة اقتصادها على مواجهة مثل هذه الصدمات،  بل تعيد أيضًا طرح سؤال جوهري بشأن حدود قدرتها الفعلية على تقديم نفسها لاعبًا دوليًا صاعدًا قادرًا على المناورة بحرية في ساحات الصراع الكبرى.

برغماتية اقتصادية بعباءة سياسية

حاولت نيودلهي، منذ اليوم الأول للحرب، أن تتموضع على مسافة محسوبة من جميع المنخرطين فيها، أطرافًا مباشرين ومتضررين محتملين على حد سواء، في محاولة دقيقة لإدارة أزمة تتجاوز حدود السياسة إلى عمق الأمن الاقتصادي والطاقة.

فعلى الجبهة الإيرانية، تمسكت الهند بخيط العلاقة مع طهران، ماضية في مشروع تشابهار بعقد تشغيل يمتد لعشر سنوات، ومؤكدة رسميًا استمرار انخراطها في هذا المسار مع تمديد الإعفاء المشروط المرتبط بالعقوبات حتى 26 أبريل/نيسان 2026.

وفي وقت أحجمت فيه دول كثيرة عن الاقتراب من النفط الإيراني خشية الاصطدام بالغضب الأمريكي، سارعت وزارة النفط الهندية إلى شراء كميات من الخام الإيراني في الرابع من أبريل/نيسان الجاري، في أول شحنات تستقبلها البلاد من إيران منذ مايو/أيار 2019، بما عكس استعداد نيودلهي للذهاب بعيدًا في براغماتيتها حين تقتضي الضرورة ذلك.

وفي الاتجاه المقابل، لم تُبدِ الهند أي رغبة في التفريط بعلاقاتها المتنامية مع تل أبيب، بوصفها بوابة تكنولوجية وأمنية وممرًا مهمًا لمشروعات النفوذ والربط الإقليمي، كما حرصت، في الوقت نفسه، على الإبقاء على علاقتها مع الولايات المتحدة ضمن إطار بنّاء، رغم ما شابها من توتر على خلفية الرسوم الجمركية، إدراكًا منها أن استعداء واشنطن في لحظة إقليمية مشتعلة سيكون كلفة لا تحتملها.

ولم تتوقف البراغماتية الهندية عند أطراف الحرب فقط، بل امتدت إلى الدول المتأثرة بتداعياتها، وفي مقدمتها دول الخليج التي تشكل بالنسبة إلى نيودلهي ركيزة أساسية في معادلة النفط والغاز وسلاسل الإمداد، فضلًا عن وجود قرابة عشرة ملايين هندي يعملون هناك ويضخون سنويًا أكثر من خمسين مليار دولار في صورة تحويلات مالية.

وعلى الخط ذاته، حاولت إعادة فتح القناة الروسية بعد الفتور الذي أصاب العلاقة نتيجة خفض مشترياتها من الخام الروسي تحت وطأة الضغوط الأمريكية، فعادت للتفاهم مع موسكو على استئناف استيراد الغاز الطبيعي للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب الأوكرانية.

وبهذه المقاربة، تسعى الهند إلى إبقاء علاقتها مع جميع الأطراف، المتحاربة والمتضررة، داخل المجال الدافئ نفسه، من دون انحياز صريح أو استقطاب حاد، في محاولة متواصلة لمسك العصا من المنتصف، غير أن هذه السياسة، بقدر ما تعكس براعة تكتيكية، تكشف أيضًا حجم القيد الاقتصادي الذي يحكم الحركة الهندية، إذ إن أي خطوة غير محسوبة قد تفرض على نيودلهي فاتورة باهظة لا يبدو أن اقتصادها، رغم تنويع مصادر الطاقة، مستعد لتحملها بسهولة.

نيودلهي بين الاستقلالية وفاتورة الطاقة

في الوقت الذي يُتوقع فيه أن تدفع هذه الحرب كثيرًا من القوى إلى إعادة رسم خرائط تحالفاتها استنادًا إلى ما كشفته المواجهة من حقائق ومحددات جديدة، تبدو الهند حالة مختلفة إلى حد كبير؛ فالمسألة بالنسبة إلى نيودلهي لا تتعلق بتبديل الحلفاء بقدر ما ترتبط بتوسيع سياسة تعدد المسارات، وتكريس نهج تنويع الخيارات وفق براغماتية باردة لا تعترف إلا بلغة المصالح.

فالهند لا تريد خسارة الولايات المتحدة، ولا التفريط في إيران، ولا التضحية بعلاقاتها مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تسعى إلى توثيق حضورها داخل الخليج، وفتح صفحة أكثر دفئًا مع روسيا، وربما تترك الباب مواربًا لاحقًا أمام تفاهمات أوسع مع الصين وباكستان إذا اقتضت الضرورة، فهي باختصار تحاول جمع المتناقضات داخل سلة واحدة، لا بدافع التوازن الأخلاقي أو الحياد المبدئي، وإنما بدافع الحاجة إلى تأمين الطاقة، وحماية سلاسل الإمداد، وتخفيف كلفة الانكشاف على صراعات الإقليم.

ومن هنا، فإن الحرب الراهنة لم تكشف هشاشة الاقتصاد الهندي فحسب، بل فضحت أيضًا حدود القوة الهندية الفعلية، وكشفت أن صعود نيودلهي الدولي ما زال محكومًا بسقف صلب تفرضه اعتبارات الطاقة والاقتصاد قبل أي طموح جيوسياسي، ولهذا تجنبت  المغامرة، وأحجمت عن لعب دور مؤثر وحاسم في ساحة غرب آسيا أولا، ثم الملعب الدولي ثانيًا،  لأنها تدرك أن قدرتها على الحركة المستقلة ما تزال مقيدة بفواتير النفط والغاز وأمن الممرات البحرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى