مقالات

أزمة الوعي المستمرة.. يُرددها “دعاء الكروان” في واقع شعوب العصر الراهن

أزمة الوعي المستمرة.. يُرددها “دعاء الكروان” في واقع شعوب العصر الراهن
“وين هنادي يا اماي ؟”
هذا السؤال الحائر الذي صرخت به “آمنة” في فيلم “دعاء الكروان”، قفز إلى ذهني وخُيِّل لي أني أسمعه بصوت الفنانة “فاتن حمامة” بنبرتها المرتعشة الحادة وأنا أطالع رواية عميد الأدب العربي “طه حسين” ، و المأخوذة عنها  قصة الفيلم ، و كأنني أقرأها للمرة الأولى!
​ هذا السؤال الذي يتجاوز البحث عن مكان “هنادي” ليصبح سؤالاً يبحث عن مصيرها ، بل مصير الإنسان حين يُهزَم بالجهل وغياب الوَعي .
​تُعد رواية “دعاء الكروان” وثيقة سياسية واجتماعية شديدة العمق، تتجاوز حدود القرية المصرية لتشتبك مع قضايا التحرر، والسلطة، وبناء الإنسان. إنها ببساطة تشريح لكيفية تحول “الوعي” من كونه تَرَف فكري إلى أداة وحيدة للنجاة
​يقدم “طه حسين” في الرواية نموذجيين  يمثلان تماماً الفرق بين الشعوب المُستكينة والشعوب التي تقرر تغيير مصيرها.

​”هنادي”.. مأساة غياب الوعي، ،سقطت هنادي ضحيةً للمهندس والذي بالمناسبة لم يُمنَح له اسماً في الرواية ليُجَرَد من كونه شخص محدد  فيُصبح رمزا للسلطة والنفوذ سقطت لأنها كانت مجردة من أي أدوات معرفية تحميها. “الجهل والخوف” شكّلا سياجاً عَزَلها عن فهم طبيعة الإستغلال الذي تعرضت له. وحين جاء القاتل “الخال ناصر”، الذي يمثل سلطة الأعراف العمياء ،و الأدوات التنفيذية التي تحمي العادات البالية والأنظمة القمعية “حُراس المعبد “..استسلمت للذبح دون مقاومة. و هذا حال  الأفراد والشعوب المُغَيَّبة التي تتقبل حتفها وتبرر لجلادها، وتسير إلى مصيرها وهي تظن أن هذا هو “القدر المحتوم”.

​”آمنة”..الوعي كأداة للثأر والتحرر ، أدركت “آمنة” مبكراً أن البكاء لا يعيد الموتى، وأن السلاح التقليدي “العنف المباشر” لن يهزم المنظومة التي قتلت أختها. لذا، اختارت مساراً مغايراً تماماً

اختارت التعليم و الوعي الذي اكتسبته في بيت المأمور علي يد “خديجة” ابنته ..أسرة المأمور التي تمثل الطبقة البرجوازية المثقفة ..او “النخبة المستنيرة “و هذا ماقصدته الرواية من الإشارة الي “مسؤلية النُخبة ” في التنوير و تربية الوعي لدي  الأفراد ، فالتحول الذي حدث لشخصية “آمنة” و الإنتقال من الجهل إلى المعرفة منح آمنة “قوة موازية” لقوة المهندس. التعليم لم يمنحها فقط القدرة على القراءة، بل منحها القدرة علي المناورة وفهم سيكولوجية الخصم. لقد تحولت من مجرد “ضحية تطلب الثأر” إلى “ذاتٍ واعية” تُدير اللعبة بالكامل.

​وهنا يظهر الجُرح المعرفي الذي مازلنا نعاني منه حتى اليوم، و أقف قليلاً للتمييز بين التلقين وما يحمله من حشو معلوماتي ينال فيه المرء شهادة دون تغير في سلوكه، و دون أن يتعلم القدرة علي النقد أو اكتساب روح الإفراز  …  يصبح الفرد قادراً علي القراءة والكتابة ولكنه يظل تابعاً..فينتج هذا التلقين في النهاية جهلة اصحاب شهادات
وبين الوعي والثقافة وهو ما اكتسبته آمنه والذي كان بمثابه أداة للإشتباك مع الواقع كما اعطاها القدرة علي تفكيك الخطاب السلطوي وفهمه ومعرفة الحقوق والواجبات، والتحرر من الخوف فالتعليم الحقيقي هو الذي يحرر الإنسان بوعي 

لذا الشعوب التي تفتقد الوعي السياسي والثقافي تشبه “هنادي”؛ يتم استغلال ثرواتها ، وعندما تطالب بحقها أو تقع في الأزمات، تُعاقب ويُقضى عليها باسم “المصلحة العليا” أو “التقاليد”، وسط صمت مجتمعي. أما الشعوب الواعية فهي التي تتعلم، وتنتزع حريتها انتزاعاً بذكاء عبر تفكيك أدوات المستبد نفسه.

وبتأمل التاريخ نجد ان الأنظمة الشمولية والمجتمعات الرجعية لا تخشى هؤلاء المتعلمين بالتلقين..لكنها تخشي وبشدة أصحاب الوعي النقدي الذين يفحصون الواقع ولا يقبلون بالمُسِلَّمات

وكيف لنا أن ننشئ أجيالاً بهذه القدرة دون أن نتوجه بأنظارنا الي وحدة البناء الأولية للمجتمعات وهي الأسرة .. فالأسرة الواعية هي التي لا تقدم لأبنائها قوالب جاهزة من التلقين، بل تمنحهم الحرية ليخطئوا ويصيبوا، وتسلّحهم بالقدرة على النقد .. إن تنشئة الأبناء ليكون لهم رأي مستقل وصوت مسموع داخل أسوار البيت، هي الحصانة الحقيقية والدرع الواقي لهم حين يخرجون إلى معترك الحياة…فالفرد الذي يتعلم كيف يقول ‘رأيه’ بوعي داخل أسرته، لن يكون لقمة سائغة للاستلاب الفكري أو الاستغلال العاطفي في الخارج، ولن ينقاد خلف أصوات الزيف

​و رغم أن الرواية كُتبت في ثلاثينيات القرن الماضي، إلا أننا لو أردنا ان نُسقطها علي عصرنا الراهن (في القرن الحادي والعشرين)، سنجد أن أزمة الوعي مازالت مستمرة ، و مازلنا نعيش أزمة “هنادي وآمنة” ولكن بأدوات حديثة

​الجهل الرقمي والتزييف: في عصر “السوشيال ميديا”، نرى الملايين يقعون ضحايا للتضليل، والشائعات، والمعلومات المغلوطة. هذا هو “الجهل الحديث” الذي يقتل وعي الشعوب، تماماً كما قتل الجهل التقليدي هنادي.

​وهم المعرفة “التلقين المعاصر”: نعيش في زمن يسهل فيه الحصول على المعلومات (التعليم التلقيني)، ولكن يقل فيه “الوعي النقدي”. الأفراد يستهلكون الشعارات الجاهزة دون تمحيص، مما يجعلهم أدوات في يد القوى المهيمنة.

نعود الي القصة و نهايتها  ،حيث شهدت تحولاً جذرياً بين النص الأدبي “لطه حسين” ،والمعالجة السينمائية التى قدمها المخرج “هنري بركات “والسيناريت “يوسف جوهر” حيث قدم “طه حسين” نهاية أشبه بالحلم او “يوتوبيا” تفترض أن وعي الشعوب (آمنة) يمكن أن يتعايش سلمياً مع السلطة (المهندس) بعد إصلاحها من الداخل
وادماجها في مجتمع أكثر عدالة 

في المقابل جاءت نهاية الفيلم “واقعية ” لتعلن بمقتل المهندس أن الصراع بين الوعي والجهل، وبين السلطة الجائرة والمستضعفين هو صراع وجودي ينتهي حتمياً بصدام تراجيدي

نهاية الفيلم تذكرنا بأن الثمن دائماً فادح عندما تتأخر التغييرات أو عندما تحاول الأنظمة إصلاح نفسها بعد فوات الأوان.
و أن الشعوب التي استنارت

بالوعي الحقيقي والثقافة والديمقراطية المستندة إلى الفهم، هي الوحيدة القادرة على صيانة كرامتها وحقوقها. أما الأفراد الذين يعيشون في “خوف واستكانة” خوفاً من التغيير، يظلون يدفعون الثمن من حريتهم وحياتهم.

اسمحوا لي ان اختم بهذه السطور وهي المفضلة لدي من الرواية ..لنناجي بها مع “آمنة” طائر الكروان ..
“لبيك لبيك أيها الطائر العزيز! إنّا لنلتقي كلما انتصف الليل منذ أعوام وأعوام فندير بيننا هذا الحديث، أفتدعني أقُصَّ أطرافًا منه على الناس لعلهم أن يجدوا فيه عظة تعصم النفوس الزكيّة من أن تزهَق، والدماء البريئة من أن تُراق؟!”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى