قضايا وتحليلات

ترامب ونتنياهو.. ضغط الحليف أم بداية البحث عن بديل؟

في تطور لافت في مسار العلاقات الأميركية الإسرائيلية، أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن مسؤولين في الإدارة الأميركية بدأوا العمل على إنشاء قنوات اتصال غير رسمية مع أقطاب في المعارضة الإسرائيلية، وتحديدًا مع رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت.

وبحسب التقرير الذي نشرته القناة العبرية، فإن هذا التحرك يأتي في سياق بحث واشنطن عن بدائل سياسية، على خلفية ما وصفته القناة بـ“التصدع” الراهن في العلاقات بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحكومة نتنياهو، بسبب معارضة إسرائيل مذكرة التفاهم التي وقّعتها واشنطن مع طهران، وما أعقب ذلك من سجال إعلامي وسياسي متبادل بين الطرفين.

وتمثل هذه المعلومات، إذا ما ثبتت دقتها، تطورًا بالغ الدلالة في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فتاريخيًا، تتعامل أمريكا بحذر شديد مع السياسة الداخلية الإسرائيلية، لاعتبارات سياسية ودبلوماسية معروفة، لكن أن يخرج الحديث بهذه الصورة، مع تحديد أسماء بعينها يجري التواصل معها داخل صفوف المعارضة، فهذا يمنح الخطوة وزنًا خاصًا في منحنى العلاقات بين البلدين.

وتأتي هذه الخطوة في توقيت كان يُفترض أن تشهد فيه العلاقة بين ترامب ونتنياهو مستوى متقدمًا من التقارب السياسي والحميمية الشخصية، بالنظر إلى تاريخ العلاقة بين الرجلين، الأمر الذي يطرح العديد من التساؤلات: هل يتخلى ترامب فعليًا عن حليفه وصديقه نتنياهو، أم أن ما يحدث لا يتجاوز كونه ورقة ضغط على الحكومة الإسرائيلية لدفعها إلى قبول الاتفاق المبرم مع طهران؟

إيران تشعل الخلاف

رغم التباين النسبي في المقاربتين الأميركية والإسرائيلية إزاء الحرب ضد إيران، فإن مستوى السجال والتوتر بين الطرفين لم يخرج إلى العلن بهذه الحدة إلا مع الحديث عن إبرام اتفاق بين إدارة ترامب وطهرانـ فقد فجّرت مذكرة التفاهم الموقعة إلكترونيًا بين الرئيس الأميركي ونظيره الإيراني بركان التوتر المكتوم بين واشنطن وتل أبيب.

ينطلق ترامب في دعمه لهذه الاتفاقية من رغبته في إنهاء الحرب وتقليل حجم الضغوط المتراكمة عليه، بعدما بلغت مستويات باتت تهدد مستقبله السياسي ومستقبل الجمهوريين بصفة عامة، خاصة مع تراجع شعبيته نتيجة إدارته للحرب، وما خلّفته من انعكاسات مباشرة على المواطن الأميركي، الذي دفع فاتورتها بأكثر من طريقة.

ولم تقتصر تداعيات الحرب على الداخل الأميركي فحسب، بل امتدت إلى صورة الولايات المتحدة عالميًا، في ظل تزايد التصدعات في صورتها الدولية، وتغير المزاج الشعبي العالمي تجاه واشنطن، بما قد يهدد مصالحها في أكثر من ساحة.

وإلى جانب ذلك، فرضت الحرب ضغوطًا اقتصادية عالمية واسعة، بعدما تسببت في هزة قوية أثارت قلق أطراف عديدة، بمن فيهم حلفاء الولايات المتحدة الذين ضغطوا باتجاه إنهائها، بعد أن تكبد الاقتصاد العالمي وقطاع الطاقة خسائر فادحة لم يعد من الممكن تحمل المزيد منها.

أما على الجانب الإسرائيلي، فينظر نتنياهو وحكومته إلى الاتفاق المزمع إبرامه مع إيران باعتباره تسوية لا تحقق الأهداف التي شُنّت الحرب من أجلها، بل تمنح طهران انتصارًا سياسيًا يمكنها توظيفه داخليًا وخارجيًا،  فبحسب الوجهة الإسرائيلية، لم تنجح الحرب في إسقاط النظام الإيراني، ولم تقضِ على البرنامج النووي، ولم توقف البرنامج الصاروخي، كما لم تفكك ما يُعرف بوحدة الساحات، وعلى العكس من ذلك، قد تخرج إيران من الاتفاق بامتيازات اقتصادية لم تكن لتحصل عليها قبل الحرب.

وفق هذه القراءة، ترى حكومة نتنياهو أن إسرائيل ستكون الخاسر الأكبر من اتفاق كهذا، خصوصًا إذا تضمن تثبيت معادلة وحدة الساحات، ووقف الحرب في لبنان، أو فرض قيود على حرية الحركة الإسرائيلية في الجبهات الإقليمية،  فتمرير اتفاق بهذه الصيغة لا يعني فقط تراجعًا في نتائج الحرب، بل قد ينعكس داخليًا على مستقبل نتنياهو السياسي، ويضعفه مبكرًا في أي انتخابات برلمانية قادمة، بما قد يهدد بإنهاء حظوظه السياسية بصورة شبه نهائية.

ومن هذا التباين في الحسابات جاءت مذكرة التفاهم الأخيرة لتشعل الخلاف بين الحليفين، غير أن هذا الخلاف لا يعني بالضرورة تباينًا جذريًا في الأهداف النهائية، بقدر ما يعكس اختلافًا واضحًا في المسار والأدوات، فواشنطن تريد إنهاء الحرب وتثبيت اتفاق يحفظ مصالحها ويخفف كلفة التصعيد، بينما تريد تل أبيب استمرار الضغط حتى تحقيق نتائج أكثر حسمًا ضد إيران ومحورها.

وعليه، فإن ما ظهر من سجال بين الطرفين لا يمكن قراءته بوصفه خلافًا جذريًا، بل باعتباره انعكاسًا لتضارب عميق في حسابات اللحظة الراهنة لكلا الطرفين، فترامب يبحث عن صفقة تنهي الحرب وتعيد ترتيب المشهد لصالحه، بينما يخشى نتنياهو أن تتحول الصفقة ذاتها إلى شهادة فشل سياسي وعسكري لحكومته.

سجال غير مسبوق

بلغ السجال بين واشنطن وتل أبيب مستويات غير مسبوقة من الحدة، ربما لم تظهر بهذا الوضوح حتى في أكثر المحطات توترًا في تاريخ العلاقات بين الجانبين، فقد وجّه نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، انتقادات علنية قاسية لمسؤولين إسرائيليين هاجموا اتفاق واشنطن مع طهران، واصفًا ردود الفعل داخل إسرائيل بأنها حالة من “الذعر الغريب” و“الهلع”، قبل أن يذكّر حكومة بنيامين نتنياهو بأنها لا تملك ترف مهاجمة “الحليف القوي الوحيد” المتبقي لها في العالم.

واللافت أن فانس خصّ بهجومه وزيري اليمين المتطرف، وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، متسائلًا بلهجة حادة عن البديل الذي يطرحانه قائلًا: ما مقترحكم تحديدًا؟ أنتم دولة يبلغ تعدادها نحو تسعة ملايين نسمة، ولا يمكنكم ببساطة التعامل مع القتل بوصفه الوسيلة الوحيدة لحل كل معضلة تتصل بأمنكم القومي، وفي المقابل، لم يلتزم وزراء اليمين الإسرائيلي الصمت، إذ ردّ بن غفير عبر منصة “إكس” بالقول إن هذا هو المقترح فعلًا: التعامل مع “نازيي القرن الحادي والعشرين” كما تعاملت الولايات المتحدة مع “نازيي القرن العشرين”

وفي السياق ذاته، نقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤولين أميركيين أن وكالات الاستخبارات حذّرت إدارة ترامب من احتمال أن يقدم نتنياهو على خطوات من شأنها تقويض جهود التوصل إلى اتفاق سلام دائم مع إيران، وهو تحذير يكشف أن القلق الأميركي لم يعد مقتصرًا على خطاب وزراء اليمين أو سجالاتهم الإعلامية، بل بات يطال سلوك الحكومة الإسرائيلية ذاتها، وإمكانية أن تعمل على نسف المسار الدبلوماسي الذي اختاره ترامب بصورة كاملة.

بهذا المعنى، ينتقل الخلاف الأميركي الإسرائيلي من حاجز تباين في التقدير حول إيران، إلى صراع مكتوم حول من يملك حق تحديد مسار المنطقة، واشنطن التي تريد إغلاق الحرب بصفقة سياسية، مدفوعة بقائمة مطولة من الضغوط، أم حكومة نتنياهو التي تخشى أن تتحول هذه الصفقة إلى اعتراف بفشل الحرب وتهديد مباشر لمستقبلها السياسي.

ورقة ضغط أم بحث عن بديل؟

تاريخيًا، وحتى في لحظات التوتر مع الحكومات الإسرائيلية، اعتادت واشنطن التحرك بحذر شديد إزاء تفاصيل السياسة الداخلية في إسرائيل، إدراكًا منها لحساسية وخطورة اتهامها بالتدخل في تشكيل الحكومات أو التأثير في نتائج الانتخابات، خاصة أن هذا الملف يمثل خطًا أحمر بالنسبة للوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة.

وعليه، فإن تسريب معلومات عن اتصالات أميركية مع شخصيات من المعارضة الإسرائيلية يحمل، بحد ذاته، رسالة سياسية مباشرة، مفادها أن العلاقة الأميركية مع إسرائيل لا يشترط أن تمر حصرًا عبر بوابة نتنياهو، وأن ثمة فارقًا واضحًا بين دعم واشنطن لإسرائيل بوصفها حليفًا استراتيجيًا، وبين دعمها للحكومة الإسرائيلية الحالية أو لرئيسها شخصيًا.

وتحمل هذه الاتصالات رسالتين أساسيتين، الأولى موجهة إلى نتنياهو، ومفادها أن الدعم الأميركي له لم يعد شيكًا على بياض، خاصة إذا تعارضت سياساته مع المصالح الأميركية أو مع المسار الدبلوماسي الذي اختارته إدارة ترامب، أما الرسالة الثانية فهي موجهة إلى الداخل الإسرائيلي، وتؤكد أن العلاقة مع واشنطن لا ينبغي أن تُختزل في شخص نتنياهو أو في ائتلافه اليميني، وأن هناك بدائل سياسية أخرى قد تكون أكثر قدرة على التفاهم مع الإدارة الأميركية.

وفق هذه المقاربة، يمكن قراءة الاتصالات الأميركية مع المعارضة الإسرائيلية، من حيث الشكل،  ضمن سيناريوهين رئيسيين، الأول أنها تمثل ورقة ضغط سياسية يستخدمها ترامب ضد نتنياهو لدفعه إلى قبول الاتفاق المبرم مع إيران، أو على الأقل منعه من عرقلته بأي وسيلة،  أما السيناريو الثاني، فيذهب إلى أن واشنطن بدأت بالفعل في اختبار بدائل سياسية محتملة، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتراجع شعبية نتنياهو داخليًا.

غير أن السيناريو الثاني يبدو أقل ترجيحًا إذا طُرح بوصفه تحركًا أميركيًا مباشرًا وعلنيًا لإزاحة نتنياهو؛ فمثل هذه المغامرة ستكون مكلفة سياسيًا داخل أميركا وإسرائيل معًا، كما أنها قد تمنح نتنياهو ويمينَه فرصة ثمينة لتصويره كضحية تدخل أميركي خارجي، وهو ما قد يرتد عكسيًا في الانتخابات، فضلًا عن التداعيات السلبية التي قد تواجهها إدارة ترامب من جانب اللوبي الصهيوني والقوى المؤيدة لإسرائيل داخل واشنطن.

لذلك، تبدو القراءة الأكثر واقعية أن إدارة ترامب لا تسعى في هذه المرحلة إلى إسقاط نتنياهو أو إعلان التخلي عنه، بقدر ما تحاول تقليص هامش مناورتِه، وكسر احتكاره للعلاقة مع الولايات المتحدة، وإبلاغه بأن معارضة المسار الأميركي تجاه إيران قد تدفع واشنطن إلى فتح أبواب سياسية أخرى داخل إسرائيل.

متى يتخلى ترامب عن نتنياهو؟

لا يمكن التعويل على هذه المؤشرات باعتبارها بداية انقلاب أميركي على نتنياهو أو إيذانًا بنهاية موقعه في الحسابات الأميركية، فالرجل حظي، خلال سنوات ترامب، بمستوى استثنائي من الدعم السياسي والدبلوماسي، ربما لم تحظَ به حكومة إسرائيلية أخرى بالقدر ذاته، كما أن العلاقة الشخصية بين الشخصين ظلت، في محطات كثيرة، واحدة من أكثر العلاقات حميمية بين رئيس أميركي ورئيس وزراء إسرائيلي.

ومن ثم، فإن التصعيد الراهن، إن جاز وصفه بالتصعيد، يبدو أقرب إلى محاولة احتواء نتنياهو لا إسقاطه، فترامب يسعى إلى ممارسة ضغوط محسوبة عليه لدفعه إلى قبول الاتفاق مع إيران، أو على الأقل منعه من عرقلته، دون أن يذهب إلى مواجهة مباشرة ومفتوحة قد تضع الرئيس الأميركي نفسه في صدام سياسي مع الحكومة الإسرائيلية.

لكن ذلك لا يعني أن خيار التخلي السياسي عن نتنياهو مستبعد بالكامل من حسابات ترامب، فلا توجد ثوابت مطلقة في السياسة، حتى حين تكون محكومة باعتبارات أيديولوجية أو تحالفات تاريخية، ومن هنا، قد يجد ترامب نفسه مضطرًا إلى الابتعاد عن نتنياهو إذا شعر أن بقاءه بات يهدد إنجازًا كبيرًا يريد نسبته إلى نفسه، مثل اتفاق مع إيران أو ترتيبات إقليمية أوسع، أو إذا تحوّل نتنياهو إلى عبء يربك حسابات واشنطن ويهدد مستقبل ترامب السياسي، وفي هذه الحالة، سيتعامل ترامب مع نتنياهو بمنطق براغماتي بحت، ليس بوصفه حليفًا دائمًا، بل بوصفه ورقة سياسية تصلح ما دامت تخدم المسار الأميركي، وتصبح قابلة للتجاوز إذا تحولت إلى عقبة أمامه.

ترامب: لولا أمريكا

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بإمكانية التخلي عن نتنياهو من حيث المبدأ، بل بمستويات هذا التخلي وأدواته، فالأرجح أن واشنطن لن تذهب إلى مواجهة علنية لإسقاطه، بل قد تكتفي بعدم دعمه سياسيًا في الاستحقاقات المقبلة، أو بتوسيع قنواتها مع أطراف إسرائيلية أخرى يمكن أن تمثل بدائل أكثر مرونة في التعامل مع الإدارة الأميركية.

وهنا يمكن فهم الاتصالات مع المعارضة الإسرائيلية باعتبارها محاولة لجسّ النبض، لا إعلانًا مبكرًا عن انقلاب سياسي، فترامب لا يبحث بالضرورة عن بديل فوري، لكنه يريد تجهيز صف ثانٍ من القيادات الإسرائيلية القادرة على التعاون مع واشنطن إذا تغيّرت الخريطة السياسية في تل أبيب، أو إذا أصبح نتنياهو عبئًا يصعب الدفاع عنه.

وأيًا كانت طبيعة الخلاف بين ترامب ونتنياهو، سواء كان خلافًا حقيقيًا، أو تباينًا في وجهات النظر، أو حتى توزيعًا محسوبًا للأدوار، تبقى الحقيقة الأهم أن الدعم الأميركي لإسرائيل لا يرتبط بالضرورة بدعم حكومة إسرائيلية بعينها، ومن ثم، فإن التعويل على هذا التباين بوصفه مؤشرًا على تراجع الدعم الأميركي لإسرائيل هو قراءة متسرعة ورهان في غير موضعه، فالولايات المتحدة قد تختلف مع نتنياهو، وقد تضغط على حكومته، وربما تبحث عن شركاء إسرائيليين أكثر انسجامًا مع مقاربتها، لكنها لا تتخلى عن إسرائيل كحليف استراتيجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى