مقالات

عزة الفشني تكتب: صوت ضد المنظومة.. هل أسكتوه أم أسكته القدر؟

حين مات لم يمت وحده. مات معه سؤال معلق في حناجر الكثيرين هل كان على حق فأسكتوه.أم كان على وهم فأسكته قلبه؟
لقد ايقظ البعض من سباتهم العميق على حقيقة مؤلمة أن كل ما امنوا به طبياٌ ليس بالضرورة من المسلمات.
لم يكن رجلاً أو طبيباٌ يمر في الحياة مرور العابرين. بل كان ذو حضور يترك أثره سواء أحببته أم هاجمته.. ضياء العوضي ذلك الطبيب الذى خرج من رحم المؤسسة الطبية. وغرف العمليات.. لكنه إختار أن يقف على الضفة الأخرى يواجه الطب التقليدي السائد ويعيد طرح الأسئلة التي ظن الناس أن الطب قد حسمها إلى الأبد.

كان يتحدث بثقة مفرطة ويضع إصبعه على جراح المنهكين من وصفات لا تنتهي ووعود لا تتحقق. قال لهم إن أجسادكم ليست عاجزة وأن الداء والدواء قد يكونان في الطعام الذي تأكلونه. فسار على دربه ممن رأوا فيه الأمل والخلاص. وهاجمه آخرون رأوا فيه الخطر. وبين الأمل والخطر عاش ذلك الطبيب الذى لا يعرف المنطقة الرمادية.
فالموت لا يطرق الأبواب المستعدة له. بل يتسلل فى غفلة. يختار لحظة يكون فيها الصوت في أوجهه. رحل فجأة كما عاش فجأة. صمت الصوت الذي كان يملأ الدنيا ضجيجاٌ وبموتِه لم تنته القصة. بل بدأت. لأن الأفكار الغير مألوفة لا تموت بموت أصحابها. بل تتحول إلى سؤال يحتاج إجابة: هل كان مصلحاٌ سبق عصره. أم مجتهداٌ أخطأ الطريق؟
لا أحد يملك إجابة قاطعة.. لكن الثابت الوحيد أن هذا الرجل رحل تاركاٌ خلفه أثره. أثر رجل قرر ألا يكون نسخة مكررة. فدفع ثمن اختلافه حياٌ. وترك لنا ثمن الجدل ميتاٌ.

الدكتور طارق العوضي

هذا الرجل طرح رؤية مختلفة تماماٌ لما يؤمن به الطب السائد. رأى أن كثيراٌ من الأمراض المزمنة التي يُقال إنها بلا شفاء يمكن التعامل معها من خلال منظومة غذائية صارمة كان يسميها “نظام الطيبات” لأن إستخدام الأدوية الكيميائية يرهق الجسد ولا يشفيه. لم يكتفِ بقناعاته لهذه الرؤية بل خاطب بها المرضى مباشرة عبر الشاشات ومنصات التواصل الإجتماعي. بل ودعاهم في كثير من الأحيان إلى إيقاف أدويتهم والإعتماد على نظامه الغذائي. هذا الخطاب لامس قلوب ملايين المتعبين من الأدوية ومن تعقيدات الطب الحديث. فالتفوا حوله وصار له جمهور واسع يراه منقذاٌ لهم.

في المقابل: وقفت المؤسسة الطبية له بالمرصاد لتؤكد أن الطب الحديث يقوم على دراسات منشورة وتجارب سريرية واسعة. وما كان يطرحه ذلك الطبيب في نظرهم يتنافى مع ذلك ولا يملك السند الكافي لما ينادي به. بل يعتمد على خبرته الشخصية وشهادات مرضاه.
ولأن الخطاب موجه لعموم الناس وفيه مساس مباشر ببروتوكولات علاج أمراض خطيرة كالسكري والضغط والأورام. اعتبرته النقابة والوزارة خطراٌ على الصحة العامة. فكان القرار بإسقاط عضويته من نقابة الأطباء وإلغاء ترخيص مزاولة المهنة وإغلاق عيادته ومنع ظهوره الإعلامي.
السؤال هنا هل كانت هذه حرباٌ شنتها عليه شركات الدواء المتضررة من دعوته للاستغناء عن منتجاتها بدعوى أنه يروج لنظام طبي خاطئ وسيدفع ثمنه الآلاف من المرضى والمتعبين؟ أم كان على صواب؟
ثم جاءت وفاته المفاجئة في دبي لتضيف فصلاٌ جديداٌ من الغموض إلى قصته.
رجل في أوج حضوره الإعلامي يختفي فجأة ثم يعلن عن وفاته داخل غرفته في فندق. بعد أن لاحظت إدارة الفندق غيابه يومين عن الأنظار. هذا المشهد بطبيعته يفتح باب التأويل على مصراعيه.
فالعقل الإنساني يميل إلى ربط الأحداث الكبرى ببعضها وحين يموت شخص في ذروة صراعه مع منظومة قوية وثرية. فإن فرضية التخلص منه تقفز إلى الأذهان مباشرة.. خاصةٌ أن الرجل نفسه كان يردد أنه مستهدف.

ومع ذلك فإن الإنتقال من الشك إلى اليقين يحتاج إلى دليل مادي قوى وقاطع والدليل المادي هنا ليس في يد الجمهور بل في يد جهات التحقيق والطب الشرعي. وما صدر عن تلك الجهات حتى الآن يتحدث عن وفاة طبيعية ولا يشير إلى وجود شبهة جنائية.
قد يرى البعض في ذلك تستراٌ وقد يراه آخرون الحقيقة المجردة. وبين الرأيين تظل المساحة الرمادية التي تسمح لكل طرف أن يفسر وفق قناعاته. فمن يؤمن بنظرية المؤامرة سيرى أن الشركات الكبرى قادرة على كل شيء ومن يؤمن أن الموت قدر محتوم سيرى أن الضغط النفسي والجسدي الذي عاشه الرجل سنوات كفيل بإنهاك قلبه دون تدخل أحد.

ومع ذلك فإن الحقيقة المؤكدة الوحيدة هي أن دكتور ضياء العوضي عاش صاخباٌ ومات تاركاٌ ضجيجاٌ أكبر من صمته. أصاب في بعض ما قال وأخطأ في بعضه الآخر. لأنه في النهاية بشر يخطئ ويصيب. خاض معركة علنية ضد منظومة طبية وإقتصادية ضخمة. فخسر فيها موقعه الرسمي وترخيصه. لكنه كسب جمهوراٌ يصدقه ويدافع عنه حتى بعد رحيله. أما مسألة التخلص الجسدي منه فهي تظل سؤالاٌ معلقاٌ في أذهان الكثيرين.

فى النهاية: سكن الجسد ولم تسكن الحكاية. انطفأ الصوت ومضى الرجل وبقيت الفكرة معلقة بين متهم ومدافع.. لم يكن ملاكاٌ ولا شيطاناٌ كان إنساناٌ تجرأ أن يقول لا حين قال الجميع نعم. وتلك وحدها كافية ليبقى اسمه معلقاٌ في ذاكرة الطب والناس. رحل في عز الضجيج. فصار الضجيج مضاعفاٌ. لم يكن يملك مفاتيح الشفاء. لكنه ملك مفتاح السؤال. وبه فتح أبواباٌ أُغلقت دهراٌ.
سواء اتفقنا أو اختلفنا. سيبقى اسمه علامة على زمن تجرأ فيه رجل أن يقف وحده.. ويموت وحده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى