قضايا وتحليلات

بغداد في حسابات طهران.. ماذا وراء زيارة قاآني الخاطفة؟

أعادت الزيارة الخاطفة التي أجراها قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد، يوم السبت 18 أبريل/نيسان الجاري، تسليط الضوء على طبيعة التحرك الإيراني في الساحة العراقية، وفتحت الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن دوافعها الحقيقية وأهدافها في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تزامنت مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران.

فالزيارة، التي لم تستغرق سوى يوم واحد، خرجت عن الإطار المعتاد من حيث طبيعتها وكثافة لقاءاتها، إذ عقد قاآني اجتماعات مع عدد من قادة القوى السياسية وفصائل الإطار الشيعي، في وقت يرزح فيه العراق تحت وطأة أزمة سياسية خانقة عنوانها الجمود في حسم ملف رئاسة الحكومة، وبالتزامن كذلك مع انطلاق الجولة الثانية من المفاوضات بين طهران وواشنطن في إسلام آباد.

ومن ثم، يصعب النظر إلى هذه الزيارة السريعة باعتبارها مجرد تحرك بروتوكولي عابر، إذ إن طبيعة التوقيت، وتركيبة الأطراف التي التقاها قاآني، والملفات المفتوحة إقليميًا وداخليًا، كلها مؤشرات توحي بأن الزيارة جاءت محملة بأهداف محددة ورسائل دقيقة، لا تتعلق فقط بإدارة التوازنات داخل البيت الشيعي العراقي، بل تمتد أيضًا إلى توجيه إشارات سياسية إلى أطراف إقليمية ودولية.

ثنائية الدعم وضبط الإيقاع

يتصدر مشهد هذه الزيارة عنوان واضح يتمثل في حرص طهران على إظهار استمرار دعمها للفصائل الموالية لها داخل العراق، ولا سيما بعد الضربات التي تعرضت لها على يد القوات الأمريكية، وما خاضته من معارك استنزاف بوصفها إحدى جبهات الإسناد المتقدمة لإيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

ومن خلال هذا التحرك، تسعى طهران إلى توجيه رسالة مزدوجة مفادها أن انخراطها في صراعها المباشر مع واشنطن لا يعني تراجعها عن رعاية حلفائها في الساحة العراقية أو التخلي عنهم، بل إنها ما تزال حاضرة لمساندتهم سياسيًا وتنظيميًا في لحظة تتصاعد فيها الضغوط الأمريكية على مواقع وأهداف حساسة مرتبطة بفصائل الحشد الشعبي.

وفي موازاة رسالة الدعم، يبدو أن قاآني حمل أيضًا مهمة لا تقل أهمية، تتمثل في ضبط إيقاع تحرك الحشد الشعبي، ورسم حدود اشتباك تنسجم مع طبيعة المرحلة الراهنة. فإيران، رغم إدراكها لهشاشة الهدنة القائمة مع أمريكا وإسرائيل، لا تبدو راغبة في فتح جبهة عراقية جديدة تعيد خلط الأوراق وتدفع المشهد نحو انفجار أوسع، بل تميل إلى إدارة التوتر بحسابات أكثر انضباطًا، بما يضمن توحيد السياسات والمواقف على امتداد جبهات الإسناد التابعة لها في العراق واليمن ولبنان.

وبهذا المعنى، لا تبدو الزيارة مجرد خطوة تضامنية مع الحلفاء، بل أيضًا محاولة إيرانية لإعادة ترتيب قواعد الحركة داخل الساحة العراقية، بحيث يبقى الدعم قائمًا، لكن ضمن سقف محسوب لا يطيح بتوازنات المرحلة ولا ينسف التفاهمات الهشة القائمة.

حلحلة الجمود الخاص بتسمية رئيس الحكومة

يعيش العراق حالة من الجمود السياسي الحاد بفعل التعثر المستمر في حسم تسمية رئيس الحكومة، وسط تصاعد التراشق داخل البيت الشيعي، ولا سيما ضمن قوى الإطار التنسيقي، مع احتدام السجال وتبادل الاتهامات بين زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ورئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، زعيم ائتلاف الإعمار والتنمية.

ورغم أن غالبية قوى الإطار مالت إلى ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة، فإن هذا الخيار اصطدم بتحفظ أمريكي واضح، ترافق مع رسائل ضغط وتهديد في حال المضي في تثبيته، وهو ما دفع الإطار إلى التريث في إعلان مرشحه، وإعادة حساباته بشأن الاسم المطروح، الأمر الذي عمّق الارتباك داخل المعسكر الشيعي، وكشف حجم التعقيد الذي يحيط بعملية الحسم.

في هذا السياق، جاءت زيارة قاآني إلى بغداد، قبل ساعات قليلة من زيارة المبعوث الأمريكي توم باراك، في محاولة تبدو موجهة إلى إعادة ترتيب المشهد الشيعي من الداخل، ومنع انزلاقه نحو مزيد من الانقسام، فضلًا عن الدفع باتجاه التوافق على خيار يمكن تمريره داخليًا وتحمّله خارجيًا.

وتزداد أهمية هذا التحرك إذا ما وضع في سياق ضيق الوقت الدستوري، إذ لم يكن يفصل الإطار الشيعي، بوصفه الكتلة الأكبر في مجلس النواب العراقي، سوى أربعة أيام فقط عن موعد حاسم لاختيار مرشحه لرئاسة الحكومة، وبذلك، بدت الزيارة الإيرانية أقرب إلى تدخل سياسي مباشر لاحتواء أزمة تتجاوز مجرد الخلاف على اسم رئيس الوزراء، لتلامس مستقبل تماسك الإطار نفسه، وحدود قدرته على إدارة التوازن بين استحقاقات الداخل وضغوط الخارج.

رسالة مزدوجة لبغداد وواشنطن

تحمل الزيارة في هذا التوقيت الحساس رسالة إيرانية مزدوجة، تتجاوز بعدها المباشر إلى ما هو أعمق سياسيًا وأمنيًا، فالرسالة الأولى موجهة إلى الداخل العراقي، ومفادها أن طهران ما تزال لاعبًا حاضرًا ومؤثرًا في معادلات الساحة العراقية، وأنها غير مستعدة لترك فراغ سياسي أو أمني في لحظة تتسم بسيولة عالية وتشابك داخلي وإقليمي بالغ الحساسية، ومن خلال هذا الحضور، تسعى إيران إلى إعادة تثبيت موقعها داخل المشهد العراقي، وتأكيد أن دورها ما زال قائمًا في إدارة التوازنات والتأثير في مساراتها.

أما الرسالة الثانية، فتتجه إلى الولايات المتحدة، وإلى إدارة دونالد ترامب على وجه الخصوص، وتحمل مضمونًا واضحًا مفاده أن النفوذ الإيراني في العراق، باعتباره إحدى ساحات الارتكاز الأساسية ضمن شبكة الإسناد الإقليمية، لن ينكسر بسهولة رغم الضربات التي تعرض لها، وأن طهران لا تنوي التخلي عن حلفائها وأذرعها في المنطقة، مهما بلغت الضغوط التي تواجهها في الداخل أو حجم الاستنزاف الذي تكبدته بفعل الحرب.

وفي هذا السياق، تبدو طهران كأنها تسعى من خلال الزيارة إلى تثبيت مجموعة من القواعد الحاكمة للمشهد العراقي في المرحلة الراهنة، أولها منع أي انفلات أمني قد يحرجها أو يخرج عن حساباتها ومقارباتها الحالية، وثانيها الحيلولة دون أي انقسام سياسي من شأنه أن يضعف نفوذ حلفائها داخل العراق، وثالثها تأكيد أن أي تحولات كبرى في بغداد لا يمكن أن تمضي بعيدًا عن نطاق المراقبة والتأثير الإيراني.

ماذا عن المشهد في إسلام أباد؟

بطبيعة الحال، لا يمكن عزل هذه الزيارة عن المشهد الموازي في إسلام آباد، إذ إن طهران، عبر إظهار قاآني في بغداد في هذا التوقيت، تبعث برسالة مباشرة إلى واشنطن قبيل انطلاق الجولة الثانية من المفاوضات، مفادها أنها ما تزال تحتفظ بقدرتها على الإمساك بخيوط الساحة العراقية، وأن العراق لا يزال ورقة حاضرة في حساباتها التفاوضية، يمكن توظيفها تبعًا لما ستؤول إليه المحادثات الجارية في باكستان.

ومن هذا المنظور، تبدو الزيارة جزءًا من إدارة إيرانية متوازية للمسارين، مسار التفاوض مع واشنطن، ومسار ضبط التوازنات داخل البيت الشيعي العراقي، فإذا عجز الإطار التنسيقي عن التوافق على شخصية تحظى بقبول داخلي قبل انتهاء المهلة المحددة، فإن ترحيل الحسم إلى ما بعد اتضاح مآلات مفاوضات إسلام آباد يصبح احتمالًا واردًا، بما يعني عمليًا ربط اختيار رئيس الوزراء العراقي الجديد بنتائج التفاهم أو التعثر بين طهران وواشنطن.

وفي حال انتهت المفاوضات إلى تسوية سياسية، فقد تميل إيران إلى خفض منسوب التوتر، ودعم شخصية أقل استفزازًا لإدارة ترامب من أجل تمرير الاستحقاق الحكومي بأقل قدر ممكن من الصدام، أما إذا أخفقت تلك المحادثات، فإن طهران قد تتجه إلى خيار أكثر تشددًا، عبر الدفع بشخصية لا تحظى بقبول أمريكي، بالتوازي مع إبقاء الجبهة العراقية في حالة استعداد سياسي وأمني، تحسبًا لأي تصعيد محتمل مع واشنطن.

في الأخير ووفق تلك المقاربة لاتبدو زيارة قاآني تحركًا لتطويق أزمة داخلية عراقية وفقط، بل أيضًا رسالة تفاوضية محسوبة، تؤكد أن بغداد ستظل جزءًا من معادلة الشد والجذب بين إيران والولايات المتحدة، وأن مسار تشكيل السلطة فيها قد يتأثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بمآلات التفاوض الإقليمي الدائر خارج حدودها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى