
دبي تحت اختبار العقوبات.. هل تهتز صورة الملاذ المالي المفتوح؟
د. عماد عنان
في 19 أغسطس/آب الجاري، اتخذت الإمارات خطوة تصعيدية جديدة تجاه إيران، بإعلان وقف جميع أشكال التجارة والتبادل التجاري والمعاملات المالية معها حتى إشعار آخر، في أعقاب اتهام طهران بإطلاق صواريخ استهدفت حركة الملاحة وأصابت أهدافًا إماراتية، وهي اتهامات نفتها إيران.
وبعد ثلاثة أيام فقط، أعلنت الإدارة الأميركية في 22 أغسطس/آب إطلاق ما وصفته بأكبر عملية “خنق اقتصادي” لإيران في التاريخ، من خلال حزمة جديدة من العقوبات لا تقتصر هذه المرة على الشركات والبنوك الإيرانية، بل تمتد إلى الدول والجهات التي تواصل تعاملاتها الاقتصادية والتجارية مع طهران.
هذا التزامن في التصعيد، سواء من جانب أبوظبي أو واشنطن، وبالحدة نفسها تقريبًا، يفتح الباب أمام جملة من التساؤلات حول طبيعة التحول في الموقف الإماراتي: هل تنتقل أبوظبي من كونها أحد أبرز المنافذ الاقتصادية التي اعتمدت عليها إيران لسنوات إلى جزء من منظومة الضغط الأميركية عليها؟ وكيف تحوّل الانحياز الأمني والاستراتيجي إلى واشنطن إلى اصطفاف اقتصادي أكثر وضوحًا؟ وإذا مضت الإمارات في هذا المسار، فمن سيتحمل في الداخل كلفة فك ارتباط اقتصادي وتشابك تجاري ومالي تشكل على مدار عقود؟
الإمارات.. رئة إيران الأهم إقليميًا
للوقوف على حجم التصعيد الذي تمثله الخطوة الإماراتية تجاه طهران، ومدى تأثيره وخطورته، تجدر الإشارة إلى أن العلاقات الاقتصادية بين الإمارات وإيران لم تكن يومًا علاقة تجارية تقليدية بين دولتين متجاورتين، بقدر ما شكّلت عقدة استراتيجية للاقتصاد الإيراني، ونافذة رئيسية اعتمدت عليها طهران في الالتفاف على جانب من العقوبات الغربية المفروضة عليها، ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الإمارات مثّلت على مدى عقود واحدة من أهم “الرئات الاقتصادية” التي تنفس من خلالها الاقتصاد الإيراني.
وتكشف الأرقام الرسمية حجم هذا التشابك، فالإمارات لم تكن شريكًا هامشيًا لإيران، بل واحدة من أبرز بوابات تجارتها الخارجية، فقبل اندلاع الحرب، كانت من أكبر الشركاء التجاريين لطهران، إذ وفرت نحو 30% من وارداتها، بقيمة إجمالية قاربت 21 مليار دولار في عام 2024، وفي المقابل، استحوذت السوق الإماراتية على نحو 13% من الصادرات الإيرانية خلال العام نفسه، بينما بلغ حجم التجارة الخارجية غير النفطية بين البلدين نحو 6.6 مليارات دولار.
وبحسب هذه المعطيات، فإن تجميد هذه العلاقة أو وقفها، حتى بصورة مؤقتة، لا يعني بالنسبة إلى طهران مجرد خسارة سوق تجارية أو شريك اقتصادي، وإنما تعطيل شريان رئيسي وواحدة من أهم البنى التي ساعدت الاقتصاد الإيراني على التكيف مع العقوبات الغربية المتلاحقة.
ومن هنا تكتسب الخطوة الإماراتية وزنًا يتجاوز بعدها الثنائي، إذ تجعل من أبوظبي عنصرًا مؤثرًا في معادلة الضغط الاقتصادي على إيران، وتمنح قرارها الاقتصادي قدرة أكبر على التأثير في واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية بالنسبة إلى طهران، بما يضع الإمارات عمليًا في موقع متقدم داخل الحرب الاقتصادية المتصاعدة ضد إيران.
واشنطن تستهدف الرئة الإماراتية
يبدو أن واشنطن أدركت مبكرًا حجم الأهمية التي تمثلها “الرئة الإماراتية” بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني، ولذلك جاء استهداف هذه المساحة بصورة تدريجية وعلى مراحل، ضمن مقاربة تراعي في الوقت نفسه حساسية المصالح المتشابكة بين أبوظبي وطهران، وخصوصية الشراكة الاستراتيجية بين الإمارات وأمريكا.
وخلال العامين الماضيين، كثفت وزارة الخزانة الأميركية من استهداف شركات وشبكات مسجلة أو عاملة داخل الإمارات، متهمة إياها بالمشاركة في منظومات مالية وتجارية تستخدمها طهران للالتفاف على العقوبات، وتحريك عائدات النفط والبتروكيماويات بعيدًا عن النظام المصرفي الإيراني الخاضع للقيود.
وبدأت ملامح هذا المسار تتضح في يونيو/حزيران، حين اتهمت واشنطن شركات واجهة في كل من الإمارات وهونغ كونغ بالعمل ضمن ما وصفته بـ”نظام الظل المصرفي” الإيراني، الذي تعتمد عليه طهران في تمرير عائداتها وتحريك الأموال بعيدًا عن القنوات الرسمية المباشرة، وبعد شهر واحد فقط، انتقلت واشنطن من مرحلة الاتهام إلى العقوبات المباشرة، ففرضت إجراءات على 22 كيانًا في الإمارات وهونغ كونغ وتركيا، قالت إنها شاركت في تسهيل مبيعات نفط إيرانية، ثم توسع الاستهداف في سبتمبر/أيلول ليشمل شبكة أخرى ضمت أفرادًا وشركات إماراتية، اتهمتها الخزانة الأميركية بتحويل أموال لصالح الحرس الثوري ووزارة الدفاع الإيرانية.
وفي يونيو/حزيران 2026، عادت واشنطن إلى استهداف شبكة قالت إنها استخدمت شركات واجهة في الإمارات والصين لتمرير شحنات من الغاز البترولي المسال الإيراني وإخفاء منشئها، قبل أن تتوسع الإجراءات لاحقًا لتشمل شركات مقرها دبي تعمل ضمن شبكات للصرافة والتجارة المرتبطة بطهران.
ثم جاءت الحزمة الأخيرة من العقوبات، التي قدمتها واشنطن بوصفها الأوسع والأشد في تاريخ الضغوط الاقتصادية على إيران، لتنتقل بالاستهداف من الشركات والكيانات الإيرانية وحدها إلى الدول والمؤسسات التي تواصل التعامل معها، وهو ما وضع الإمارات، بحكم موقعها كأحد أبرز المنافذ الاقتصادية والمالية لطهران، في قلب معادلة الضغط الجديدة.
أبو ظبي – واشنطن.. من الشراكة الأمنية إلى الاقتصاد
قبل التطرق إلى المقاربة الإماراتية في التعامل مع الضغوط الأميركية من جهة، والحفاظ على شبكة مصالحها الاقتصادية مع طهران من جهة أخرى، تبدو الإشارة إلى طبيعة العلاقة بين أبوظبي وواشنطن ضرورية لفهم حجم التعقيد الذي يحيط بأي قرار إماراتي في هذا الملف، خصوصًا أن هذه العلاقة لم تعد محصورة في نطاق الشراكة الأمنية والدفاعية، بل امتدت سريعًا إلى تشابك اقتصادي واستثماري يصعب تجاهله أو التضحية به بسهولة.
فعلى مدار عقود، ارتبطت أبوظبي وواشنطن بعلاقات عسكرية وأمنية وثيقة، تُوجت في سبتمبر/أيلول 2024 بترحيب أميركي رسمي بالإمارات باعتبارها “شريكًا دفاعيًا رئيسيًا”، قبل أن يوقع البلدان في مايو/أيار 2025 خطاب نوايا لوضع خريطة طريق لشراكة دفاعية أكثر تكاملًا، تشمل مجالات الجاهزية العسكرية، والتشغيل المشترك، والتعاون في الابتكار والصناعات الدفاعية.
لكن العلاقة خلال الفترة الأخيرة تجاوزت حدود الشراكة الأمنية التقليدية، فمع توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية الكبرى، دخلت العلاقات مرحلة أكثر عمقًا وتشابكًا؛ ففي مايو/أيار 2025 أبرم الجانبان اتفاقات تجارية تجاوزت قيمتها 200 مليار دولار، بالتوازي مع تعهدات إماراتية باستثمارات طويلة الأجل في الولايات المتحدة تصل إلى 1.4 تريليون دولار.
وبهذا الانتقال من الشراكة الدفاعية إلى الارتباط الاقتصادي الواسع، باتت أبوظبي أمام معادلة أكثر حساسية في موازنة علاقتها بكل من واشنطن وطهران، فالمسألة لم تعد تتعلق فقط باختيار سياسي بين حليف أمني وشريك تجاري، بل بشبكة مصالح متداخلة يصعب تفكيكها من دون كلفة، ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا وجدت الإمارات نفسها مضطرة إلى تقليص ارتباطها بأحد الطرفين تحت وطأة الضغوط والتصعيد، فأي ثمن يمكن أن تتحمله؟ وأي علاقة سيكون فك الارتباط بها أقل كلفة، وأي خسارة تستطيع أبوظبي تحملها دون أن تمس موقعها الاستراتيجي أو مصالحها الاقتصادية؟
أبوظبي بين كلفة إيران ومكاسب واشنطن
تجد أبوظبي نفسها اليوم أمام اختبار صعب لسياسة “مسك العصا من المنتصف” التي حكمت لسنوات جانبًا مهمًا من مقاربتها للعلاقة مع كل من واشنطن وطهران، ففي الوقت الذي عمّقت فيه شراكتها مع الولايات المتحدة أمنيًا وعسكريًا واقتصاديًا، حافظت في المقابل وبشكل برغماتي بحت على شبكة واسعة من المصالح التجارية والمالية مع إيران، رغم ما شاب العلاقات بين البلدين من توترات وخلافات سياسية متقطعة، غير أن التطورات الأخيرة تبدو كفيلة بإعادة النظر في تلك المعادلة.
وبهذا المعنى، تبدو الإمارات أمام خيارين كلاهما مكلف، إما تقليص ارتباطها الاقتصادي بإيران عبر قطع جانب واسع من شرايين التجارة والتمويل، وما يترتب على ذلك من خسائر مباشرة لبعض القطاعات والشركات، مقابل حماية علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن وما توفره من مكاسب أمنية وعسكرية واقتصادية وسياسية؛ أو التمسك بجزء من هذه العلاقة مع طهران، بما قد يفتح الباب أمام ضغوط أميركية أكبر ويعرض مصالح أوسع للخطر.
تشير المؤشرات إلى أن الإمارات تمضي بخطى متسارعة نحو تعميق اندماجها في الشراكة الاستراتيجية مع أمريكا، في مسار بدأ بالتعاون الأمني والدفاعي، ثم امتد إلى الاقتصاد والاستثمار، وصولًا إلى مستوى قد يجعل أبوظبي إحدى الأدوات الإقليمية المؤثرة في تنفيذ الأجندة الأميركية في المنطقة.
وبحسابات الربح والخسارة، اقتصاديًا وسياسيًا ولوجستيًا، يبدو أن كفة الولايات المتحدة تظل الأثقل في الحسابات الإماراتية، خاصة بعدما وسعت واشنطن دائرة الضغط لتشمل الشركاء التجاريين لطهران وهددتهم بعواقب قد تصل إلى تقييد الوصول إلى النظام المالي الأميركي، وهو تحول يعيد صياغة معادلة أبوظبي بالكامل، لأن تكلفة الحفاظ على بعض المصالح مع إيران قد تصبح أعلى بكثير من العائد المتحقق منها.
ولا يشترط في هذا السياق أن تطلب واشنطن من الإمارات بصورة مباشرة أو علنية الانخراط في حصار اقتصادي شامل على إيران؛ فسياسة الضغط يمكن أن تعمل بوسائل أقل صخبًا وأكثر تأثيرًا، يكفي أن ترسل الولايات المتحدة إشارات واضحة، علنية أو عبر القنوات المغلقة، تجعل أمام صانع القرار الإماراتي معادلة بسيطة، أن تصبح كلفة استمرار التعامل مع طهران أعلى من كلفة التخلي عنه، وعندها يتحول القرار من مسألة اصطفاف سياسي إلى حسابات خاضعة للمكسب والخسارة.
ثمن باهظ.. كلفة فك الارتباط مع طهران
بطبيعة الحال، فإن استجابة الإمارات للضغوط الأميركية الرامية إلى تقليص ارتباطها الاقتصادي بإيران لن تكون بلا كلفة، مهما كانت الامتيازات أو المكاسب التي قد تجنيها أبوظبي في المقابل من علاقتها بواشنطن، فمثل هذا التحول من شأنه أن يترك تداعيات مباشرة على عدد من القطاعات التي استفادت لعقود من التشابك التجاري والمالي مع السوق الإيرانية.
ويأتي في مقدمة هذه القطاعات إعادة التصدير والتجارة والخدمات اللوجستية في دبي، خاصة أن جانبًا كبيرًا من حركة التجارة بين البلدين يمر من الإمارات إلى إيران، بما يجعل أي توقف أو تراجع حاد في هذه التدفقات مرشحًا للانعكاس على شركات الشحن والتجارة والمستودعات والوكلاء والموزعين، فضلًا عن الأنشطة المرتبطة بالموانئ والمناطق الحرة الإماراتية.
ولا يبدو القطاع المصرفي والمالي بعيدًا عن هذه التداعيات، إذ ستجد البنوك وشركات الصرافة والمؤسسات العاملة في التمويل التجاري نفسها أمام متطلبات أكثر صرامة للتحقق من هوية المستفيدين من المعاملات، والتأكد من عدم وجود ارتباط إيراني مباشر أو غير مباشر بها، ومع تشديد إجراءات الامتثال، قد تنكمش مساحة من الأنشطة المالية والتجارية التي استفادت منها دبي تاريخيًا بحكم موقعها وسيطًا بين إيران والأسواق الخارجية.
لكن الكلفة الأكثر حساسية ربما تتجاوز الخسائر المباشرة إلى نموذج دبي الاقتصادي نفسه، الذي تشكل خلال عقود على أساس تقديم الإمارة بوصفها مركزًا تجاريًا وماليًا عالميًا يتمتع بدرجة عالية من الانفتاح والمرونة، وقادرًا على استقطاب رؤوس الأموال القادمة من بيئات سياسية واقتصادية مختلفة.
ومن هنا، فإن انتقال أبوظبي إلى تجميد أصول إيرانية على نطاق واسع أو وقف التعاملات المالية مع الكيانات المرتبطة بطهران قد يحمل رسالة تتجاوز إيران وحدها، إذ قد يدفع بعض المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بإيداع أصولهم داخل الإمارات، خصوصًا إذا ترسخ الانطباع بأن هذه الأصول يمكن أن تصبح عرضة للتجميد أو القيود نتيجة تغيرات جيوسياسية أو عقوبات تفرضها قوى خارجية.
وبذلك لا تصبح المسألة مجرد خسارة جانب من التجارة مع إيران، بل اختبارًا أكثر تعقيدًا لقدرة دبي على الموازنة بين التزامها بالمنظومة المالية الغربية من جهة، والحفاظ على صورتها كمركز مالي وتجاري عالمي محايد نسبيًا ومفتوح أمام رؤوس الأموال من جهة أخرى.
في المحصلة، تشير المؤشرات إلى أن الإمارات تمضي بخطى متسارعة نحو تعميق اندماجها في الشراكة الاستراتيجية مع أمريكا، في مسار بدأ بالتعاون الأمني والدفاعي، ثم امتد إلى الاقتصاد والاستثمار، وصولًا إلى مستوى قد يجعل أبوظبي إحدى الأدوات الإقليمية المؤثرة في تنفيذ الأجندة الأميركية في المنطقة.
ولا يبدو أن حدود هذا التحول ستتوقف عند الملف الإيراني وحده، إذ قد تمتد تداعياته إلى ساحات وملفات إقليمية أخرى تتقاطع فيها المصالح الأميركية مع حسابات القوى المحلية، وهو ما يضع السياسة الإماراتية أمام اختبار يتعلق بمدى قدرتها على الاحتفاظ بهامش استقلال في قراراتها وعلاقاتها الإقليمية.. وهنا تبرز المعضلة الأهم بالنسبة إلى أبوظبي: ما الثمن الذي يمكن أن تدفعه من رصيد علاقاتها مع جوارها الإقليمي، ومن مرتكزات سياستها الوطنية السابقة، مقابل تثبيت موقعها داخل المنظومة الأميركية وما يرتبط بها من تحالفات إقليمية، وفي مقدمتها إسرائيل؟
(نون بوست)



