قضايا وتحليلات

بين الركام والمونديال.. لماذا احتفل الغزيون بتأهل المنتخب المصري؟

بين أزيز المسيّرات الذي لم يغب عن الأسماع، وحركتها التي لم تفارق السماء، وبين خيام مهترئة نُصبت فوق ركام المنازل المدمرة، وفي ظل انقطاع شبه كامل للكهرباء وانعدام أبسط مقومات الحياة، وجد أهل غزة طريقهم إلى لحظة فرح نادرة، فنصبوا شاشاتهم البسيطة لمتابعة مباراة المنتخب المصري في كأس العالم.

ومع كل هدف أو فرصة محققة، كان المشهد يبدو كما لو أن زلزالًا من الفرح يهز المكان، احتفالات عارمة، وهتافات صاخبة، ومشاعر جياشة، كأن المنتخب الفلسطيني هو من سجل، وكأن الحياة لم يُسحب بساطها من تحت أقدامهم على مدار أكثر من عامين ونصف من حرب الإبادة، فكل ما خلّفته الحرب من شهداء ومفقودين ومصابين وخراب لم يكن كافيًا لانتزاع حق الفلسطينيين في الفرح، ولو للحظات قصيرة.

وفجأة، وبعد انتهاء مباراة مصر واستراليا في الدور 32 من المونديال، تحولت شوارع غزة وأنقاضها المتناثرة إلى ساحات احتفال بالمنتخب المصري، بعد صعوده إلى دور الـ 16 للمرة الأولى في تاريخه، وفي تلك اللحظة، تداخلت المشاعر الفلسطينية والمصرية في مشهد واحد، حتى بدا من الصعب التمييز بين من يحتفل، أهو مصري يرى منتخب بلاده يصنع التاريخ، أم فلسطيني يرى في مصر امتدادًا وجدانيًا وسياسيًا لا ينفصل عن قضيته.

وفي ذروة فرحة الغزيين بالفوز المصري، جاءت تصريحات المدير الفني للمنتخب، حسام حسن، لتمنح المشهد بعدًا أعمق، حين رفع العلم الفلسطيني وأهدى الانتصار إلى الشعب الفلسطيني، لم يكن ذلك مجرد موقف عابر في لحظة رياضية، بل تعبيرًا رمزيًا عن علاقة استثنائية بين شعبين.. فلماذا يشجع الغزيون، وسط كل هذا الدمار والحصار والجوع، المنتخب المصري تحديدًا في المونديال؟

بعد انتهاء مباراة مصر واستراليا، تحولت شوارع غزة وأنقاضها المتناثرة إلى ساحات احتفال بالمنتخب المصري، بعد صعوده إلى دور الـ 16 للمرة الأولى في تاريخه، وفي تلك اللحظة، تداخلت المشاعر الفلسطينية والمصرية في مشهد واحد

أكبر من كرة قدم

لا يمكن قراءة تشجيع الفلسطينيين، ولا سيما أهل غزة، للمنتخب المصري في المونديال باعتباره مجرد انحياز رياضي عابر أو حماسة كروية مؤقتة؛ فالمشهد أعمق من حدود المباراة، ويعكس إرثًا طويلًا من التشابك الوجداني والاجتماعي والتاريخي بين الشعبين المصري والفلسطيني، فمصر، في الوعي الفلسطيني، ليست دولة جوار فحسب، بل بوابة فلسطين إلى العالم، وامتداد عربي وإنساني ظل حاضرًا في محطات الحرب والحصار والتعليم والعلاج والثقافة.

وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب الصحفي الفلسطيني محمد المدهون أن مصر وفلسطين “توأمان”، وأن حب مصر مغروس في وجدان كل فلسطيني، مستحضرًا ما قدمته مصر تاريخيًا من تضحيات من أجل فلسطين، بما في ذلك دماء شهداء الجيش المصري التي ارتوت بها أرض فلسطين، وخاصة غزة.

ويرى المدهون في حديثه لـ “الترا صوت” أن العلاقة بين الشعبين متجذرة بفعل عوامل عاطفية ودينية وقومية وجغرافية، فضلًا عن علاقات المصاهرة والامتداد العائلي، ووجود مئات الآلاف من حملة الجنسية المصرية في قطاع غزة، إلى جانب جالية مصرية عريقة ولجان مصرية دعمت الفلسطينيين في ظروف الحصار والحرب.

كما تعززت هذه العلاقة عبر مسارات التعليم والعلاج والثقافة؛ فآلاف الفلسطينيين تلقوا تعليمهم في الجامعات والمؤسسات المصرية، وفتحت مصر مستشفياتها للمرضى والجرحى الفلسطينيين، وأرسلت وفودًا طبية إلى غزة لتخفيف معاناة المصابين. وعلى المستوى الثقافي، ظل الفلسطينيون منفتحين على الأدب والفن المصري، من طه حسين ونجيب محفوظ إلى الأعمال الدرامية والسينمائية التي لامست الوجدان العربي والفلسطيني.

لذلك، وبحسب الكاتب الفلسطيني المقيم في القطاع، فإنه حين يهتف الغزيون للمنتخب المصري، فهم لا يشجعون فريقًا كرويًا فقط، بل يحتفون بعلاقة تاريخية وشعبية عميقة، بقيت حاضرة رغم تعقيدات السياسة وقسوة الواقع، في رسالة تتجاوز الكرة والرياضة إلى ما هو أبعد من ذلك.

هوس فلسطيني بالكرة المصرية

من جانبه، يرى الباحث الفلسطيني حسام أبو ريا أن ارتباط أهل غزة بالكرة المصرية ليس وليد اللحظة، بل يمتد لعقود طويلة، تحولت خلالها متابعة الدوري المصري وتشجيع أنديته إلى جزء من الثقافة الجماهيرية داخل القطاع. ويشير أبو ريا إلى أن عددًا من الأندية المصرية تمتلك روابط جماهيرية معتبرة في غزة، يتابع أعضاؤها المباريات بانتظام ويحتفلون بانتصارات فرقهم كما لو كانت فرقًا محلية.

وأضاف أبو ريا، في تصريحاته لـ”الترا صوت”، أن نادي الزمالك يحظى بالنصيب الأكبر من التشجيع بين أهل غزة، يليه النادي الإسماعيلي ثم النادي الأهلي، لافتًا إلى أن وجود أعداد كبيرة من المصريين في القطاع عبر علاقات المصاهرة والامتداد العائلي أسهم في تحويل هذا التشجيع من مجرد متابعة رياضية إلى حالة جماهيرية واسعة، عززت حضور الكرة المصرية داخل الوجدان الغزي.

ويؤكد الباحث الفلسطيني أن الشعب المصري يظل الأقرب وجدانيًا لأهل غزة، بصرف النظر عن مواقف الحكومات والأنظمة. فالغزيون، وفق تقديره، اعتادوا عبر عقود طويلة التمييز بين المواقف الرسمية والمشاعر الشعبية، ويدركون أن المصريين يكنّون لأهل غزة وللفلسطينيين عمومًا محبة وتقديرًا كبيرين، وهي مشاعر يبادلهم إياها الغزيون بعمق، وربما بدرجة أكبر.

متنفس قومي

في سياق متصل، تقرأ بين أزيز المسيّرات الذي لم يغب عن الأسماع، وحركتها التي لم تفارق السماء، وبين خيام مهترئة نُصبت فوق ركام المنازل المدمرة، وفي ظل انقطاع شبه كامل للكهرباء وانعدام أبسط مقومات الحياة، وجد أهل غزة طريقهم إلى لحظة فرح نادرة، فنصبوا شاشاتهم البسيطة لمتابعة مباراة المنتخب المصري في كأس العالم.

ومع كل هدف أو فرصة محققة، كان المشهد يبدو كما لو أن زلزالًا من الفرح يهز المكان، احتفالات عارمة، وهتافات صاخبة، ومشاعر جياشة، كأن المنتخب الفلسطيني هو من سجل، وكأن الحياة لم يُسحب بساطها من تحت أقدامهم على مدار أكثر من عامين ونصف من حرب الإبادة، فكل ما خلّفته الحرب من شهداء ومفقودين ومصابين وخراب لم يكن كافيًا لانتزاع حق الفلسطينيين في الفرح، ولو للحظات قصيرة.

وفجأة، وبعد انتهاء مباراة مصر واستراليا في الدور 32 من المونديال، تحولت شوارع غزة وأنقاضها المتناثرة إلى ساحات احتفال بالمنتخب المصري، بعد صعوده إلى دور الـ 16 للمرة الأولى في تاريخه، وفي تلك اللحظة، تداخلت المشاعر الفلسطينية والمصرية في مشهد واحد، حتى بدا من الصعب التمييز بين من يحتفل، أهو مصري يرى منتخب بلاده يصنع التاريخ، أم فلسطيني يرى في مصر امتدادًا وجدانيًا وسياسيًا لا ينفصل عن قضيته.

وفي ذروة فرحة الغزيين بالفوز المصري، جاءت تصريحات المدير الفني للمنتخب، حسام حسن، لتمنح المشهد بعدًا أعمق، حين رفع العلم الفلسطيني وأهدى الانتصار إلى الشعب الفلسطيني، لم يكن ذلك مجرد موقف عابر في لحظة رياضية، بل تعبيرًا رمزيًا عن علاقة استثنائية بين شعبين.. فلماذا يشجع الغزيون، وسط كل هذا الدمار والحصار والجوع، المنتخب المصري تحديدًا في المونديال؟

أكبر من كرة قدم

لا يمكن قراءة تشجيع الفلسطينيين، ولا سيما أهل غزة، للمنتخب المصري في المونديال باعتباره مجرد انحياز رياضي عابر أو حماسة كروية مؤقتة؛ فالمشهد أعمق من حدود المباراة، ويعكس إرثًا طويلًا من التشابك الوجداني والاجتماعي والتاريخي بين الشعبين المصري والفلسطيني، فمصر، في الوعي الفلسطيني، ليست دولة جوار فحسب، بل بوابة فلسطين إلى العالم، وامتداد عربي وإنساني ظل حاضرًا في محطات الحرب والحصار والتعليم والعلاج والثقافة.

وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب الصحفي الفلسطيني محمد المدهون أن مصر وفلسطين “توأمان”، وأن حب مصر مغروس في وجدان كل فلسطيني، مستحضرًا ما قدمته مصر تاريخيًا من تضحيات من أجل فلسطين، بما في ذلك دماء شهداء الجيش المصري التي ارتوت بها أرض فلسطين، وخاصة غزة.

ويرى المدهون في حديثه لـ “الترا صوت” أن العلاقة بين الشعبين متجذرة بفعل عوامل عاطفية ودينية وقومية وجغرافية، فضلًا عن علاقات المصاهرة والامتداد العائلي، ووجود مئات الآلاف من حملة الجنسية المصرية في قطاع غزة، إلى جانب جالية مصرية عريقة ولجان مصرية دعمت الفلسطينيين في ظروف الحصار والحرب.

كما تعززت هذه العلاقة عبر مسارات التعليم والعلاج والثقافة؛ فآلاف الفلسطينيين تلقوا تعليمهم في الجامعات والمؤسسات المصرية، وفتحت مصر مستشفياتها للمرضى والجرحى الفلسطينيين، وأرسلت وفودًا طبية إلى غزة لتخفيف معاناة المصابين. وعلى المستوى الثقافي، ظل الفلسطينيون منفتحين على الأدب والفن المصري، من طه حسين ونجيب محفوظ إلى الأعمال الدرامية والسينمائية التي لامست الوجدان العربي والفلسطيني.

لذلك، وبحسب الكاتب الفلسطيني المقيم في القطاع، فإنه حين يهتف الغزيون للمنتخب المصري، فهم لا يشجعون فريقًا كرويًا فقط، بل يحتفون بعلاقة تاريخية وشعبية عميقة، بقيت حاضرة رغم تعقيدات السياسة وقسوة الواقع، في رسالة تتجاوز الكرة والرياضة إلى ما هو أبعد من ذلك.

هوس فلسطيني بالكرة المصرية

من جانبه، يرى الباحث الفلسطيني حسام أبو ريا أن ارتباط أهل غزة بالكرة المصرية ليس وليد اللحظة، بل يمتد لعقود طويلة، تحولت خلالها متابعة الدوري المصري وتشجيع أنديته إلى جزء من الثقافة الجماهيرية داخل القطاع. ويشير أبو ريا إلى أن عددًا من الأندية المصرية تمتلك روابط جماهيرية معتبرة في غزة، يتابع أعضاؤها المباريات بانتظام ويحتفلون بانتصارات فرقهم كما لو كانت فرقًا محلية.

وأضاف أبو ريا، في تصريحاته لـ”الترا صوت”، أن نادي الزمالك يحظى بالنصيب الأكبر من التشجيع بين أهل غزة، يليه النادي الإسماعيلي ثم النادي الأهلي، لافتًا إلى أن وجود أعداد كبيرة من المصريين في القطاع عبر علاقات المصاهرة والامتداد العائلي أسهم في تحويل هذا التشجيع من مجرد متابعة رياضية إلى حالة جماهيرية واسعة، عززت حضور الكرة المصرية داخل الوجدان الغزي.

ويؤكد الباحث الفلسطيني أن الشعب المصري يظل الأقرب وجدانيًا لأهل غزة، بصرف النظر عن مواقف الحكومات والأنظمة. فالغزيون، وفق تقديره، اعتادوا عبر عقود طويلة التمييز بين المواقف الرسمية والمشاعر الشعبية، ويدركون أن المصريين يكنّون لأهل غزة وللفلسطينيين عمومًا محبة وتقديرًا كبيرين، وهي مشاعر يبادلهم إياها الغزيون بعمق، وربما بدرجة أكبر.

متنفس قومي

في سياق متصل، تقرأ الصحفية الفلسطينية أسماء عفانة التشجيع الغزي للمنتخب المصري من زاوية قومية ووجدانية، باعتبار أن مصر تمثل رمزًا عربيًا كبيرًا في الوعي الفلسطيني، وأن فوزها يمنح شعورًا بالأمل في قدرة طرف عربي على تحقيق الانتصار، حتى لو جاء ذلك في مجال رياضي وترفيهي، ومن هذا المنطلق، تبدو مصر حاضرة في وجدان الغزيين بوصفها نافذة قريبة في لحظات الحصار والأزمات، وامتدادًا عربيًا لا ينفصل عن الذاكرة الفلسطينية.

وتذهب عفانة، في حديثها لـ”الترا صوت”، إلى أن لحظات الاحتفال والتشجيع التي يعبّر فيها الغزيون عن حماسهم الشديد لا يمكن اختزالها في مجرد تسلية عابرة، بل يمكن اعتبارها لحظة تنفّس جماعي وسط واقع خانق، فالأمر يتعلق بشعب يبحث عن مساحة فرح نادرة، ويجدها في انتصار منتخب جار وشقيق، تربطه بالفلسطينيين علاقات وجدانية وتاريخية ممتدة.

وهناك دلالة سياسية أخرى يحملها هذا الفرح؛ فحين يرفع الغزيون علم مصر ويهتفون للمنتخب المصري، فهم لا يعلنون موقفًا كرويًا فقط، بل يرسلون رسالة وجدانية أعمق، نحن ما زلنا نبحث عن الفرح رغم الحرب والحصار، ونرى في انتصار مصر انتصارًا قريبًا منا، يرمّم شيئًا من المعنى العربي المشترك في زمن الانكسارات.

 الفلسطينية أسماء عفانة التشجيع الغزي للمنتخب المصري من زاوية قومية ووجدانية، باعتبار أن مصر تمثل رمزًا عربيًا كبيرًا في الوعي الفلسطيني، وأن فوزها يمنح شعورًا بالأمل في قدرة طرف عربي على تحقيق الانتصار، حتى لو جاء ذلك في مجال رياضي وترفيهي، ومن هذا المنطلق، تبدو مصر حاضرة في وجدان الغزيين بوصفها نافذة قريبة في لحظات الحصار والأزمات، وامتدادًا عربيًا لا ينفصل عن الذاكرة الفلسطينية.

وتذهب عفانة، في حديثها لـ”الترا صوت”، إلى أن لحظات الاحتفال والتشجيع التي يعبّر فيها الغزيون عن حماسهم الشديد لا يمكن اختزالها في مجرد تسلية عابرة، بل يمكن اعتبارها لحظة تنفّس جماعي وسط واقع خانق، فالأمر يتعلق بشعب يبحث عن مساحة فرح نادرة، ويجدها في انتصار منتخب جار وشقيق، تربطه بالفلسطينيين علاقات وجدانية وتاريخية ممتدة.

وهناك دلالة سياسية أخرى يحملها هذا الفرح؛ فحين يرفع الغزيون علم مصر ويهتفون للمنتخب المصري، فهم لا يعلنون موقفًا كرويًا فقط، بل يرسلون رسالة وجدانية أعمق، نحن ما زلنا نبحث عن الفرح رغم الحرب والحصار، ونرى في انتصار مصر انتصارًا قريبًا منا، يرمّم شيئًا من المعنى العربي المشترك في زمن الانكسارات.

(الترا صوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى