
سيلفيا مكرم: «سباين».. حين تعلو الأبراج وتتراجع أسئلة العدالة
في فترة مشحونة بالتوترات والضغوط الاقتصادية الدولية، اختارت مجموعة طلعت مصطفى أن تطلق مشروعها الجديد “سباين” داخل مدينتي. خطوة تبدو في ظاهرها امتدادًا طبيعيًا لنجاحات سابقة، لكنها في جوهرها تعكس ما هو أبعد من مجرد توسع عمراني؛ إنها تعبير عن اتجاه اقتصادي كامل تتبناه الدولة والسوق معًا.
منذ سنوات، تحوّل القطاع العقاري في مصر من نشاط تقليدي إلى أحد أهم أوعية جذب الاستثمار، خاصة في ظل تراجع بعض القطاعات الإنتاجية، والحاجة الشديدة إلى تدفقات نقدية أجنبية. وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة “سباين” بمعزل عن توقيته؛ توقيت تسعى فيه مصر إلى أن تثبت نفسها وصورتها كوجهة آمنة لرؤوس الأموال، في منطقة تعاني من اضطرابات متلاحقة تعيد رسم خريطة الاستثمار.
المشروع، بما يحمله من طابع فاخر وخدمات متكاملة، يبدو مصممًا بعناية ليلائم المستثمر الإقليمي، خاصة الخليجي، الذي بات لاعبًا رئيسيًا في السوق المصري خلال السنوات الأخيرة. فدخول استثمارات خليجية إلى قطاعات حيوية، وعلى رأسها العقار، أصبح جزءًا من معادلة اقتصادية قائمة. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل هذه الاستثمارات تعزز الاقتصاد المحلي، أم تعيد تشكيل أولوياته وفقًا لمنطق الربحية السريعة؟
على المستوى النظري، لا يمكن إنكار الفوائد التي قد تجلبها مشروعات بهذا الحجم؛ فهي تخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتنشط قطاعات مرتبطة مثل مواد البناء والخدمات، كما تسهم في تحسين البنية العمرانية. لكن هذه الفوائد تصطدم بواقع آخر أكثر تعقيدًا، هو أن غالبية هذه المشروعات تستهدف شريحة محدودة من المجتمع، وتقدم نموذجًا لمدن مغلقة أو شبه مستقلة، تختلف في نمط حياتها ومواردها عن محيطها الأوسع.
هذا النمط من التنمية يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول مفهوم “العدالة العمرانية”. فبينما ترتفع أسوار مجتمعات فاخرة مكتفية بذاتها، تبقى أزمة الإسكان للطبقة المتوسطة قائمة، وربما تتفاقم بفعل ارتفاع الأسعار وتوجيه الموارد نحو مشروعات ذات عائد أعلى، بدلًا من سد فجوات حقيقية في السوق. حتى عند النظر إلى تلك المساعدات التي تقدمها الدولة لهذه الفئة، كالتمويل العقاري مثلًا، الذي تقدمه كثير من البنوك، نجدها تُذيل بشروط مجحفة، كما أن نسبة التمويل لا تتناسب مع الأسعار الفعلية في الأسواق.
في الوقت نفسه، يعكس انتشار هذه المشروعات تحوّل العقار إلى ملاذ آمن للمدخرات في ظل التضخم، وهو ما يعزز الطلب، لكنه يحمل في طياته مخاطر تضخم غير صحي، إذا لم يُوازن بسياسات اقتصادية تحفّز الإنتاج الحقيقي وتمنع تشكل فقاعات سعرية.
في النهاية، لا يمكن اختزال “سباين” في كونه مشروعًا عقاريًا جديدًا، بل هو جزء من قصة أكبر تكتبها مصر اليوم؛ قصة البحث عن التوازن بين جذب الاستثمار وتحقيق التنمية الشاملة. وبينما ينجح المشروع في إرسال رسالة طمأنة للمستثمرين بأن السوق المصري لا يزال قادرًا على النمو، يبقى التحدي الحقيقي في أن تمتد فوائد هذا النمو إلى ما هو أبعد من حدود المجتمعات المسوّرة.
السؤال الذي يظل معلقًا: هل نبني مدنًا جديدة، أم نعيد رسم خريطة المجتمع؟
غير أن الإجابة على هذا السؤال تقودنا إلى مساحة أكثر حساسية في النقاش: دور الدولة نفسه. فمع تصاعد الاعتماد على المشروعات العقارية الكبرى كوسيلة للنمو، يبدو أن منطق “العائد السريع” بات حاضرًا بقوة في توجيه السياسات الاقتصادية، وهو منطق مفهوم في ظل ضغوط مالية واقتصادية معقدة، حتى إنه انتقل بالعدوى إلى الأفراد، لكنه يظل محدود الأفق إذا ما أصبح بديلًا عن رؤية تنموية شاملة.
الدولة، في جوهر دورها، ليست مجرد فاعل اقتصادي يسعى إلى تعظيم الإيرادات، بل هي، بالأساس، حَكَم بين مصالح متباينة، وضامن لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية. وعندما تميل الكفة بشكل واضح نحو مشروعات تخاطب شريحة بعينها، يبرز القلق من أن يتحول التخطيط العمراني إلى أداة لإنتاج “مجتمعات منتقاة”، بدلًا من أن يكون وسيلة لبناء مدينة تتسع للجميع.
وليست المشكلة هنا في وجود هذه المشروعات، بل في غياب التوازن. فالتنمية التي تُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو فخامة المنتج النهائي، قد تنجح في جذب رؤوس الأموال، لكنها لا تضمن بالضرورة بناء اقتصاد متماسك أو مجتمع أكثر عدالة.
من هنا، يصبح التحدي الحقيقي هو توظيف هذه الاستثمارات لتكون أداة حقيقية تعيد توزيع الفرص، وتفتح المجال أمام طبقات أوسع للمشاركة في جني ثمار التنمية.
لأن الدولة التي تُبنى فقط بمنطق الكسب السريع قد تنجح في تحقيق الأرباح، لكنها تخاطر بأن تفقد معناها كمساحة جامعة لكل مواطنيها، فتصبح المباني الشاهقة الفخمة كالقبور المبيضة من الخارج.



