قضايا وتحليلات

بين ضغوط أبو ظبي وإسناد الرياض.. باكستان في قلب التوازنات الخليجية

في الرابع من أبريل/نيسان الجاري، نقلت صحيفة “داون “ الباكستانية عن مسؤول باكستاني رفيع أن الإمارات طلبت الاسترداد الفوري لوديعتها المودعة لدى البنك المركزي الباكستاني، والبالغة 3.5 مليار دولار، قبل نهاية الشهر الجاري، في خطوة بدت كأنها تضع حدًا لمسار طويل من التمديدات والتسهيلات التي اعتادت أبوظبي منحها منذ إيداع هذه الوديعة عام 2018.

وفي المقابل، حاولت وزارة الخارجية الباكستانية احتواء وقع الخطوة، إذ أوضحت في بيان لها أن هذه الأموال أودعت في إطار اتفاقيات ثنائية قائمة، وأن الحكومة الباكستانية، عبر البنك المركزي، تقوم بإعادة الودائع المستحقة إلى الإمارات وفق الشروط المتفق عليها، وضمن جدول زمني محدد مسبقًا، غير أن جوهر المفاجأة لم يكن في أصل السداد ذاته، وإنما في إنهاء آلية التمديد التي كانت تمنح إسلام آباد هامشًا من المرونة، وتخفف عنها الضغوط الاقتصادية والمالية في لحظات بالغة الحساسية.

ورغم حرص الخارجية الباكستانية على نفي وجود أي خلفيات سياسية للطلب الإماراتي، وتقديم ما جرى باعتباره مجرد معاملة مالية اعتيادية، فإن توقيت الخطوة يظل كفيلًا بإثارة كثير من علامات الاستفهام، فالأمر يأتي في لحظة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب، تتعرض فيها باكستان، كما سائر دول العالم، لارتدادات قاسية بفعل الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وهو ما يجعل من الصعب فصل هذا التطور عن سياقه السياسي الأوسع.

ومن هنا، لا يمكن قراءة تلك الخطوة الإماراتية كونها مجرد إجراء مالي عادي،  بقدر ما تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق تتعلق بدلالاتها السياسية، وما إذا كانت تحمل رسائل غير معلنة إلى إسلام آباد بشأن مقاربتها إزاء الحرب، فضلًا عن انعكاساتها المحتملة على مستقبل العلاقات الباكستانية الخليجية في المرحلة المقبلة.

إسلام أباد في مأزق

لا شك أن دفع إسلام آباد إلى سداد القرض الإماراتي كاملًا يضع الحكومة الباكستانية أمام مأزق اقتصادي بالغ الحساسية، خاصة إذا جرى النظر إلى هذه الخطوة في سياقها الأوسع، فبحسب البيانات المتاحة هذا الشهر، لم تتجاوز الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي الباكستاني 16.4 مليار دولار، وهو ما يعني أن سحب 3.5 مليار دولار منها دفعة واحدة سيمثل ضربة ثقيلة لقدرتها المالية، ويضاعف من حجم الضغوط الواقعة على الاقتصاد الباكستاني.

وفي ضوء ذلك، فإن اقتطاع هذا المبلغ من الاحتياطيات لن يكون مجرد إجراء مالي عابر، بل ستكون له تداعيات مباشرة على قدرة إسلام آباد على الوفاء بالتزاماتها الداخلية والخارجية، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من أزمة اقتصادية خانقة، وتراجع واضح في مستويات المعيشة، فضلًا عن عبء ديون خارجية متصاعد يحد من هامش الحركة أمام الحكومة.

وتكمن المعضلة الأهم في أن الطلب الإماراتي بسحب الوديعة جاء مفاجئًا في توقيته ومساره، فالقرض الذي حصلت عليه باكستان عام 2018، بفائدة سنوية تقارب 6%، ظل يُمدد بصورة سنوية على مدى سنوات، بما وفر لإسلام آباد قدرًا من المرونة في إدارة التزاماتها، غير أن هذا النمط بدأ يتغير منذ مطلع العام الجاري، حين تقلصت التمديدات إلى آجال شهرية، قبل أن تطلب أبوظبي في نهاية المطاف استرداد المبلغ كاملًا قبل نهاية أبريل/نيسان 2026.

ومن ثم، فإن ما يضاعف وقع الخطوة ليس فقط حجم المبلغ المطلوب، بل أيضًا أن باكستان لم تكن، على ما يبدو، تضع سيناريو السداد الكامل ضمن حساباتها لهذا العام على الأقل، وهو ما يعني أن القرار الإماراتي جاء ليُربك حسابات إسلام آباد المالية، ويضعها أمام استحقاق ثقيل في لحظة هي من الأصل شديدة الهشاشة اقتصاديًا.

تدخل سعودي قطري

على الجانب الآخر، وبينما اتجهت أبوظبي إلى المطالبة باسترداد كامل وديعتها لدى باكستان دفعة واحدة، اختار الصندوق السعودي للتنمية تمديد وديعته البالغة 3 مليارات دولار لعام إضافي، في مفارقة أولية تكشف بوضوح حجم التمايز في طريقة تعاطي كل من الرياض وأبوظبي مع إسلام آباد في هذه اللحظة الدقيقة.

ولا يقف هذا التمايز عند هذا الحد وحده، إذ أفادت تقارير بأن السعودية وقطر تتجهان إلى تقديم مساعدات مالية بقيمة 5 مليارات دولار لباكستان، في خطوة يمكن قراءتها باعتبارها محاولة لاحتواء الضغوط التي تعرضت لها إسلام آباد بعد الخطوة الإماراتية المفاجئة، ولمنحها هامشًا أوسع لالتقاط الأنفاس في مواجهة أزمتها المالية المتفاقمة.

وبحسب ما تم تداوله، فإن هناك مشاورات مكثفة بين إسلام آباد وكل من الرياض والدوحة من أجل بلورة حزمة دعم إضافية، تشمل زيادة الودائع النقدية القائمة، إلى جانب تمديد تسهيلات تمويل النفط المقرر انتهاؤها في وقت لاحق من هذا الشهر، ورغم أن هذه الترتيبات لم تتخذ بعد طابعًا رسميًا نهائيًا، فإن مسار النقاشات الجارية بشأنها يوحي بأن هناك اتجاهًا إيجابيًا نحو تعزيز الإسناد المالي لباكستان.

وتعكس هذه المؤشرات مجتمعة تباينًا خليجيًا واضحًا في مقاربة الأزمة الاقتصادية الباكستانية، ففي الوقت الذي اختارت فيه أبوظبي مسار التشدد المالي والضغط المباشر، مالت الرياض والدوحة إلى تبني سياسة الإسناد والاحتواء،  وهذه المفارقة، وإن لم ترتقِ بعد إلى مستوى الصدام الصريح، فإنها تكشف من جهة عن اختلاف في الرؤى الخليجية تجاه إسلام آباد، ومن جهة أخرى ترسم ملامح أكثر وضوحًا لشكل العلاقات الباكستانية الخليجية خلال المرحلة المقبلة.

المقاربة الباكستانية إزاء الحرب

لا يمكن فصل الخطوة الإماراتية وما أعقبها من تحرك سعودي قطري عن المشهد الإقليمي الأوسع، ولا عن طبيعة المقاربة الباكستانية إزاء الحرب المندلعة حاليًا، وهي الحرب التي كشفت بوضوح حجم التباين الإقليمي والدولي في التعاطي مع التصعيد، بحيث بات كل طرف يتحرك وفق حساباته الخاصة ورؤيته لمآلات المواجهة.

وفي المجمل، تنطلق المقاربة الباكستانية من قاعدة الاحتواء لا الاصطفاف،  فإسلام آباد تتجنب، بصورة واضحة، الانخراط المباشر في هذه المواجهة أو السقوط في فخ الاستقطاب الحاد، انطلاقًا من اعتبارات سياسية واقتصادية وأمنية شديدة الحساسية، ومن هنا جاء سعيها إلى أداء دور الوسيط، في محاولة لفرض التهدئة وتقريب وجهات النظر ومنع انزلاق الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة.

وتتحرك باكستان في هذا السياق ضمن معادلة توازن دقيقة ومعقدة؛ فهي من جهة لا تريد الدخول في صدام مع إيران، بحكم اعتبارات الجوار والمصالح المتشابكة والحسابات الجيوسياسية المرتبطة بالمصير الإقليمي المشترك، ومن جهة أخرى لا ترغب في الإضرار بعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، كما تتمسك في الوقت ذاته بعلاقاتها الوثيقة مع دول الخليج لما تمثله هذه العلاقات من أهمية اقتصادية وطاقوية ومالية بالغة.

غير أن هذه المقاربة، وإن بدت منسجمة إلى حد كبير مع توجهات بعض العواصم الخليجية، وفي مقدمتها الرياض والدوحة، اللتين تميلان إلى التهدئة وتفادي توسيع نطاق التصعيد، فإنها لا تبدو بالقدر نفسه متناغمة مع مقاربة أبوظبي، التي تتبنى موقفًا أكثر تشددًا حيال طهران، وتدفع، وفق خطابها السياسي والإعلامي، نحو مقاربة أكثر حدة في التعامل مع النظام الإيراني، ومن هنا يبرز التباين في الرؤية بين من يفضل إدارة الأزمة واحتواءها، ومن يميل إلى رفع مستوى الضغط والمواجهة.

وفي ضوء تلك المفارقة، يمكن قراءة الخطوة الإماراتية الخاصة بالمطالبة باسترداد الوديعة كاملة باعتبارها أكثر من مجرد إجراء مالي بحت، فبرغم اللغة الدبلوماسية التي التزمت بها الخارجية الباكستانية في بيانها، تظل هذه الخطوة قابلة للقراءة سياسيًا بوصفها رسالة عدم ارتياح من أبوظبي تجاه موقف إسلام آباد، الذي ربما تراه أقل من مستوى التوقعات، لا سيما في ما يتعلق بمساعي التهدئة، وحرص باكستان على تجنب الانخراط في أي محور إقليمي مناهض لإيران.

إسلام أباد والخليج.. العلاقات إلى أين؟

قد يذهب البعض إلى أن الوقت لا يزال مبكرًا للحكم بصورة نهائية على انعكاسات هذا التباين الخليجي في التعاطي مع إسلام آباد على مستقبل العلاقة بين الطرفين بعد الحرب الدائرة حاليًا، غير أن المؤشرات القائمة حتى الآن توحي بوضوح بأن المقاربة الباكستانية إزاء الحرب، إلى جانب طبيعة رد الفعل الخليجي عليها، سيكونان من العوامل المحورية في رسم ملامح هذه العلاقة خلال المرحلة المقبلة.

فإذا نجح الدور الذي لعبته باكستان في الوساطة بين طهران وواشنطن، وتمكن بالفعل من تحقيق قدر من التهدئة واحتواء التصعيد، فإن ذلك سيمنح إسلام آباد رصيدًا سياسيًا مضاعفًا، ويرفع من قيمتها بوصفها لاعبًا إقليميًا مهمًا، وطرفًا مقبولًا لدى القوى المتصارعة، لا مجرد دولة تبحث عن التمويل والدعم في أوقات الأزمات.

ومن منظور براغماتي خالص، قد ينعكس هذا الدور بصورة إيجابية على علاقات باكستان مع بعض العواصم الخليجية، وفي مقدمتها السعودية وقطر، اللتان تبدوان أقرب إلى منطق الشراكة وتعزيز التعاون مع إسلام آباد، سواء من خلال الدعم السياسي والاقتصادي، أو عبر مستوى التنسيق الذي فرضته الحرب نفسها، كما أن انخراط باكستان في دعم المملكة، إلى جانب الخطاب القطري الذي يميل إلى التفاهم والتنسيق مع إسلام آباد، يعززان من فرضية أن العلاقة مع هاتين العاصمتين مرشحة لمزيد من التقارب في مرحلة ما بعد الحرب.

أما على مستوى العلاقة مع الإمارات، فقد تتخذ الأمور مسارًا مختلفًا نسبيًا، وليس المقصود هنا بالضرورة الانزلاق إلى صدام أو قطيعة، وإنما الاتجاه نحو إعادة ضبط العلاقة بأدوات مغايرة، تقوم – وفق الرؤية الإماراتية – على مقاربة أكثر صرامة وانضباطًا، خاصة في الجانب المالي، ومن شأن هذا التحول أن يترك أثره على طبيعة العلاقة بين البلدين ومسارها، بحيث تصبح أقل مرونة وأكثر خضوعًا لحسابات المصلحة المباشرة.

غير أن هناك معضلة رئيسية قد تضع إسلام آباد في موقف حرج، وتحوّلها إلى نقطة ضغط مستمرة في علاقتها مع الخليج، وهي الهشاشة الاقتصادية التي تعاني منها باكستان، فهذه الوضعية ستظل حاضرة بقوة في أي مقاربة باكستانية تجاه العواصم الخليجية، وقد تؤثر بشكل مباشر على عنصر الندية في تلك العلاقات، لا سيما مع أبوظبي.

بعبارة أخرى، فإن الحرب وإن كانت قد رفعت من قيمة باكستان سياسيًا ولوجستيًا، فإن هذه القيمة تبقى مشروطة بقدرتها على معالجة أزماتها الاقتصادية، لأن استمرار الضعف المالي قد يتحول من ورقة ضغط خارجية إلى عامل تقويض داخلي لهذه القيمة نفسها.

وفي ضوء ذلك، يبدو أن الحرب الحالية ستلقي بظلالها بوضوح على مستقبل العلاقات الباكستانية الخليجية، ورغم أن الانطباع العام يوحي بأن هذه العلاقات ستصبح أكثر أهمية في المرحلة المقبلة، فإنها في الوقت ذاته ستكون أكثر تفاوتًا من عاصمة إلى أخرى،  وهو ما يعني أن إسلام آباد ستكون مطالبة بإدارة هذا المسار عبر ميزان شديد الحساسية، يضمن لها الحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف العواصم الخليجية، وتجنب أي توتر قد ينعكس سلبًا على مجمل العلاقة بين الطرفين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى