
من الأحادية القطبية إلى تعددية النفوذ.. الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط بين حتمية الصراع وإعادة توزيع القوة
د.حمدي محمود – باحث متخصص في الشؤون الدولية والإستراتيجية المعاصرة
لطالما ارتبط الشرق الأوسط في الأدبيات السياسية والاستراتيجية بصورة منطقة لا تهدأ، وكأن الصراع جزء أصيل من جغرافيتها، وكأن الموقع والثروات والممرات البحرية والتنوعات السياسية والاجتماعية قد حكمت على شعوبها ودولها بأن تعيش في حالة دائمة من التوتر والتنافس. غير أن هذه القراءة، رغم ما تحمله من قدر من التفسير، تبدو عاجزة عن استيعاب التعقيد الحقيقي الذي يحكم العلاقات داخل المنطقة وحولها؛ فالجغرافيا لا تصنع الحرب بمفردها، والثروات لا تنتج الصراع بصورة آلية، والموقع الاستراتيجي لا يتحول بالضرورة إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار. إن الجغرافيا السياسية لا تعمل كقوة حتمية مستقلة عن إرادة الفاعلين، وإنما توفر إطارًا من الفرص والقيود التي تتحدد نتائجها وفق طبيعة توزيع القوة، ومصالح الدول، وطبيعة النظام الأمني، ومستوى التدخل الخارجي، وقدرة الفواعل الإقليمية وغير الدولتية على توظيف المكان والموارد في صراعاتها ومشروعاتها السياسية.
ومن هذه الزاوية، فإن أهمية الشرق الأوسط لا تكمن فقط في كونه منطقة غنية بالطاقة أو مشرفة على طرق بحرية وتجارية بالغة الأهمية، وإنما في موقعه الذي يجعله نقطة التقاء لدوائر استراتيجية متعددة. فهو يقع عند تقاطع المجال الأوروبي والمتوسطي مع المجال الآسيوي، ويتصل في الوقت نفسه بالقرن الإفريقي والمحيط الهندي والخليج العربي، بينما تتحول ممراته البحرية، وفي مقدمتها قناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز، إلى عقد استراتيجية تتجاوز قيمتها حدود الدول التي تقع فيها. ولهذا فإن السيطرة على المجال الشرق أوسطي أو التأثير فيه لا تعني السيطرة على إقليم جغرافي محدد فحسب، وإنما تمنح الفاعل قدرة على التأثير في حركة الطاقة والتجارة والانتشار العسكري والاتصال بين مناطق استراتيجية متباعدة. ومن هنا يمكن فهم السبب الذي جعل المنطقة تحتفظ بمكانتها في الحسابات الدولية حتى في الفترات التي تغيرت فيها طبيعة المصالح والقوى العالمية.
لكن القيمة الاستراتيجية للمكان لا تكفي وحدها لتفسير استمرار الصراع. فهناك مناطق أخرى في العالم تتمتع بأهمية جغرافية واقتصادية كبيرة، ومع ذلك استطاعت أن تطور ترتيبات مؤسسية تقلل من احتمالات تحول التنافس إلى حروب مفتوحة. وبالتالي فإن السؤال الأكثر أهمية لا ينبغي أن يكون: لماذا يشهد الشرق الأوسط صراعات متكررة؟ وإنما: لماذا تتحول المزايا الجغرافية والاستراتيجية للشرق الأوسط بصورة متكررة إلى مصادر للتنافس والصراع بدلًا من أن تتحول إلى محفزات للتعاون والاستقرار؟ هنا ينتقل التحليل من الجغرافيا بوصفها معطى ثابتًا إلى السياسة بوصفها عملية إنتاج مستمرة لمعنى الجغرافيا واستخداماتها. فالمضيق لا يصبح مصدرًا للصراع لأنه ضيق، ومصدر الطاقة لا يصبح عاملًا للتنافس لمجرد وجوده، والموقع لا يتحول إلى منطقة نفوذ لمجرد قيمته الجغرافية؛ وإنما يحدث ذلك عندما تدرك القوى المختلفة أن السيطرة على هذه العناصر أو التأثير فيها يمكن أن يمنحها مزايا استراتيجية في مواجهة منافسيها.
وعلى هذا الأساس، فإن الشرق الأوسط يمكن النظر إليه بوصفه منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا مع القوة. فالموقع الجغرافي يحدد إمكانات القوة، بينما تحدد السياسة كيفية تحويل هذه الإمكانات إلى نفوذ. ولذلك فإن الجغرافيا السياسية للمنطقة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها “قدرًا جغرافيًا” يفرض الصراع بصورة مسبقة، وإنما باعتبارها بنية استراتيجية تسمح بإنتاج أنماط مختلفة من التنافس والتعاون. وفي اللحظة التي تتراجع فيها قدرة المؤسسات الإقليمية على إدارة الخلافات، وتصبح الدول غير قادرة على بناء ترتيبات أمنية جماعية، تتحول عناصر القوة الجغرافية إلى مصادر إضافية للشك وانعدام الثقة، وتصبح كل محاولة من جانب دولة لتعزيز أمنها قابلة لأن تُفسر من جانب خصومها باعتبارها محاولة لتغيير ميزان القوى.
وتظهر هنا معضلة الأمن بوصفها واحدة من أهم المفاتيح النظرية لفهم الشرق الأوسط. فالدولة التي تزيد إنفاقها العسكري قد تفعل ذلك انطلاقًا من تصور دفاعي بحت، لكنها قد تخلق في الوقت ذاته شعورًا بالتهديد لدى جيرانها. والدولة التي تسعى إلى بناء تحالفات خارجية لحماية أمنها قد ترى في ذلك ضرورة استراتيجية، بينما تعتبره دولة أخرى محاولة لتطويقها. والقوة الإقليمية التي توسع نفوذها في دولة مجاورة قد تبرر ذلك بحماية أمنها القومي أو مصالحها الاستراتيجية، في حين ينظر خصومها إلى السلوك نفسه باعتباره توسعًا أو محاولة لإعادة هندسة المجال الإقليمي. وهكذا لا ينتج عدم الاستقرار فقط من وجود القوة، وإنما من الطريقة التي تُفسر بها القوة وتُستقبل داخل بيئة أمنية يسودها انعدام الثقة.
وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا بسبب الطبيعة غير المكتملة لبنية الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط. فالإقليم لم ينجح حتى الآن في تطوير منظومة أمنية جماعية قادرة على استيعاب الخلافات بين دوله وإدارتها بصورة مؤسسية مستقرة، الأمر الذي جعل القوى الإقليمية تعتمد بدرجات مختلفة على التحالفات الخارجية، والردع العسكري، وبناء مناطق النفوذ، وتطوير القدرات الصاروخية والتكنولوجية، والاستعانة بفواعل مسلحة حليفة أو شريكة. وفي ظل غياب قواعد مشتركة ومستقرة لإدارة المنافسة، يصبح التوازن هشًا وقابلًا للتغير مع كل تحول في البيئة الدولية أو الإقليمية.
ولذلك فإن التنافس في الشرق الأوسط لم يعد مجرد تنافس بين دول تمتلك جيوشًا وحدودًا ومؤسسات رسمية، بل أصبح تنافسًا متعدد المستويات تشارك فيه قوى كبرى، ودول إقليمية، ودول صغيرة، وفواعل مسلحة وغير دولية، وشبكات اقتصادية وأمنية وتكنولوجية وإعلامية. وهذا التحول يفرض إعادة النظر في مفهوم القوة ذاته. فالقوة في الشرق الأوسط المعاصر لم تعد تقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات أو حجم القوات المسلحة، وإنما أصبحت مزيجًا من القدرة العسكرية، والموارد الاقتصادية، والموقع الجغرافي، والقدرة على التحكم في شبكات الطاقة والتجارة، والقدرة التكنولوجية، والنفوذ الدبلوماسي، والقدرة على بناء الشراكات، فضلًا عن القدرة على التأثير عبر الفضاء المعلوماتي والإعلامي وعبر الفواعل غير الدولتية.
وقد أدى هذا التحول إلى ظهور نمط أكثر تعقيدًا من العلاقات الإقليمية، يمكن وصفه بأنه “تعددية النفوذ”. فليس من الضروري أن تمتلك الدولة أكبر جيش حتى تكون صاحبة تأثير واسع، كما ليس من الضروري أن تكون القوة الاقتصادية الأكبر هي الأكثر قدرة على التأثير في جميع الملفات. فقد تمتلك دولة ما نفوذًا اقتصاديًا واسعًا، بينما تمتلك أخرى تفوقًا عسكريًا، وتمتلك ثالثة موقعًا جغرافيًا يجعلها ضرورية لأمن التجارة والطاقة، بينما تستطيع رابعة ممارسة تأثير دبلوماسي يفوق بكثير حجمها المادي. وفي بعض الحالات تستطيع جماعة مسلحة أو شبكة عابرة للحدود أن تؤثر في حسابات دول تفوقها بكثير من حيث الموارد والإمكانات التقليدية. وهكذا لم تعد القوة تتوزع في هرم بسيط، بل أصبحت موزعة داخل شبكة متداخلة من مراكز التأثير.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر في فكرة الانتقال من الأحادية القطبية إلى تعددية القطبية. فالتغير في النظام الدولي لا يعني بالضرورة أن الشرق الأوسط انتقل بصورة مكتملة من هيمنة قوة واحدة إلى نظام تتساوى فيه مجموعة من القوى. الأدق أن المنطقة تشهد تدريجيًا إعادة توزيع لمصادر النفوذ، مع استمرار القوة الأمريكية في امتلاك أدوات عسكرية ودبلوماسية واقتصادية واسعة، بالتوازي مع تنامي الحضور الصيني، واستمرار الدور الروسي، وتزايد قدرة القوى الإقليمية على صياغة سياسات أكثر استقلالًا عن المظلة الخارجية. ولذلك فإن التحول الأهم ليس اختفاء القوة المهيمنة بصورة مفاجئة، وإنما تزايد صعوبة احتكار فاعل واحد لجميع مسارات التأثير في المنطقة.
وقد انعكس ذلك على سلوك دول الشرق الأوسط نفسها. فمع تغير البيئة الدولية، أصبحت بعض الدول أكثر قدرة على تنويع شراكاتها بدل الاعتماد الكامل على قوة دولية واحدة. ويمكن للدولة أن تحتفظ بعلاقات أمنية مع الولايات المتحدة، بينما تطور علاقات اقتصادية واسعة مع الصين، وتتعاون في ملفات محددة مع روسيا، وتحافظ في الوقت ذاته على علاقات إقليمية مع قوى متنافسة معها. هذا النمط لا يعني بالضرورة تحولًا أيديولوجيًا أو اصطفافًا جديدًا، وإنما يعكس منطقًا براغماتيًا يسعى إلى تعظيم هامش الحركة وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للقوة.
ومن ثم فإن مفهوم “تعددية النفوذ” قد يكون أكثر قدرة على تفسير التحولات الجارية من مفهوم “تعددية الأقطاب” بمعناه التقليدي. فالتعددية في الشرق الأوسط ليست بالضرورة تعددية دول كبرى متساوية في القوة، وإنما تعددية في مصادر التأثير ومساحات النفوذ. وقد تتعايش في المجال نفسه قوى دولية وإقليمية متعددة، لكل منها أدوات مختلفة، دون أن تتمكن أي منها من فرض إرادتها بصورة مطلقة. وهذه الحالة قد تمنح الدول الإقليمية مساحة أكبر للمناورة، لكنها قد تجعل البيئة الاستراتيجية أكثر تعقيدًا أيضًا، لأن تعدد الفاعلين يعني تعدد الحسابات وتضاربها وتزايد احتمالات سوء التقدير.
وهنا تظهر مفارقة أساسية: قد يؤدي تراجع الأحادية إلى زيادة هامش الاستقلال الإقليمي، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة الاستقرار. فقد تتيح تعددية النفوذ للدول الصغيرة والمتوسطة فرصًا أكبر لتنويع علاقاتها والتحرك بين القوى الكبرى، لكنها في الوقت ذاته قد تؤدي إلى زيادة المنافسة على النفوذ، ورفع قيمة المناطق الاستراتيجية، وتشجيع القوى المختلفة على استخدام أدوات غير مباشرة للحفاظ على مواقعها. وبالتالي فإن تعدد مراكز القوة لا يصبح مصدرًا للاستقرار إلا عندما تصاحبه قواعد واضحة لإدارة التنافس وآليات فعالة لمنع تحول المنافسة إلى مواجهة مفتوحة.
وتتضح هذه الإشكالية بصورة أكبر في مسألة الفواعل غير الدولتية. فقد أدت الحروب الأهلية والانقسامات السياسية وضعف بعض مؤسسات الدولة إلى نشوء بيئات تستطيع فيها جماعات مسلحة وشبكات سياسية وأمنية أن تلعب أدوارًا تتجاوز حدود الدولة. ولم تعد الدولة هي الوحدة الوحيدة التي يمكن من خلالها فهم الصراع؛ إذ أصبحت بعض النزاعات ذات بنية هجينة تجمع بين الدولة والفاعل المسلح، وبين المحلي والإقليمي، وبين السياسي والعسكري، وبين التقليدي والرقمي. وهذا يعني أن إدارة الصراع لم تعد تتطلب فقط تفاهمات بين الحكومات، بل أصبحت تحتاج إلى معالجة الشبكات التي تنتج القوة وتعيد توزيعها خارج الأطر الرسمية.
كما أن الحروب بالوكالة تكشف عن تغير عميق في طبيعة المنافسة الإقليمية. فالقوى الكبرى والإقليمية تستطيع تجنب المواجهة المباشرة من خلال دعم حلفاء محليين أو استخدام أدوات اقتصادية وسياسية وإعلامية وأمنية غير مباشرة. غير أن هذه الاستراتيجية تحمل مفارقة خطيرة؛ إذ قد تبدأ باعتبارها وسيلة لتقليل تكلفة المواجهة، لكنها قد تؤدي في النهاية إلى زيادة تعقيد الصراع، لأن الفاعلين المحليين لا يظلون بالضرورة أدوات مطيعة للقوى الداعمة، بل يمتلكون مصالحهم وحساباتهم الخاصة، وقد يدفعون الداعمين أنفسهم إلى مواقف لم يكونوا يرغبون في الوصول إليها.
ولا يمكن فصل هذه التحولات عن الأهمية المتزايدة للبحار والممرات الاستراتيجية. فالشرق الأوسط لا يُفهم فقط من خلال حدوده البرية، وإنما أيضًا من خلال البحار التي تحيط به والممرات التي تخترقه وتربطه بالعالم. وقد أصبحت حماية حركة التجارة والطاقة، وتأمين طرق الملاحة، ومراقبة المضائق، والحضور البحري، عناصر مركزية في التنافس الدولي والإقليمي. وبذلك تتداخل الجغرافيا السياسية مع الجغرافيا الاقتصادية بصورة متزايدة، بحيث يصبح أمن الممر البحري جزءًا من أمن الدولة، ويصبح اضطراب التجارة العالمية قادرًا على إنتاج آثار سياسية وأمنية تتجاوز حدود المنطقة.
ومع ذلك، فإن النظر إلى هذه التحولات من منظور الصراع وحده قد يؤدي إلى نتيجة ناقصة. فالشرق الأوسط لا يشهد تنافسًا فقط، وإنما يشهد أيضًا أشكالًا متزايدة من التعاون البراغماتي. فالدول التي تختلف سياسيًا قد تتعاون اقتصاديًا، والقوى التي تتنافس أمنيًا قد تنسق في ملفات محددة، والخصوم الإقليميون قد يجدون أن تكلفة المواجهة المفتوحة أصبحت أعلى من قدرة أي طرف على تحملها. وهذا يفتح المجال أمام فهم جديد للعلاقات الإقليمية لا يقوم على ثنائية الصراع والتعاون باعتبارهما حالتين منفصلتين، وإنما باعتبارهما مسارين يمكن أن يتجاورا في العلاقة نفسها.
وعليه، فإن مستقبل الشرق الأوسط لن تحدده الجغرافيا وحدها، كما لن تحدده القوة العسكرية وحدها، وإنما ستحدده قدرة الفاعلين على إدارة التفاعل بين الجغرافيا والقوة والمصالح. فإذا ظلت الممرات الاستراتيجية والطاقة والمواقع الجغرافية تُدار في ظل منطق المنافسة الصفرية، وإذا استمرت هشاشة الأمن الإقليمي، وتعددت الفواعل المسلحة، وظلت القوى الكبرى تستخدم المنطقة كساحة لتصفية الحسابات الاستراتيجية، فإن إعادة توزيع القوة قد تؤدي إلى إنتاج أنماط جديدة من الصراع بدلًا من إنهائه. أما إذا تمكنت دول المنطقة من تحويل تعددية النفوذ إلى تعددية تفاوضية، وبناء ترتيبات أمنية مرنة، وتطوير آليات للحد من سوء التقدير، فإن الجغرافيا التي طالما عُدّت مصدرًا للصراع يمكن أن تتحول إلى أساس للتعاون.
إن المسألة الجوهرية، إذن، ليست ما إذا كان الشرق الأوسط محكومًا بالصراع، وإنما ما إذا كانت المنطقة قادرة على الانتقال من إدارة التنافس بالقوة إلى إدارة التنافس بالقواعد. فالخطر الحقيقي لا يكمن في وجود المصالح المتعارضة؛ إذ إن التنافس جزء طبيعي من العلاقات الدولية، وإنما يكمن في غياب المؤسسات والقواعد التي تمنع التنافس من التحول إلى صراع مدمر. وبالمثل، فإن تعدد القوى ليس في ذاته مشكلة، فقد يكون أكثر توازنًا من هيمنة قوة واحدة، لكن المشكلة تظهر عندما تتعدد القوى دون أن تتعدد معها آليات الضبط والتفاهم وإدارة الأزمات.
وفي المحصلة، يمكن القول إن الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط لا تنتج الصراع بصورة حتمية، لكنها تمنح الصراع إمكانات استثنائية بسبب القيمة الاستراتيجية للمكان وتداخل المصالح الدولية والإقليمية. وما يحول هذه الإمكانات إلى صراعات فعلية هو التفاعل بين الجغرافيا وتوزيع القوة وهشاشة الأمن وتعدد الفواعل. ومن هنا فإن التحول من الأحادية القطبية إلى تعددية النفوذ لا ينبغي فهمه باعتباره نهاية للهيمنة أو بداية تلقائية لعصر من الاستقرار، وإنما باعتباره مرحلة انتقالية يعاد خلالها تحديد من يمتلك القوة، ومن يملك القدرة على التأثير، ومن يستطيع فرض قواعد اللعبة، ومن يملك القدرة على رفضها.
إن الشرق الأوسط يقف بذلك أمام مفارقة تاريخية: كلما ازدادت قيمة موقعه الاستراتيجي، ازدادت احتمالات التدخل والتنافس عليه؛ وكلما تعددت القوى القادرة على التأثير فيه، ازدادت فرص الاستقلال الإقليمي، لكنها ازدادت معها أيضًا تعقيدات إدارة الصراع. ولذلك فإن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بمن يملك القوة الأكبر، بل بمن يستطيع تحويل القوة إلى شرعية، والنفوذ إلى ترتيبات مستقرة، والتنافس إلى قواعد، والجغرافيا من مساحة للتصارع إلى مساحة للمصالح المشتركة. وفي هذا المعنى، فإن تجاوز فكرة “الصراع الأزلي” لا يتطلب تغيير جغرافية الشرق الأوسط، وهو أمر مستحيل، وإنما يتطلب تغيير الطريقة التي تُدار بها هذه الجغرافيا سياسيًا واستراتيجيًا.
المراجع:
- Helfont, S. (2023). Iraq against the world: Saddam, America, and the post-Cold War order. Oxford University Press.
- Lynch, M., Schwedler, J., & Yom, S. (Eds.). (2022). The political science of the Middle East: Theory and research since the Arab uprisings. Oxford University Press.
- Monshipouri, M. (2022). In the shadow of mistrust: The geopolitics and diplomacy of U.S.-Iran relations. Oxford University Press.
- Shehata, S. S. (Ed.). (2023). The struggle to reshape the Middle East in the 21st century. Edinburgh University Press.
- Stein, E. (2021). International relations in the Middle East: Hegemonic strategies and regional order. Cambridge University Press.
- Zayani, M., & Khalil, J. F. (2024). The digital double bind: Change and stasis in the Middle East. Oxford University Press.



