
إيران بعد الحرب: حين يتحول فائض المركزية إلى انفجار داخلي
د. جيهان علو – باحثة في الشأن الإيراني
ليست أخطر لحظات الدول عندما تخسر حرباً، بل عندما تنجو منها وهي تحمل الأسئلة التي حاولت طويلاً إخفاءها. فالحرب لا تكشف فقط حجم الترسانة العسكرية، بل تكشف أيضاً طبيعة الدولة التي تقف خلف هذه الترسانة، وحدود قدرتها على إدارة تناقضاتها.
وفي الحالة الإيرانية، لم تكن الحرب مجرد مواجهة مع خصوم خارجيين كإسرائيل والولايات المتحدة، بل كانت مرآة عكست أزمة أعمق: دولة قادرة على بناء نفوذ يتجاوز حدودها، وتمويل حلفاء في أكثر من دولة رغم اختلاف الطبيعة الإيديولوجية لكل حليف، لكنها ما زالت عاجزة عن بناء علاقة مستقرة مع أجزاء واسعة من مجتمعها.
إيران بعد الحرب وبعد مقتل خامنئي المرشد الأعلى لا تبدو كدولة تتحرك بإرادة سياسية واحدة، بل كدولة ذات صوتين، صوت رسمي يتحدث بلغة التهدئة وإعادة الحسابات والانفتاح والدبلوماسية السياسية، ومحاولة لملمة خسائر الحرب وإعادة بناء الثقة مع محيطها الإقليمي، وصوت آخر محافظ ينطلق من مراكز قوة يرى أن أي تراجع هو بداية انهيار المنظومة الأمنية التي تشكلها المؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري، وأن استمرار المواجهة و الدافع الانتقامي هو الضمان الوحيد لبقاء النظام.
ليست المشكلة في وجود خلافات داخل أي دولة، فالخلاف السياسي ظاهرة طبيعية، لكن المعضلة الإيرانية تكمن في أن الخلاف لا يدور فقط حول الوسائل، بل حول تعريف الخطر نفسه: هل الخطر الأكبر يأتي من الخارج، أم من التصدعات التي تتوسع في الداخل؟
فمنذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، لم تكن الدولة الإيرانية بنية سياسية بسيطة، بل منظومة معقدة تجمع بين مؤسسات منتخبة ومؤسسات عقائدية وأمنية تمتلك نفوذاً واسعاً.، ومع مرور الزمن، وخصوصاً بعد الحرب العراقية الإيرانية، ثم التحولات التي أعقبت مرحلة الخميني، وبعد سقوط النظام العراقي عام 2003، توسعت أدوار المؤسسات العسكرية والأمنية حتى أصبح بعضها لاعباً سياسياً واقتصادياً وإقليمياً يتجاوز دوره التقليدي.
هنا يظهر الحرس الثوري كأحد المفاتيح الأساسية لفهم إيران الحديثة. فهو ليس مجرد مؤسسة عسكرية تحمل السلاح، بل جزء من بنية السلطة نفسها، يمتلك رؤية خاصة للأمن والمصلحة الوطنية، ويرى أن بقاء المشروع السياسي مرتبط باستمرار النفوذ الخارجي والقبضة الداخلية، لذلك فإن التناقض بين خطاب المسؤولين وسلوك الأجهزة المرتبطة بالقوة ليس مصادفة، بل انعكاس لصراع أعمق حول من يملك القرار النهائي عندما تتعارض السياسة مع منطق الأمن.
فبالنسبة للتيار المتشدد داخل النظام، فإن الدولة لا يمكن أن تستمر إلا عبر مركزية شديدة وقوة أمنية واسعة، في هذا التصور، يصبح الاختلاف الداخلي احتمالاً للفوضى، ويصبح الانفتاح مخاطرة، وتتحول كل مساحة لا تخضع بالكامل للمركز إلى مصدر قلق وتهديد للدولة. فالدولة هنا لا تُعرّف فقط بقدرتها على إدارة المجتمع، بل بقدرتها على السيطرة عليه، سواء عبر الرقابة الأمنية أو التضييق على المجال العام أو فرض قيود واسعة على تداول المعلومات.
لكن تيارات أخرى داخل النظام تدرك أن استمرار هذا النهج يراكم أزمات يصعب احتواؤها، فالعقوبات الاقتصادية، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتزايد الشعور بالتهميش في بعض المناطق، كلها مؤشرات على أن الأمن و المركزية الشديدة وحدها لا ينتج استقراراً دائماً. فالقوة تستطيع تأجيل الأزمة، لكنها لا تستطيع محو أسبابها.
وفي نظام كالنظام الإيراني يعيش تحت هاجس التهديد الدائم، يتحول الأمن أحياناً من وسيلة لحماية الدولة إلى طريقة لإعادة تعريفها. وعندما يصبح كل اختلاف قابلاً للتفسير باعتباره خطراً، لا يعود السؤال: من يعارض الحكومة؟ بل يصبح السؤال: من يملك الحق في ألا يوافق الحكومة المركزية في طهران؟
هذا المنطق يظهر بوضوح في المناطق التي تحمل تاريخاً طويلاً من التوتر مع المركز، ففي الأحواز العربية، تبدو إحدى أكثر المفارقات الإيرانية وضوحاً: منطقة غنية بالنفط والغاز والموارد الاستراتيجية، لكنها تعاني من أزمات اقتصادية وبيئية واجتماعية عميقة. فالثروة الموجودة تحت الأرض لم تتحول بالضرورة إلى شعور بالعدالة فوقها. وعندما تنفصل الثروة عن التنمية، يتحول سؤال الاقتصاد إلى سؤال سياسي يتعلق بعلاقة المركز بالأطراف.
كما في المناطق الكوردستانية في إيران، وخصوصاً القريبة من إقليم كوردستان العراق، بقي الملف الأمني هو اللغة الأساسية في التعامل مع الكثير من القضايا السياسية والاجتماعية، فالاعتقالات، والأحكام القاسية، والإعدامات بحق بعض المتهمين بقضايا سياسية، وفق ما وثقته منظمات حقوق الإنسان، تكشف استمرار مقاربة ترى في الهوية والمطالب السياسية مصدر تهديد قبل أن تراها جزءاً من واقع اجتماعي يحتاج إلى معالجة سياسية.
الأكثر دلالة أن آلة الاتهام لم تميز دائماً بين أطراف المعارضة المختلفة. فالمعارضة الإيرانية ليست كتلة واحدة، بل تضم قوميين ويساريين ومحافظين و متشددين وناشطين مدنيين وقوى ذات مشاريع متباينة لمستقبل البلاد. ومع ذلك، يجري أحياناً اختزال هذا التنوع كله في سردية واحدة تقوم على فكرة الارتباط بالخارج أو العمالة له أو الخروج عن العقيدة .هذه الطريقة في إدارة الصراع ليست جديدة؛ فهي منطق تعرفه الأنظمة التي تجد صعوبة في الفصل بين الدولة والسلطة. فعندما يصبح الخارج حاضراً في كل تفسير، يصبح من السهل تحويل الداخل إلى مساحة مراقبة دائمة. وعندما يصبح الولاء للنظام معياراً للانتماء الوطني، تصبح المعارضة وكأنها خروج من الوطن لا اختلافاً صحياً داخله.
لكن الواقع أكثر تعقيداً. فمعارضة السلطة لا تعني بالضرورة تأييد أعداء إيران، ورفض سياسات الحكومة لا يعني فقدان الانتماء لإيران ، وقد رفضت تيارات واسعة داخل المعارضة تحويل البلاد إلى ساحة حرب بين القوى الدولية والإقليمية، رغم خلافها العميق مع النظام السياسي القائم. فالمعارضة، في جوهرها، لا تُختزل في العداء الخارجي، بل في سؤال داخلي حول طبيعة الدولة ومستقبلها.
وفي هذا الفراغ السياسي، ظهر التيار المؤيد لعودة الملكية المرتبط برضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، كأحد الأصوات المعارضة التي اكتسبت حضوراً خلال الاحتجاجات والأزمات الأخيرة، إلا أن مستقبل إيران لن يُحسم بمجرد العودة إلى الماضي أو استمرار الحاضر كما هو، فالمجتمع الإيراني أكثر تعقيداً من أن يُختزل بين خيارين فقط، وأي مشروع سياسي يتجاهل التنوع القومي والاجتماعي سيواجه الأزمات نفسها التي واجهتها النماذج السابقة مراراً و تكراراً. ولهذا رفعت قطاعات واسعة من المعارضة شعار رفض العودة إلى الملكية السابقة كما رفض استمرار الجمهورية الإسلامية، في تعبير عن رغبة في تجاوز ثنائية “الشاه أو الملالي” والبحث عن صيغة سياسية مختلفة.
غير أن السؤال الأكبر الذي يواجه إيران لا يتعلق فقط بمستقبل النظام الحالي، بل أيضاً بالمرحلة الانتقالية التي قد تلي مرحلة علي خامنئي، فانتقال السلطة في نظام يقوم جزء كبير من شرعيته على مركزية المرشد الأعلى لن يكون مجرد تغيير في الشخص، بل اختباراً لطبيعة التوازن بين المؤسسات السياسية والمؤسسات الأمنية والعسكرية. وهنا تكمن حساسية المرحلة المقبلة؛ إذ إن الصراع قد لا يكون فقط بين السلطة والمعارضة، بل داخل مراكز القوة نفسها حول شكل الدولة وحدود نفوذ كل مؤسسة.
فالمعضلة الإيرانية اليوم ليست فقط في كيفية مواجهة الخصوم خارج الحدود كإسرائيل، بل في كيفية مواجهة الأسئلة داخل الحدود. فالدول لا تصبح مستقرة لأنها تمتلك صواريخ أكثر أو نفوذاً أوسع، بل لأنها تمتلك القدرة على بناء علاقة أقل خوفاً وحذراً مع مواطنيها.
وقد تستطيع السلطة إسكات احتجاج بالقوة، كما حدث في احتجاجات متعددة خلال الشهور الماضية وسقط فيها ضحايا إيرانيون في مدن مختلفة كأصفهان و إيلام و كرمانشاه، وقد تستطيع احتواء أزمة مؤقتة وإظهار صورة القوة. لكنها لا تستطيع إلى الأبد إلغاء الأسئلة التي تنتجها الحالة امجتمعية نفسها. فالجدران العالية قد تمنع الناس من رؤية ما يحدث خلفها، لكنها لا تمنع الأصوات من التراكم في الداخل بحثاً عن التحرر.
كما أن استمرار التركيز على النفوذ الخارجي أصبح جزءاً من معادلة معقدة تواجهها إيران، فبينما استثمرت طهران موارد سياسية وأمنية كبيرة في بناء شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة في المنطقة، بقيت ملفات داخلية مثل التنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والعلاقة بين المركز والأطراف، دون حلول جذرية. فالحفاظ على النفوذ الإقليمي قد يمنح الدولة أوراق قوة خارجية، لكنه لا يعالج بالضرورة أسباب التوتر داخل حدودها.
إذ أصبحت العلاقة مع حلفاء إيران الإقليميين، مثل حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق، جزءاً من الجدل حول حدود الدور الإيراني في المنطقة. فالدعم الذي تقدمه طهران لهذه القوى يمنحها نفوذاً استراتيجياً، لكنه في الوقت نفسه يثير أسئلة تتعلق بالسيادة الوطنية للدول التي تنشط فيها هذه القوى، وبقدرة تلك الدول على إدارة قراراتها الأمنية بعيداً عن صراعات القوى الإقليمية والدولية.
كما أن استمرار هذه المعادلة يمنح خصوم إيران، وفي مقدمتهم إسرائيل، مبررات إضافية لتوسيع المواجهة، ما يجعل بعض الدول العربية ساحات لصراعات لا تتطابق دائماً مع أولويات شعوبها، ويضع مفهوم السيادة أمام اختبار صعب بين نفوذ القوى الخارجية ومصالح المجتمعات المحلية.
إيران تقف اليوم أمام لحظة مفصلية. فمستقبلها لن يتحدد فقط بنتائج صراعاتها الخارجية، بل بقدرتها على الإجابة عن سؤال أكثر صعوبة: هل تستطيع دولة بُني جزء كبير من شرعيتها على فكرة الصراع العقائدي و السياسي المستمر أن تتحول إلى دولة تدير الاختلاف بدلاً من محاربته؟ وهل تستطيع الانتقال من منطق الاحتواء الأمني إلى منطق المشاركة السياسية؟
فالدول لا تنهار دائماً عندما يهزمها أعداؤها، بل عندما تصبح المسافة بينها وبين مجتمعها أكبر من قدرتها على الاحتواء. وعندما يصبح الحفاظ على الحلفاء خارج الحدود أكثر أولوية من معالجة الأزمات داخلها، فالدولة قد تربح جولات في الخارج لكنها تخسر المعركة الأهم: قدرتها على إقناع مواطنيها بأنها تمثلهم.
و التحدي الأكبر أمام إيران ليس فقط كيف تواجه خصومها إسرائيل و أميريكا و بعض دول الخليج، بل كيف تعيد تعريف علاقتها بنفسها، فالدولة التي تخشى أسئلتها الداخلية ستبقى في حالة دفاع دائم و توجه أصابع الاتهام إلى هذا و ذاك بدلاً من ترتيب أولوياتها و ملفاتها المعقدة و العالقة في الداخل الإيراني الذي وصل لأعلى درجة من الانهيار الاقتصادي و الأمني .



