
سيلفيا مكرم تكتب: مات الطبيب الصالح
لم يمضِ سوى ساعات قليلة حتى انتشر الخبر في أزقة المدينة صادماً … لم تخرج جنازته كأستاذ جامعي أو طبيب شهير، بل خرجت جنازته “كأب” سار خلف جثمانه مئات الآلاف من الحُفاة، والفقراء، والأيتام، والأرامل، يجهشون بالبكاء ويرددون جملة واحدة هزت أركان نابولي :
”لقد مات الطبيب الصالح.. مات طبيبنا!”
في مطلع القرن العشرين، كانت مدينة نابولي الإيطالية تعج بالحياة، لكنها تعج أيضاً بالفقر والجهل. في وسط هذا الصخب، برز اسم شاب وسيم، ذكي، وعبقري؛ إنه الدكتور “جوزيبي موسكاتي”.
ولد “جوزيبي موسكاتي” في ايطاليا عام ١٨٨٠ وعاش معظم حياته في مدينة نابولي .
لم يكن “موسكاتي” طبيباً عادياً، بل كان يمتلك عيناً ثاقبة وتشخيصاً دقيقاً لدرجة أن كبار أطباء أوروبا كانوا يصفونه بالـ “معجزة”. فُتحت أمامه أبواب المجد، وعُرضت عليه المناصب الجامعية المرموقة، وتهافت عليه أغنياء إيطاليا ليكون طبيبهم الخاص. كان بإمكانه أن يعيش في قصر، يُحاط بالخدم ، لكنه اختار ان يكون هو الخادم ،و اتخذ قراراً صدم النخبة الأرستقراطية آنذاك…لقد إختار العشوائيات.
خلع موسكاتي رداء الوجاهة الاجتماعية، واعتبر أن مهنة الطب ليست تجارة، بل هي “إرسالية “. كان يقول لتلاميذه في الجامعة:
”تذكروا أن خلف هذا الجسد المريض الذي تفحصونه، هناك روح تتألم، وهناك إنسان يطلب منكم الحب قبل الدواء”.
لم تكن حياة “موسكاتي”هادئة، بل كانت سلسلة من المعارك ضد الكوارث الطبيعية والأوبئة.
في عام ١٩٠٦ ثار بركان “فيزوف” الشهير، وبدأت الحمم والرماد تتساقط كالمطر فوق مستشفى منطقة “تورى ديل غريكو” الذي كان يضم مئات المرضى والمسنين العاجزين. في وقت فرّ فيه الجميع هرباً بحياتهم، ركض موسكاتي عكس اتجاه الحشد. دخل إلى المستشفى الذي كان يتداعى، وبدأ يحمل المرضى على كتفيه واحداً تلو الآخر، ويخرجهم إلى الأمان. وما إن أخرج آخر مريض، حتى انهار سقف المستشفى بالكامل
وفي عام ١٩١١ ضرب وباء الكوليرا الفتاك أحياء نابولي الفقيرة. تحولت المدينة إلى مسرح للموت، وأصبحت الأزقة الضيقة بؤراً للعدوى يخشى أي طبيب أن يطأها. لكن موسكاتي كان هناك، في قلب الخطر .
كان يتسلح بإيمانه وحقيبته الطبية ، و يدخل إلى البيوت المظلمة التي تفوح منها رائحة المرض، ينحني فوق المصابين، يمسح جباههم المشتعلة بالحمى، ويغسل قروحهم بوعي علمي متقدم وشجاعة لا تهاب العدوى. ساهمت أبحاثه الدقيقة في تلك الفترة في محاصرة الوباء، ليس فقط بالعلاج، بل بتغيير نظام الصرف الصحي والنظافة في تلك الأحياء.
في عيادته المتواضعه وضع صندوقاً كتب عليه عبارته الشهيرة : “من يملك فليضع، ومن لا يملك فليأخذ”
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل كان عندما يشعر أن المريض لا يملك ثمن الدواء ولا يملك ما يطعم به أطفاله، يكتب الروشتة، وعندما يقلبها المريض ليقرأها في الخارج، يجد أن الطبيب قد دبّس فيها مبلغاً من المال يكفي لشراء الدواء والطعام لأسابيع. باع معظم أثاث منزله ولوحاته الثمينة ليُطعِم فقراء نابولي.
• كان “لموسكاتي ” صديق يمثل “الوجه الآخر للعملة”، فهو طبيب شاب تخرّج معه في نفس الدفعة، وكان ذكياً وبارعاً أيضاً، لكن نظرته للحياة والمهنة كانت مختلفة تماماً ، اذ كان يرى الطب وسيلة للترقي الاجتماعي، وبناء الثروة، والوصول إلى مجتمعات الطبقة الأرستقراطية في نابولي.
• و في سردنا لحياة “موسكاتي ” لا نغفل الجانب العاطفي في حياته ..فقد وقع في حب امرأة أرستوقراطية بادلته نفس الحب و رغبت في عيش حياة مرفهة معه، لكنها لم تستطع تحمل أسلوب حياته وتفانيه المفرط للفقراء واقتحامه للأحياء الموبوءة.
• هنا تدخل صديقه الذي كان يطمح للوجاهة الاجتماعية، وتزوج منها ..هذا الموقف شكّل اختباراً عنيفاً لصداقتهما، ورغم الألم الإنساني، تَرَفَع “موسكاتي” عن الضغينة وظل مخلصاً لنبل مشاعره وصداقتهما..و وًجَّه كل طاقة الحب بداخله لنداء قلبه الذي كان يجذبه نحو الفقراء والمعدمين، فاختار في النهاية طريق العطاء المطلق، ليصبح حبه شفاءً لمدينة بأكملها ولم يتزوج قط.
في 12 أبريل 1927، و كان الدكتور “موسكاتي” قد شارف على السابعة والأربعين من عمره، لكن جسده كان قد أنهكه التعب والسهر والاهتمام بالآخرين.
جلس على كرسيه في عيادته بعد أن عاين آخر مريض في ذلك الصباح. شعر بوخزة في صدره، وأدرك أن رحلته قد انتهت. طوى معطفه الأبيض، وأسلم روحه بسلام وهدوء كأنه ينام بعد عملٍ طويل



