
د. عماد عنان يكتب: لماذا يخشى المصريون من الحضور الإماراتي في سوق الطاقة؟
استيقظ المصريون خلال الأيام القليلة الماضية على أخبار تتعلق بإبرام شركتين إماراتيتين صفقتين بارزتين داخل سوق الطاقة المصري، بما أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول حدود الحضور الإماراتي في القطاعات الاستراتيجية، وطبيعة التحول من الاستثمار الاقتصادي إلى التموضع داخل مفاصل البنية الحيوية للدولة.
الصفقة الأولى تمثلت في استحواذ شركة “أركيوس إنرجي” الإماراتية على خمسة امتيازات بحرية للغاز الطبيعي في البحر المتوسط، من ضمن حصص أعمال شركة “بي بي” البريطانية في مصر، أما الصفقة الثانية فجمعت بين شركة “ألكازار إنرجي” الإماراتية وهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة المصرية، بقيمة تقارب 420 مليون دولار، للحصول على حق تشغيل وإدارة وتطوير محطة “رياح جبل الزيت” لمدة 25 عامًا، وهي محطة تبلغ قدرتها نحو 580 ميجاوات، وتنتج ما يقارب 2.4 تيراوات/ساعة من الكهرباء النظيفة، بما يجعلها من أكبر محطات طاقة الرياح في أفريقيا.
هذه الصفقات أثارت جدلًا واسعًا في الشارع المصري، ليس فقط بسبب دلالاتها السياسية والاقتصادية، بل أيضًا بسبب ما اعتبره البعض قيمة متواضعة مقارنة بتكلفة إنشاء بعض تلك الأصول، فمحطة “رياح جبل الزيت”، التي افتُتحت عام 2018، بلغت تكلفة إنشائها نحو 12 مليار جنيه، بما كان يعادل آنذاك قرابة 580 مليون دولار، جاء معظمها عبر قروض خارجية، بينما انتقلت حقوق تشغيلها وإدارتها إلى الشركة الإماراتية بقيمة أقل من تكلفة إنشائها، الأمر الذي فتح باب التساؤل حول منطق التسعير، وجدوى التفريط في أصل إنتاجي قائم، خاصة في قطاع يرتبط مباشرة بأمن الطاقة ومستقبل الكهرباء في مصر.
لكن الجدل لم يتوقف عند حدود القيمة المالية وفقط، فالأهم من السعر هو السياق الأوسع الذي تأتي فيه هذه الصفقات؛ إذ لم تعد الإمارات حاضرة في قطاع الطاقة المصري كمستثمر تقليدي أو شريك في مشروع منفرد، بل بات حضورها أقرب إلى تموضع استراتيجي متعدد الأذرع، عبر شبكة من الشركات المرتبطة بأبوظبي ودبي، مثل أدنوك، مبادلة، مصدر، دراغون أويل، وألكازار إنرجي.
هذا التمدد يمنح الإمارات حضورًا متزايدًا في قطاعات متداخلة وحساسة داخل منظومة الطاقة المصرية، الغاز الطبيعي، النفط، محطات الوقود، الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، وهي قطاعات لا تُقاس أهميتها بعوائدها المالية فقط، ومن هنا تفرض تساؤلات عدة نفسها على ألسنة المصريين باحثة عن إجابة: لماذا قطاع الطاقة تحديدًا؟ ماذا تريد الإمارات من هذا الحضور المتنامي؟ هل تبحث فقط عن عائد استثماري، أم عن موطئ قدم في سوق يربط بين الإنتاج المحلي والتصدير الإقليمي؟ وما حدود تأثير هذا الحضور على القرار المصري مستقبلًا، خاصة إذا امتد من إنتاج الطاقة إلى إدارتها وتوزيعها وتصديرها؟
انخراط إماراتي
لم يكن الحضور الإماراتي في سوق الطاقة المصري وليد الصفقات الأخيرة، بل جاء امتدادًا لمسار بدأ قبل سنوات، عبر سلسلة من الاستثمارات والاستحواذات التي نقلت الإمارات تدريجيًا من موقع المستثمر الخارجي إلى موقع الشريك الحاضر داخل مفاصل قطاع الطاقة المصري.
البداية الأبرز تعود إلى عام 2018، حين استحوذت شركة مبادلة للطاقة الإماراتية على حصة قدرها 10% من امتياز شروق البحري، الذي يضم حقل ظهر العملاق، أحد أهم اكتشافات الغاز في شرق المتوسط، ومثّل ذلك الدخول الإماراتي المباشر إلى واحد من أهم أصول الغاز المصرية، ليس من زاوية الاستثمار المالي فقط، بل من زاوية التمركز داخل منطقة باتت تمثل أحد محاور التنافس الطاقوي في المتوسط.
وفي العام نفسه، توسع الحضور الإماراتي شرق المتوسط عبر الاستحواذ على 20% من امتياز نور البحري شمال سيناء، بما عكس رغبة واضحة في بناء موطئ قدم داخل قطاع الغاز البحري المصري، لا الاكتفاء بالمشاركة الرمزية أو الاستثمار العابر.
وخلال عامي 2019 و2020، اتخذ الانخراط الإماراتي منحى أكثر تقدمًا، مع استحواذ شركة دراغون أويل على حصة شركة بي بي في أصول خليج السويس/جابكو، في صفقة قُدرت بنحو 500 مليون دولار، وهنا لم يعد الحضور الإماراتي مرتبطًا فقط بالاستكشاف أو الحصص في امتيازات واعدة، بل انتقل إلى تشغيل أصول إنتاجية ناضجة، بما يعني دخولًا مباشرًا إلى قلب عمليات إنتاج النفط في مصر.

غير أن عام 2023 شكّل نقطة تحول لافتة في مسار التمدد الإماراتي داخل سوق الطاقة المصري، ففي هذا العام، تجاوز الحضور الإماراتي حدود الإنتاج والتنقيب والامتيازات، ليصل إلى قطاع التوزيع والاحتكاك المباشر بالمستهلك المصري، وذلك بعدما استحوذت شركة أدنوك للتوزيع على 50% من أصول شركة توتال إنرجيز للتسويق مصر، في صفقة قُدرت بنحو 200 مليون دولار، وقد منحت هذه الخطوة الإمارات حضورًا داخل شبكة محطات الوقود والتوزيع والخدمات المرتبطة بالطاقة، وهو ما وسّع طبيعة النفوذ من المنبع إلى السوق النهائية.
وفي العام ذاته، تعزز التوجه الإماراتي نحو الطاقة النظيفة، عبر شركات مثل إنفينيتي باور وشركائها، من خلال اتفاقيات لتطوير مشروعات في الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة داخل مصر، باستهداف قدرات إنتاجية ضخمة تصل إلى عدة جيجاوات بحلول عام 2030، ولم يكن هذا المسار منفصلًا عن التحولات العالمية في سوق الطاقة، بل جاء ضمن سباق إقليمي ودولي للتمركز داخل قطاعات المستقبل: الرياح، الشمس، الهيدروجين، والأمونيا الخضراء.
ثم جاء عام 2024 ليضيف حلقة جديدة إلى هذا المسار، مع تشغيل شركة AMEA Power الإماراتية لمحطة أبيدوس الشمسية في أسوان بقدرة 500 ميجاوات، بما مثّل انتقالًا إماراتيًا من تمويل مشروعات الطاقة المتجددة إلى المشاركة المباشرة في إنتاج الكهرباء النظيفة داخل مصر.
وفي العام نفسه، وقّعت شركة ألكازار إنرجي الإماراتية مذكرة تفاهم مع الحكومة المصرية لتطوير مشروع لطاقة الرياح البرية بقدرة تصل إلى 2 جيجاوات، يستهدف تزويد أكثر من 1.3 مليون منزل بالكهرباء، ويعكس هذا المشروع أن الإمارات لا تراهن فقط على الأصول التقليدية في النفط والغاز، بل تسعى كذلك إلى حجز موقع مبكر داخل مستقبل الطاقة المصرية، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بالتصدير والتحول الأخضر.
استحواذ وهيمنة
تكشف القراءة المتأنية لخريطة الانخراط الإماراتي في سوق الطاقة المصري أن الأمر لم يعد يبدو كمجموعة صفقات منفصلة أو استثمارات متفرقة، بل كمسار متدرج يتحرك وفق رؤية استراتيجية واضحة، فالبداية جاءت من الغاز البحري في شرق المتوسط، ثم امتد الحضور إلى النفط في خليج السويس، قبل أن ينتقل إلى سوق الوقود والتوزيع داخل المدن المصرية، ثم يتوسع لاحقًا إلى الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر ومشتقاته.
هذه الخريطة تعكس تحركًا إماراتيًا على ثلاثة مسارات رئيسية، المسار الأول يتعلق بالغاز والنفط، حيث باتت الشركات الإماراتية حاضرة في أصول إنتاجية واستكشافية مهمة، لا سيما في شرق المتوسط وخليج السويس، مثل هذا الحضور لا يمنحها عائدًا استثماريًا فقط، بل يربطها مباشرة بأحد أهم مكونات أمن الطاقة المصري، ويضعها داخل معادلة الإنتاج والاحتياطي والاستكشاف.

أما المسار الثاني فيتعلق بسوق الوقود والتوزيع، وهو مسار لا يقل حساسية عن الإنتاج، فالأمر هنا لا يرتبط بالآبار أو الامتيازات فقط، بل بالوصول إلى المستهلك النهائي وشبكات محطات الخدمة والتوزيع، ومن خلال هذا المسار، بات الحضور الإماراتي ممتدًا إلى مئات المواقع للبيع بالتجزئة في مصر، إلى جانب أنشطة الجملة ووقود الطيران والزيوت، بما يعني أن النفوذ لم يعد محصورًا في المنبع، بل وصل إلى الحلقة الأخيرة في سلسلة الطاقة.
ويأتي المسار الثالث عبر الطاقة المتجددة والنظيفة، بما يشمل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، وتنبع أهمية هذا المسار من أن مصر مرشحة لأن تكون مركزًا إقليميًا لإنتاج الطاقة النظيفة وتصديرها إلى أوروبا، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وبنيتها التصديرية، وقربها من الأسواق الأوروبية، وهي تحديدًا المعادلة التي تراهن عليها أبوظبي، ليس باعتبارها فرصة استثمارية فقط، بل بوصفها موقعًا مستقبليًا داخل خرائط الطاقة الجديدة.
من هنا، لا تبدو الإمارات وكأنها تشتري شركات أو تستحوذ على حصص في كيانات نفطية فحسب، بل تبدو وكأنها تعزز نفوذها داخل مفاصل المنظومة الطاقوية المصرية بأكملها؛ من آبار الغاز في المتوسط، إلى حقول النفط في خليج السويس، ومنها إلى محطات الوقود داخل المدن، ثم إلى محطات الشمس والرياح، وصولًا إلى مسارات الهيدروجين والأمونيا الخضراء الموجهة للتصدير.
وفق هذا المنظور، لم تعد مصر بالنسبة للإمارات مجرد ساحة استثمارية، بل منصة طاقية إقليمية متعددة الأبعاد، سوق كبير، وموقع لوجستي قريب من أوروبا، وبوابة تصديرية عبر قناة السويس والبحر المتوسط، ودولة تمتلك بنية تحتية قابلة للتطوير، لكنها في الوقت نفسه تعاني من حاجة مستمرة إلى الدولار والاستثمار الأجنبي، وهذه الحاجة تمنح أبوظبي هامشًا واسعًا لتعزيز حضورها، وتوسيع نفوذها، واقتناص مواقع استراتيجية داخل أحد أكثر القطاعات ارتباطًا بالسيادة الاقتصادية المصرية.
ماذا تريد الإمارات؟
بداية، لا بد من الإشارة إلى أن عودة الزخم الإماراتي إلى قطاع الطاقة المصري، بعد فترة من الهدوء النسبي، لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الجيوسياسية العميقة التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع حرب غزة، وصولًا إلى الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، فقد أعادت هذه التطورات ترتيب الحسابات الإقليمية، ودفعت القوى الفاعلة في المنطقة إلى مراجعة خرائط نفوذها، وأدوات حضورها، ومواقعها داخل القطاعات الاستراتيجية.
من هذا المنطلق، يصعب النظر إلى الخارطة الاستثمارية الإماراتية في قطاع الطاقة المصري باعتبارها تحركًا اقتصاديًا عابرًا أو مجموعة فرص استثمارية متفرقة، فحجم الصفقات، وتوقيتها، وطبيعة القطاعات المستهدفة، كلها مؤشرات توحي بأن أبوظبي تتحرك وفق تصور أوسع، يتداخل فيه الاقتصادي باللوجستي والسياسي، ويهدف إلى إعادة تثبيت موقعها داخل خريطة النفوذ الإقليمي في مرحلة شديدة السيولة.
وفق تلك المقاربة لا تبدو الصفقات الإماراتية الأخيرة مجرد استثمارات تبحث عن العائد، بقدر ما تبدو حلقة جديدة في مسار أوسع لإعادة رسم خريطة الحضور الاقتصادي الإماراتي في المنطقة، خصوصًا بعد الهزة التي تعرضت لها أبوظبي إقليميًا منذ حرب غزة وما تبعها من اضطرابات أمنية وسياسية.
في هذا السياق، تستفيد الإمارات من لحظة الضعف الاقتصادي التي تمر بها الدولة المصرية، ومن حاجتها المستمرة إلى السيولة الدولارية والاستثمارات الأجنبية، لتوسيع حضورها داخل واحد من أكثر القطاعات حساسية في الداخل المصري، فيما تزداد التساؤلات مع ما تثيره بعض الصفقات من جدل حول تقييم الأصول وشروط التشغيل ومدى تناسب المقابل المالي مع القيمة الاستراتيجية لتلك الأصول.
مما يتخوف المصريون؟
بعيدًا عن علامات الاستفهام الواسعة التي يضعها كثير من المصريين أمام التحركات الإماراتية في الإقليم، والتي تعبث بالأمن القومي المصري من كافة الجهات، شرقًا في فلسطين، أو غربًا في ليبيا، أو جنوبًا في السودان، أو في العمق الأفريقي عند منابع النيل والقرن الأفريقي، فإن القلق المصري هذه المرة لا يرتبط بالإمارات وحدها بقدر ما يرتبط بحساسية القطاع المستهدف، قطاع الطاقة.
فالطاقة ليست سوقًا عاديًا يمكن التعامل معه بالمنطق نفسه الذي تُدار به بقية الأسواق، إنها عصب الاقتصاد كله، ومدخل رئيسي إلى الصناعة، والنقل، والكهرباء، والتصدير، والأمن القومي، ولذلك فإن تمدد أي دولة أو كيان خارجي داخل هذا القطاع، خصوصًا إذا بلغ حد السيطرة على مساحات واسعة من حلقاته، يثير تخوفًا مشروعًا يتجاوز حدود الاستثمار التجاري إلى اعتبارات السيادة والأمن الاستراتيجي.
من هنا، تتوزع المخاوف المصرية على عدة مستويات، أولها سياسي، ويتمثل في الخشية من أن يتحول الاستثمار الإماراتي في الطاقة إلى نفوذ سياسي مستقبلي، أو إلى ورقة ضغط يمكن استخدامها في لحظات الخلاف أو التباين بين القاهرة وأبوظبي، فحين تمتلك جهة خارجية حضورًا مؤثرًا في قطاع بهذه الحساسية، يصبح السؤال عن حدود تأثيرها في القرار الوطني سؤالًا مشروعًا لا يمكن تجاهله.
ويرتبط بذلك تخوف آخر أكثر عمقًا، يتعلق بتداخل المال السيادي مع القرار السيادي، فالكثير من الشركات الإماراتية النشطة في هذا المجال ليست شركات خاصة بالمعنى التقليدي، بل ترتبط بصناديق سيادية أو كيانات استراتيجية تابعة للدولة الإماراتية، هذا بخلاف التناغم الشديد مع الكيان الإسرائيلي، وهو ما يزيد القلق بشأن أثر هذا التشابك على استقلالية القرار المصري في أوقات الأزمات أو التحولات الحادة.

أما اقتصاديًا، فتدور المخاوف حول مسارين رئيسيين، الأول يتعلق بتقييم الأصول وشروط الصفقات؛ إذ يرى قطاع من المصريين أن بعض الأصول الاستراتيجية تُنقل أو تُمنح حقوق تشغيلها بأسعار لا تعكس قيمتها المالية والاستراتيجية الحقيقية، بما قد يفوّت على الدولة عوائد أكبر كانت قادرة على دعم الخزانة العامة وتقليل الحاجة إلى بيع مزيد من الأصول.
أما المسار الثاني فيتعلق بخطر تشكل هيمنة ممتدة على منظومة الطاقة ذاتها؛ من منابع الإنتاج، إلى التشغيل، إلى التوزيع، وصولًا إلى المستهلك النهائي، فحين يتمركز مستثمر واحد أو دولة واحدة في أكثر من حلقة داخل السلسلة نفسها، يصبح التخوف من التحكم في المسار الكامل للطاقة تخوفًا اقتصاديًا واستراتيجيًا في آن واحد.
وهناك بعد لوجستي لا يقل أهمية، فمصر ليست مجرد سوق كبير للطاقة، بل عقدة جيوسياسية بين الخليج والبحر الأحمر والمتوسط وأوروبا وأفريقيا، ومن ثم، فإن التمدد الإماراتي في قطاع الطاقة لا ينفصل عن موقع مصر في خرائط النقل والتصدير والموانئ وقناة السويس، وهنا يظهر القلق من أن يتحول الحضور الإماراتي من استثمار داخل السوق المصرية إلى تموضع يؤثر في مكانة مصر الإقليمية، خصوصًا في ظل منافسة قائمة بين الموانئ المصرية وبعض الموانئ الإماراتية على أدوار النقل والتجارة والربط اللوجستي.
وفي مقابل ذلك، يطرح مؤيدو هذه الصفقات حجة الاستثمار الأجنبي باعتباره خيارًا ضروريًا ومطلوبًا عالميًا، وهذه حجة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها لا تكفي وحدها لتبديد المخاوف، فالأزمة في مصر ليست مع الاستثمار الأجنبي في ذاته، بل مع غياب التفاصيل والشفافية: ما شروط الصفقة؟ ما مدة الامتياز؟ ما نسبة الأرباح؟ ما حقوق الدولة في المراجعة أو الاسترداد؟ ما الالتزامات التشغيلية؟ وما حدود سيطرة المستثمر على الأصل؟
حين تغيب هذه الأسئلة، يتحول الاستثمار في الوعي العام إلى بيع، وتتحول الشراكة إلى تنازل، وتتسع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، وهنا لا يكون القلق ناتجًا عن رفض مبدئي للاستثمار، بل عن غموض يفتح الباب للتأويل والشك، خاصة عندما يتعلق الأمر بقطاع استراتيجي كقطاع الطاقة.
في المحصلة، فإن القلق المصري لا يتعلق بالإمارات وحدها، رغم ما يثيره سجل تحركاتها الإقليمية من حساسية لدى قطاعات واسعة من الرأي العام المصري، بل يتعلق أساسًا بقطاع الطاقة نفسه، وبالطريقة التي تُفتح بها مساحاته أمام تمدد كيان واحد بهذا الحجم، فالمسألة لا تتعلق بصفقة أو اثنتين، بل باتجاه قد تكون له ارتدادات سياسية واقتصادية ولوجستية بعيدة المدى.
ويبقى الخطر الأكبر أن تجد مصر نفسها، بدلًا من التحول إلى مركز إقليمي للطاقة والتسييل والربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، مجرد منصة تخدم مصالح مستثمر خارجي واسع النفوذ، يمتلك حضورًا متزايدًا داخل واحد من أكثر القطاعات ارتباطًا بالسيادة الاقتصادية والأمن القومي المصري.



