مقالات

د. هاني الحديثي: قراءة في أفكار عن الحرب مع إيران

رغم الخسائر الكبيرة التي تعرّضت لها إيران في حربها الأخيرة، التي انتهت بالموافقة على مذكرة تفاهم غابت عنها الشعارات “المقدسة” لنظام ولاية الفقيه، والتي يمكن وصفها بانكسار لمبدأ ولاية الفقيه في معركة غير متكافئة؛ فإن تداخل البعد العسكري والسياسي والأيديولوجي مع المتغيرات الاقتصادية والتطورات التقنية المستخدمة في هذه الحرب، التي طالت حصارًا اقتصاديًا شاملًا على المستويين الإقليمي والعالمي، جعل وجهات النظر تختلف في تقييماتها المبكرة لنتائج وتداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

هناك من يبني قراءته على إحصاءات الخسائر المادية لكل طرف، وهناك من يزعم انتصار أحد أطرافها استنادًا إلى الصمود الاستراتيجي لإيران، أو إلى تكريس الهيمنة الأميركية في منطقة الخليج العربي. وهناك من يحلل وفق ما ورد في مذكرة التفاهم المعلن عنها بين الطرفين، وهناك من يزرع الأمل بنزعات ومزاجيات القرن العشرين، وكأنه يعيش وسط تظاهرات جماهيرية تُرفع فيها الشعارات وتُلقى فيها القصائد.

السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا لو كانت الحقيقة غير التي ننظر إليها على الشاشة؟

القاعدة المتفق عليها أن التاريخ يكتبه المنتصرون في الحروب، وأن النتائج هي تلك التي تنسجها دوائر صنع القرار، بغض النظر عن مشهد الصواريخ والمدافع، في حرب تلعب فيها تقنيات متطورة تتجاوز مفاهيم الحرب التقليدية.

المنهزمون في الحروب، باعتقادي، هم من لا دور لهم سوى دور المتفرجين على المشهد؛ لأنهم غالبًا من يدفع الثمن.

المهم أن ندرك المشهد بما يحمله من خفايا، لا كما نتمنى أن يكون، وأن ندرك أن الحقيقة الأقرب هي التي تفصح عنها خرائط النفوذ التي تنتج عن الحرب بعد انتهائها، والاتفاقيات التي تُعقد في أثرها. وذلك يتطلب دراسة جدوى اقتصادية وسياسية وعسكرية، وقراءة للخرائط التي تُفرض لاحقًا على الأرض.

علينا أن نبتعد عن إدراك المشهد بعقلية أيديولوجيات القرن العشرين، وأن نقترب منه بعقلية ما تفرضه تقنيات القرن الحادي والعشرين وتأثيراتها العملية في الجانب المعنوي والثقافي والاجتماعي، وفي السلوك السياسي وما يتعرض له من متغيرات مادية واجتماعية.

الشعارات، والأقوال المطلقة، والقناعات الجامدة المسبقة، والمصطلحات “الثورية”، لم تعد تصلح لتحليل الموقف. كما أن كتابة مقالات أو إضاءات أيديولوجية منطلقة من نزعات شخصية ومزاجية لن تجدي سوى في إشباع حاجة شخصية إلى الصراخ.

نحن في زمن المتغيرات العلمية والتقنيات الهائلة المؤثرة في نتائج ساحات الحرب، ولسنا في ساحات حروب التحرير الشعبية أو الحروب التقليدية محدودة المعالم. لقد تغيّر العالم، وتغيّرت معه الفواعل المؤثرة إقليميًا ودوليًا.

العالم العربي والشرق أوسطي يشهدان الآن مقدمات تغيير في خارطتهما الجيوسياسية، ويتعرضان لمشاريع جدية ومهددة لاستمرار وحداتهما السياسية القائمة، وهي من أبرز النتائج المحتملة لهذه الحرب. ولعل هذا هو الأهم بين جميع السيناريوهات المطروحة، باعتباره حالة طبيعية لأية حرب كبرى من هذا النوع، حرب متداخلة إقليميًا وعالميًا، حيث تتقاطع حروب الطاقة والاقتصاد، وصراع التقنيات، والتغيرات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

والفاعلون عمليًا في هذا المشهد هم الولايات المتحدة وإسرائيل، فضلًا عن تركيا وإيران، ومعهم باكستان بوصفها وسيطًا قويًا يرى في انهيار إيران مقدمة للإحاطة بها من قبل إسرائيل والهند، دون أن نغفل الدورين الصيني والروسي، وارتباط مصالحهما بطبيعة هذه الحرب الاقتصادية بامتياز، وما تتركه من متغيرات على ممرات وسلاسل التجارة العالمية.

أما بقية عوالم الشرق الأوسط، وفي مقدمتها العالم العربي، فلا يبدو أن لها دور الفاعل، بل تبدو أقرب إلى ساحة لتوزيع النفوذ والمغانم.

إن بقاء إيران بقدرتها التقليدية وبأذرعها في العالم العربي سيكون الدافع الأكبر للبلدان العربية للانخراط في المشروع الإبراهيمي، وهو أمر يحتاج منا إلى مزيد من التركيز في مستقبل المشروع الإسرائيلي، ضمن سيناريوهاته الثلاثة: انهيار إيران، أو انتصارها، أو استمرار مشروعها المهدد لعموم العالم العربي ومشرقه بشكل خاص، ضمن ما يقصده مبدأ ولاية الفقيه.

بعبارة أخرى، فإن العالم العربي، في ظل فشل وجود بديل عربي فاعل، يتعرض لمشاريع كل منها أخطر من الآخر، أو على الأقل متوازية في مخاطرها؛ كونها جميعًا تستهدف الوجود العربي، سواء وفق النظرية الصهيونية، أو نظرية ولاية الفقيه المهددة لوحدة المجتمعات العربية، أو وفق نظرية الهيمنة الأميركية على مجمل الشرق الأوسط وفرض تبعيته لها.

ولطبيعة الدور الإيراني المتخادم مع المشاريع الأخرى، تكون إيران قد أدّت دورها بشكل كامل، سواء عن قصد أو من خلال توظيف هذا الدور. لكن السؤال: هل استُنفد هذا الدور لتأتي صفحة أخرى لن تكون فيها إيران لاعبًا إقليميًا كبيرًا؟

لذلك نعود إلى السؤال: ماذا لو كانت الحقيقة غير التي ننظر إليها على الشاشة؟ وماذا لو كان التخادم لا يزال يؤتي ثماره لغير صالح العالم العربي؟

والسؤال الأهم من ذلك: ما الذي أعددناه في مواجهة أي من السيناريوهات أعلاه؟

فإن لم نكن قد أعددنا العدة لكل احتمال، فإننا سنكون المنهزمين الوحيدين على الساحة.

المشهد العام الذي نراه أمامنا أن إيران ما تزال قائمة وبقدرات مهددة وفاعلة، رغم الدمار الذي أصابها. وهنا لا بد أن نتذكر أن ما حلّ بإيران من دمار في هذه الحرب يُعد متواضعًا قياسًا بالدمار الشامل الذي تعرض له العراق في حرب عام 1991، حين تفاعلت قدرات 33 دولة مجتمعة ضده، وكان وحيدًا في الساحة، ورغم ذلك ظل واقفًا حتى احتلاله عام 2003.

فهل سيتكرر السيناريو مع إيران؟

إن الأذرع الإيرانية ما تزال فاعلة، وفي مقدمتها حزب الله في لبنان، الذي ما يزال يرتهن الدولة اللبنانية ويسوقها نحو حروب تدميرية كما يشاء، وكما تشاء له إيران. وهو أمر ينتج سيناريو الحرب الإقليمية المحتملة، طالما بقيت إيران فاعلة في المشرق العربي.

وقد أكدت مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية ذلك بفقرة واضحة، مدعومة بفقرة وقف الحرب على جميع الجبهات، والمقصود بها الساحات العراقية واليمنية وغيرها. وهي، بحد ذاتها، وخلافًا لاحترام مبدأ سيادة الدول، تشكل إقرارًا بطبيعة التدخل الإيراني في هذه الساحات، بدلًا من الاشتراط على طهران إنهاء هذا التدخل في الشؤون الداخلية لدول ينبغي أن تكون مستقلة.

أما بلدان الخليج العربي، فإن قدراتها محدودة على المطاولة في أية حرب مع إيران، كما تأكد في هذه الحرب، رغم وجود القواعد الأميركية على أراضيها، ورغم إنفاقها العسكري الواسع. ولذلك فهي مجبرة على تجنيب نفسها مغامرات ترامب وإسرائيل، في الوقت ذاته الذي تعرف فيه أنها بأمس الحاجة إلى الحماية الأميركية، بعدما فقدت رصيدها الاستراتيجي، وهو العراق، الذي ظل يكف عنها الأذى، رغم الخطأ الاستراتيجي في غزوه للكويت.

في ضوء ذلك، فإن تأثيرات الحرب ونتائجها الحقيقية قد لا تبدو واضحة تمامًا في النتائج المعلنة حتى الآن، وإنما ستتضح في ما ستؤول إليه الأمور من مرتسمات جديدة في خرائط العالم العربي والشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى