مقالات

من الشاهنامة إلى مذكرة التفاهم: الهزيمة حين تُروى بوصفها ملحمة

ليست السياسة في إيران مجرّد إدارةٍ للقوة أو حسابٍ للمصالح، بل هي في أحد وجوهها امتدادٌ لذاكرة إمبراطورية وخيالٍ ثقافي يرى العالم مسرحاً دائماً للصراع بين المجد والانكسار. ومن هنا يصعب فهم الخطاب الإيراني المعاصر، خصوصاً في لحظات الضغط والتراجع والهزيمة من دون الإصغاء إلى ذلك الصوت البعيد الآتي من عمق الثقافة الفارسية” صوت الملحمة”.

في الوجدان الفارسي، لم تكن الشاهنامة للفردوسي مجرّد نصّ شعري خالد، بل خزّاناً رمزياً للهوية وصناعة معنى القوة. ففي عالم الفردوسي لا يُقاس البطل بما يملكه من أدوات مادية فقط، بل بقدرته على تحويل الألم إلى كرامة، والخسارة إلى حكاية، والحصار إلى امتحانٍ أخلاقي للتاريخ. وهنا تتجلّى قدرة اللغة على ترميم ما تكسره السياسة، وتحويل الانكسار إلى صورةٍ من صور المجد.

هذا الإرث الملحمي يجد صداه في الخطاب السياسي الإيراني الحديث، حيث تُقدَّم المواجهة مع الولايات المتحدة لا بوصفها صراعاً بين قوتين غير متكافئتين، بل كفصلٍ جديد من فصول الصمود الأسطوري. وحين تكشف الوقائع حدود القدرة، يتدخل الخطاب ليعيد تسمية الأشياء: لا يعد التراجع تنازلاً، بل حكمة؛ ولا تصبح التسوية اضطراراً، بل نصراً؛ ولا تظهر مذكرة التفاهم كوثيقة فرضتها موازين القوة، بل كدليل على ثبات الإرادة وانتصار الرواية.

غير أن الملحمة، حين تنتقل من الشعر إلى السياسة، تفقد براءتها. فهناك لحظة يصبح فيها الخطاب غطاءً على الخراب، وتصبح البطولة لغةً لتعويض العجز لا لتفسير القوة. في تلك اللحظة يظهر التناقض الإيراني واضحاً: زعامات تُقتل، وقادة يُصفَّون، وسلاح يُدمَّر، ومشروع نووي كان يُقدَّم بوصفه ذروة الحلم التاريخي ينتهي إلى حدود مذكرة تفاهم ووقف حرب ومع ذلك، يخرج الخطاب الرسمي ليعلن النصر، لا بوصفه حقيقة مادية بل بوصفه ضرورة نفسية وسياسية لحماية صورة الدولة أمام شعبها وخصومها.

 إيران اليوم لا تقاتل خصومها وحدهم، بل تقاتل الهزيمة الكامنة في ذاتها؛ فكلما ضاقت عليها الوقائع، حاولت أن تهرب من الهزيمة إلى بلاغة الانتصار. وحين تحضر الخسائر في القادة والسلاح والمشروع، لم تعد المعركة مع الخارج فقط، بل مع الداخل أيضاً: مع اعترافٍ مؤجل بأن الهزيمة لم تكن طارئة على الميدان، بل كانت متجذّرة في بنية الوهم، وفي خطابٍ يصرّ على تسمية الانكسار صموداً، والتراجع حكمة، والنجاة نصراً.

أما مذكرة التفاهم، التي يمكن أن تُقرأ كخروج من مأزق ثقيل الكلفة، فتُرفع خطابياً إلى مرتبة الفتح الدبلوماسي. وهكذا تصبح الدولة قادرة على تحويل الانكسار إلى مشهد احتفالي، لا لأنها غيّرت الوقائع، بل لأنها أعادت تسميتها.

والأكثر دلالة في هذه المذكرة ليس ما كُتب فيها فقط، بل ما غاب عنها أيضاً. فالشعارات الكبرى التي ملأت الخطاب الإيراني لعقود، من القدس إلى فلسطين، ومن تحرير المستضعفين إلى مواجهة الاستكبار، لم تجد لها مكاناً في ثنايا الوثيقة. وحين تغيب هذه الشعارات عن لحظة التسوية، فإن الغياب نفسه يصبح اعترافاً صامتاً بحدود عجزهم في مواجهة الاخر .

لقد كانت فلسطين والقدس في الخطاب الإيراني عنواناً للشرعية الثورية ورمزاً أخلاقياً تتكئ عليه الدولة في صراعها مع خصومها. لكن حين حضرت ساعة المذكرة، تراجع الرمز وبقيت مصلحة النظام. اختفت القدس من النص، وغابت فلسطين عن شروط التفاهم ولم يبقَ من اللغة الكبرى إلا ما يصلح للاستهلاك الداخلي بعد انتهاء المعركة.

ولعلّ أخطر ما كشفته المذكرة أنّ الخطاب لم يكن مرآةً للقوة، بل ستاراً على هشاشتها. فحين سقطت الشعارات من متن الوثيقة، ظهر أن كثيراً من الشعارات الكبرى كان يُستخدم لحماية النظام أكثر مما كان يُستخدم للدفاع عن القضايا التي يرفعها.

وهنا تتضح الهزيمة في معناها الأعمق: ليست الهزيمة فقط في تدمير السلاح أو اغتيال القادة أو نهاية المشروع النووي، بل في سقوط الشعارات عند أول اختبارٍ وجودي. فالخطاب الذي كان يتحدث باسم الأمة انتهى إلى التفاوض باسم بقائه، والدولة التي رفعت راية القدس وجدت نفسها أمام وثيقة لا تحمل من القدس شيئاً.

في النهاية، لا تنتصر الدول بما تقوله عن نفسها، بل بما يبقى لها بعد سكون الضجيج. وما بقي لإيران لم يكن نصراً، بل رواية عن نصر، لم تهزم أميركا في ميزان القوة، بل حاولت هزيمتها في شاشة الإعلام. لم تنتصر الشعارات بل اختفت حين حضرت الوثيقة. ولم تحفظ الدولة مشروعها كما أرادت، بل خرجت منه مثقلة بالشروط والندوب.

الهزيمة هنا ليست شتيمة سياسية، بل وصفٌ لواقعٍ لا تستطيع البلاغة أن تمحوه، فقد تستطيع اللغة أن ترفع الركام إلى مرتبة الملحمة، لكنها لا تعيد بناء ما تهدّم، وتستطيع الدعاية أن تصنع بطلاً من التعب، لكنها لا تطعم الجائع، ولا تعيد القائد القتيل، ولا ترمم السلاح المدمر

وهكذا تبدو إيران في هذا المشهد منتصرةً في خطابها، مهزومةً في واقعها؛ كسبت حكايةً ترويها لجمهورها، وخسرت معركةً تشهد عليها الوقائع. وتنتهي الملحمة الحديثة لا بانتصار رستم، بل ببيانٍ سياسي يحاول أن يجعل الهزيمة قابلة للتصديق بوصفها نصراً.

ليست قوة الدولة في ضجيج خطابها، بل في قدرتها على الصمود أمام امتحان الواقع،  فان مراحل تنفيذ مذكرة التفاهم ستكشف أن إيران، مهما استعارت من الشاهنامة روح الفردوسي وصوت الملحمة، لم تكن إلا نمراً من ورق صنعته الدعاية وبدّدته عاصفة الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى