
صفقة روسية تربك حسابات القرن الأفريقي.. لماذا تراقب القاهرة تسليح إثيوبيا؟
د. عماد عنان
أثار إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تسلُّم بلاده 12 مقاتلة روسية متطورة من طراز «سوخوي-35»، واستعدادها للحصول على أربع بطاريات من منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400»، موجة جديدة من الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية المصرية بشأن تداعيات الصفقة على موازين القوى العسكرية في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل، لا سيما أن روسيا، الشريك الاستراتيجي والعسكري البارز للقاهرة، هي الطرف المورّد لهذه الأسلحة المتطورة إلى أديس أبابا.
وأعاد الإعلان الذي نشره آبي أحمد عبر حسابه على منصة «إكس»، الأربعاء 28 تشرين الأول/أكتوبر 2026، إثارة التساؤلات بشأن انعكاسات تنامي القدرات العسكرية الإثيوبية على الحسابات الاستراتيجية للقاهرة، خصوصًا في ظل استمرار الخلافات حول سد النهضة، وتصاعد المساعي الإثيوبية للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر؛ وهما ملفان يرتبطان بصورة مباشرة بمحددات الأمن القومي المصري، وتتعامل معهما القاهرة باعتبارهما من القضايا الحساسة التي تمس مصالحها الاستراتيجية وأمنها المائي.
وتراقب القاهرة بحذر أي تحركات إثيوبية من شأنها تعزيز القدرات العسكرية والسياسية لأديس أبابا، في ظل تصاعد حدة الخطاب السياسي والإعلامي الإثيوبي خلال الفترة الأخيرة، وما يحمله من توجهات تتقاطع مع المصالح المصرية وثوابتها الاستراتيجية في المنطقة.. فلماذا تثير صفقة التسليح الروسية لإثيوبيا مخاوف القاهرة، وإلى أي مدى يمكن أن تعيد رسم موازين القوة والحسابات الاستراتيجية في المنطقة؟
التوقيت.. علامة استفهام
شكّل توقيت الإعلان عن الصفقة الروسية الإثيوبية أحد أبرز التساؤلات التي طُرحت في الشارع المصري، إذ تزامن مع استضافة موسكو اجتماعًا روسيًا أفريقيًا تسعى من خلاله إلى توسيع نطاق شراكاتها الاستراتيجية مع دول القارة، وتعزيز حضورها السياسي والعسكري والاقتصادي، مع الحرص على إظهار قدر من التوازن في علاقاتها بالقوى الإقليمية المختلفة.
ويرى مراقبون أن الإعلان عن الصفقة بالتزامن مع انعقاد الاجتماع يضع موسكو أمام حرج دبلوماسي، ويكشف عن تعقيدات الموازنة بين مصالحها وشراكاتها المتشابكة داخل القارة الأفريقية، لا سيما أن تعزيز القدرات العسكرية الإثيوبية يتقاطع مع حسابات الأمن القومي المصري ومصالح القاهرة الاستراتيجية، التي ترتبط بدورها بعلاقات وثيقة مع روسيا شهدت خلال السنوات الأخيرة تقاربًا ملحوظًا وتفاهمات واسعة في ملفات التعاون العسكري والسياسي والاقتصادي، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن حدود التفاهمات المصرية الروسية ومدى قدرة موسكو على الحفاظ على توازن علاقاتها مع القاهرة وأديس أبابا في ظل تصاعد التنافس الإقليمي بين البلدين.
دلالات سياسية وعسكرية
من جانبه، يرى الدكتور رمضان قرني، الخبير في الشؤون الأفريقية، أن صفقة التسليح الروسية الجديدة التي أعلن عنها رئيس الوزراء الإثيوبي تنطوي على دلالات سياسية وعسكرية متعددة، لا يمكن فصلها عن التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة الإثيوبية، في ظل استمرار الصراعات الداخلية وتصاعد التوترات الأمنية والعسكرية في منطقة القرن الأفريقي.
وأوضح قرني، في تصريحات صحفية، أن الإعلان الإثيوبي يحمل في المقام الأول رسالة ردع عسكرية موجهة إلى إريتريا، في ضوء التدهور المتزايد في العلاقات بين البلدين خلال الأشهر الأخيرة، وتصاعد الاتهامات التي وجهتها أديس أبابا إلى أسمرة، بالتزامن مع حملات إعلامية وسياسية متبادلة، وصولًا إلى إعلان إثيوبيا إغلاق سفارتها في العاصمة الإريترية وطرد عشرات الدبلوماسيين الإريتريين، بما يعكس عمق الأزمة بين الجانبين واحتمالات انتقالها إلى مستويات أكثر تصعيدًا.
وربط الخبير في الشؤون الأفريقية بين توقيت الصفقة وتصاعد الخطاب السياسي الإثيوبي بشأن ضرورة تأمين منفذ بحري على البحر الأحمر، وتحديدًا عبر ميناء عصب الإريتري، مشيرًا إلى أن بعض التقديرات والتحليلات تذهب إلى أن نجاح الحكومة الإثيوبية في استعادة السيطرة الكاملة على إقليم تيجراي قد يتيح لها إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية، وربما يمهد لتحركات باتجاه إريتريا خلال المرحلة المقبلة، في ظل استمرار الخلافات بشأن الوصول إلى البحر الأحمر.
ولفت قرني إلى أن الإعلان عن الصفقة تزامن مع الكشف عن توجه إثيوبي لاقتناء طائرات للتزود بالوقود جوًا، وهي قدرات من شأنها توسيع المدى العملياتي للقوات الجوية الإثيوبية وزيادة قدرتها على تنفيذ مهام عسكرية ممتدة، معتبرًا أن هذا التطور قد يشكل مؤشرًا إضافيًا على سعي أديس أبابا إلى تعزيز جاهزيتها لسيناريوهات عسكرية محتملة، بما في ذلك احتمال المواجهة مع إريتريا، دون أن يعني ذلك بالضرورة حتمية الانزلاق إلى صراع مسلح بين البلدين.
ما الذي يقلق القاهرة؟
في المقابل، ذهبت تقارير وتحليلات نشرتها مواقع إعلامية إثيوبية إلى أن صفقة التسليح الروسية الجديدة قد تحمل انعكاسات مباشرة على حسابات القوة الجوية المصرية، في ظل ما يمكن أن تحدثه من تطور نوعي في قدرات القوات الجوية ومنظومات الدفاع الجوي الإثيوبية، الأمر الذي قد يؤثر على معادلات التوازن والردع العسكري بين القاهرة وأديس أبابا، خصوصًا في ظل استمرار التوترات بين البلدين بشأن سد النهضة وملف مياه النيل والبحر الأحمر.
وتثير الصفقة، في هذا السياق، تساؤلات بشأن مدى تأثير التحديث العسكري الإثيوبي على الحسابات الاستراتيجية والعملياتية للقاهرة، إذ من شأن امتلاك مقاتلات متطورة من طراز «سوخوي-35» تعزيز قدرات إثيوبيا في مجال السيطرة الجوية وحماية مجالها الجوي، بما قد يرفع الكلفة والمخاطر المرتبطة بأي عمليات جوية محتملة داخل الأراضي الإثيوبية.
كما أن حصول أديس أبابا على منظومات الدفاع الجوي الروسية بعيدة المدى «إس-400»، حال إتمام تسليمها ودخولها الخدمة، قد يمنحها مظلة دفاعية إضافية تعزز قدراتها على الرصد والاعتراض، وتفرض معطيات جديدة على حسابات التفوق الجوي والردع الإقليمي.
وفي السياق ذاته، ربطت منصات إعلامية إثيوبية بين التوسع في القدرات العسكرية لأديس أبابا وطموحاتها الاستراتيجية الرامية إلى تأمين منفذ بحري على البحر الأحمر، إلى جانب تعزيز قدرتها على حماية منشآتها المائية وسدودها المقامة على نهر النيل، وفي مقدمتها سد النهضة.
وهي مقاربات تحمل في طياتها رسائل سياسية وعسكرية غير مباشرة إلى القاهرة، وتكشف عن حضور المصالح المصرية في صلب الحسابات الاستراتيجية الإثيوبية، بما يجعل الصفقة تتجاوز حدود التحديث التقليدي للترسانة العسكرية إلى أبعاد أوسع تتصل بموازين الردع وإعادة تشكيل معادلات القوة والنفوذ في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل.
وفي خضم هذه التطورات المتسارعة، أعرب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال كلمته أمام القمة الروسية الأفريقية، عن قلق القاهرة البالغ إزاء تصاعد التوترات في منطقة القرن الأفريقي، مؤكدًا رفض مصر القاطع لأي تهديدات من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار الإقليمي، أو دفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد العسكري.
وشدد السيسي على موقف مصر الرافض لعسكرة البحر الأحمر أو تحويله إلى ساحة للصراعات والتنافس العسكري، محذرًا من تداعيات أي أنشطة أو تحركات عسكرية من شأنها تهديد أمن هذا الممر الملاحي الاستراتيجي، بما يعكس حساسية المرحلة الراهنة في ظل تزايد التوترات الإقليمية وتشابك المصالح الدولية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
صفقة مزعجة وتساؤلات مشروعة
من جانبه، وصف السفير المصري فوزي عشماوي الصفقة بأنها «بالغة الإزعاج»، معتبرًا أن الإعلان عن حصول أديس أبابا على 12 مقاتلة متطورة من طراز «سوخوي-35»، المصنفة ضمن الجيل الرابع المعزز، إلى جانب منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400»، التي تُعد من بين أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطورًا في العالم، ولا تمتلكها سوى دول محدودة، من بينها تركيا، يمثل تحولًا مهمًا في معادلات القوة والتوازن العسكري بالمنطقة، ويثير تساؤلات جدية بشأن انعكاساته على الأمن الإقليمي، لا سيما في ظل ما وصفه بالسلوك الإثيوبي التصعيدي والاستفزازي تجاه مصر خلال الفترة الماضية.
وأشار عشماوي، في منشور عبر صفحته الشخصية على موقع «فيسبوك»، إلى أن خطورة الصفقة لا تقتصر على طبيعة الأسلحة المتطورة التي تتضمنها، وإنما تمتد إلى ما قد تمنحه من ثقة عسكرية وسياسية إضافية للقيادة الإثيوبية، متسائلًا عما إذا كان هذا التعزيز النوعي لقدرات أديس أبابا سيدفعها إلى مزيد من التشدد في مواقفها الإقليمية، أو المضي قدمًا في تنفيذ خططها لإقامة سدود جديدة على روافد نهر النيل، بما قد يترتب عليه، وفق تقديره، تداعيات جسيمة تمس الأمن المائي المصري وتهدد مصالح القاهرة الوجودية.
وطرح السفير المصري تساؤلات أخرى تتعلق بمصادر تمويل الصفقة، في ظل ما تواجهه إثيوبيا من تحديات اقتصادية حادة واضطرابات وصراعات داخلية تقترب، بحسب وصفه، من حالة الحرب الأهلية، مستفسرًا عن كيفية تدبير الموارد المالية اللازمة للحصول على هذه المنظومات العسكرية مرتفعة التكلفة، وما إذا كانت هناك أطراف إقليمية قد أسهمت في تمويلها أو تسهيل إتمامها، محذرًا من أن ثبوت مثل هذا الدور قد يحمل تداعيات استراتيجية بالغة الخطورة على المصالح المصرية.
كما أثار عشماوي تساؤلات بشأن طبيعة التنسيق السياسي والعسكري بين القاهرة وموسكو، في ضوء العلاقات الوثيقة التي تجمع البلدين، متسائلًا عما إذا كانت مصر على علم مسبق بالصفقة، وما إذا كانت قد اتخذت خطوات دبلوماسية للحيلولة دون إتمامها أو الحد من تداعياتها. أما إذا كانت القاهرة قد فوجئت بالإعلان عنها، فإن ذلك، من وجهة نظره، يفتح الباب أمام تساؤلات أكثر حساسية بشأن كفاءة قنوات التنسيق وتبادل المعلومات الاستراتيجية، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على استباق التحولات العسكرية التي قد تؤثر في معادلات الأمن القومي المصري.
الضغوط الأمريكية تحولها من القاهرة إلى أديس أبابا
وفي سياق متصل، يطرح الكاتب المصري فراج إسماعيل بُعدًا آخر للصفقة الروسية الإثيوبية، مشيرًا إلى أن مقاتلات «سوخوي-35» التي أعلن عن حصول إثيوبيا عليها كانت، في الأصل، جزءًا من صفقة تسليح تعاقدت عليها القاهرة مع موسكو قبل سنوات، لكنها لم تكتمل نتيجة ضغوط أمريكية واعتبارات فنية وعسكرية.
وأوضح إسماعيل أن مصر وقّعت عام 2018 اتفاقًا مع روسيا لشراء ما يتراوح بين 24 و26 مقاتلة تفوق جوي من طراز «سوخوي-35» (Su-35SE)، بقيمة إجمالية قُدرت بنحو ملياري دولار، في إطار استراتيجية مصرية استهدفت تنويع مصادر التسليح وتعزيز قدرات القوات الجوية بمقاتلات متطورة تتمتع بمدى عملياتي واسع، وقدرات على الاشتباك مع الأهداف الجوية خارج نطاق الرؤية المباشرة.
وأرجع الكاتب المصري تراجع القاهرة عن استلام المقاتلات، بحسب تفسيره، إلى مجموعة من العوامل السياسية والعسكرية، في مقدمتها الضغوط الأمريكية المرتبطة بقانون “مكافحة أعداء الولايات المتحدة من خلال العقوبات” (CAATSA)، موضحًا أن واشنطن وجّهت تحذيرات إلى مصر بشأن احتمال تعرضها لعقوبات اقتصادية وعسكرية حال المضي قدمًا في تنفيذ الاتفاق، بما قد ينعكس على المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية، وإمدادات قطع الغيار اللازمة للمقاتلات المصرية من طراز «إف-16» والمروحيات الهجومية «أباتشي»، فضلًا عن التأثير المحتمل على فرص إبرام صفقات تسليح مستقبلية، من بينها مقاتلات «إف-15» الأمريكية المتقدمة.
واختتم الكاتب المصري طرحه بالإشارة إلى أن تعثر الصفقة المصرية، وفق روايته، وضع الجانب الروسي أمام معضلة تتعلق بمصير عدد من المقاتلات التي سبق تصنيعها وتخصيصها للقاهرة، وظلت دون تسليم لسنوات، معتبرًا أن الاتفاق مع إثيوبيا قد يكون أتاح لموسكو فرصة لإعادة تسويق هذه الطائرات والتخلص من أعباء الاحتفاظ بها، بما يضيف بُعدًا اقتصاديًا وتسليحيًا إلى الصفقة، ويثير في الوقت ذاته تساؤلات بشأن انتقال مقاتلات كانت مخصصة للقوات الجوية المصرية إلى دولة ترتبط معها القاهرة بخلافات استراتيجية عميقة حول مياه النيل وسد النهضة.
(الترا صوت)



