
حين يُراد للفائز أن يفوز.. الفيفا ومنطق اللعبة المختطفة
د. عماد عنان
أثبتت كرة القدم العالمية، رغم كونها في حقيقتها وفلسفتها القائمة لعبة للترفيه والتنافس النزيه، أنها لم تعد تُحسم داخل المستطيل الأخضر وحده كما تقول اللوائح وتدّعي معايير العدالة الرياضية، فقد تحولت في كثير من لحظاتها الكبرى إلى ساحة اشتباك واسعة، تتداخل فيها السياسة بالمال، والتحكيم بحسابات النفوذ، والرعاية التجارية بمصالح القوى الكبرى.
ولعل ما جرى في مباراة مصر والأرجنتين، ضمن دور الـ16 من مونديال 2026، يجسد هذه الحقيقة بوضوح، فقد خسر المنتخب المصري في مشهد درامي وغير متوقع، بعدما ظل حاضرًا بقوة ومهيمنًا على مجريات اللقاء لقرابة 80 دقيقة، قبل أن تنقلب المباراة بطريقة أثارت كثيرًا من الجدل والشكوك حول طبيعة ما يحدث داخل المنظومة الكروية العالمية.
ولم تكن أزمة مباراة مصر والأرجنتين مجرد خلاف حول قرارات تحكيمية، كما يحاول البعض اختزالها، فهذا أمر وارد في تلك اللعبة، بل بدت حلقة جديدة في سلسلة ممتدة من التجاوزات التي أفقدت الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” جانبًا كبيرًا من مصداقيته، وعمّقت أزمة الثقة بين الجماهير والمنظمة المسؤولة عن اللعبة الأكثر شعبية في العالم، فحين يشعر الجمهور بأن نتائج المباريات الكبرى قد تتأثر بحسابات سياسية أو اقتصادية أو تسويقية، فإن الأزمة لا تعود أزمة حكم أو تقنية فيديو، بل أزمة منظومة كاملة.
وبعيدًا عن إقصاء المنتخب المصري، سواء جرى ذلك بفعل أخطاء عابرة أو بفعل حسابات أخرى، يبقى السؤال الأهم: هل بقيت كرة القدم لعبة للترفيه والتنافس الشريف، أم تحولت إلى أداة نفوذ سياسي ومالي؟ وهل تستطيع اللعبة، في ظل هذه الخروقات المتكررة، أن تحتفظ بجماهيريتها وثقة شعوب العالم؟ وماذا عن العدالة الغائبة التي تدفع ثمنها منتخبات لا تمتلك الثقل التسويقي أو السياسي الكافي؟
فضائح علنية
تكمن خطورة ما حدث في مباراة مصر والأرجنتين في أنه لم يقع في الظل أو خلف الأبواب المغلقة، بل جرى على الملأ، وعلى الهواء مباشرة، وفي واحد من أكثر المحافل الرياضية شعبية ومتابعة في العالم، فقد جاءت القرارات التحكيمية المثيرة للجدل في وضح النهار، أمام ملايين المشاهدين، لتثير موجة غضب واسعة بين جماهير اللعبة ولاعبيها وحكامها ونقادها، حتى بدا الأمر أقرب إلى قضية رأي عام لا مجرد خلاف فني حول تقدير حكم أو تدخل تقنية فيديو.
وقد عبّر عدد من الحكام السابقين واللاعبين والمحللين الرياضيين عن انتقادات واضحة لتلك القرارات، وسط تلميحات إلى وجود ازدواجية في تطبيق المعايير داخل البطولة، كما جاء على لسان الحكم الإسباني السابق والمحلل التحكيمي في إذاعة “ماركا”، إدواردو بورول، ومواطنه إيتورالدي غونزاليس، إلى جانب نجم المنتخب الأرجنتيني السابق كلاوديو لوبيز، وأسطورة الكرة الإنجليزية إيان رايت، فضلًا عن عدد من الصحف العالمية التي تعاملت مع ما جرى بوصفه مشهدًا مثيرًا للريبة، بل ذهب بعضها إلى اعتباره محاولة لإقصاء المنتخب المصري من البطولة أمام الأرجنتين.
اللافت أن هذه الواقعة لم تأتِ معزولة عن سياق أوسع، بل سبقتها بساعات قليلة فضيحة أخرى أكثر دلالة على تداخل السياسة بالرياضة، حين قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه، في سابقة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط الكروية.
وبينما حاول “فيفا” تقديم القرار في إطار قانوني وإجرائي، جاء تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليكشف البعد السياسي للواقعة بصورة فجة، بعدما أكد أنه طلب من الاتحاد الدولي لكرة القدم مراجعة قرار إيقاف مهاجم منتخب بلاده، ليتم التراجع عن العقوبة سريعًا، وهنا لم تعد المسألة مجرد مراجعة تحكيمية، بل تحولت إلى نموذج صارخ على قدرة السياسة على التدخل في قرارات يفترض أنها رياضية مستقلة، بما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص ويعمّق الشكوك حول نزاهة المنظومة التي تدير اللعبة عالميًا.
حسابات النفوذ في مواجهة العدالة الرياضية
هناك اتفاق واسع على أن الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” لم يعد يدير اللعبة بمنطق رياضي خالص، بل وفق حسابات مركبة تضع اعتبارات التسويق والرعاية والعائد التجاري في موقع متقدم، وفق ما ذهب عدد من النقاد الرياضيين ممن يرون أن الثقل السياسي والاقتصادي لكل منتخب أو نجم عالمي بات عاملًا حاضرًا في مسار اللعبة، ليس بالضرورة من خلال توجيه مباشر أو قرار معلن، بل عبر مناخ عام يؤثر ضمنيًا في طريقة إدارة البطولة وقراءة المواقف الحساسة داخلها.
وفي حديثهم لـ“نون بوست” قال النقاد إن المقارنة بين لاعب بحجم ليونيل ميسي ومنتخب مثل مصر تكشف جانبًا من هذه المعادلة المختلة؛ فميسي لا يُنظر إليه فقط كلاعب كبير، بل كأيقونة تسويقية عالمية تمثل للفيفا وشبكات الرعاية والبث مصدرًا ضخمًا للمكاسب والانتشار، ومن ثم، فإن بقاء اسم بهذا الحجم داخل البطولة يكتسب وزنًا تجاريًا وإعلاميًا يتجاوز حدود الملعب.
وأشاروا كذلك إلى أن هذا المنطق لا يقتصر على إدارة المباريات الكبرى، بل يمتد إلى منظومة الجوائز العالمية نفسها، حيث تلعب اعتبارات التسويق والرعاية والصورة التجارية للنجم دورًا مؤثرًا في تشكيل المزاج العام وتحديد هوية الفائزين، إلى جانب المعايير الفنية والرياضية المعلنة.
ومن هنا، ووفق هذه القراءة، تبدو شعارات العدالة الرياضية والنزاهة الكروية أقرب إلى خطاب تسويقي موجه للجماهير، أكثر منها واقعًا كاملًا يحكم إدارة اللعبة، فالفيفا، التي تدرك حجم ارتباط الشعوب بكرة القدم، تحرص على الحفاظ على صورة اللعبة باعتبارها مساحة للتنافس الشريف، بينما تكشف الوقائع المتكررة أن المصالح السياسية والاقتصادية والتسويقية باتت حاضرة بقوة في خلفية المشهد، خصوصًا وهي تقترب من واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها التنظيمي والمالي.
خلط الرياضة بالسياسة.. علاقة ترامب – إنفانتينو نموذجًا
بعيدًا عن البعد الاقتصادي والتسويقي، يجد الاتحاد الدولي لكرة القدم نفسه غارقًا في وحل السياسة، بصورة أو بأخرى، رغم أن لوائحه تنص صراحة على حياد المؤسسة في الشؤون الدينية والسياسية، غير أن الوقائع المتلاحقة تكشف فجوة واضحة بين النصوص والممارسة، وتضع المؤسسة الكروية الأكبر في العالم في قفص اتهام مفتوح بشأن استقلاليتها ونزاهة قراراتها.
هذا فضلًا عن ازدواجية المعايير الفاضحة التي تحكم سلوك “فيفا”، وهي ازدواجية تبدو مرهونة بالهوى السياسي وحسابات القوة أكثر من ارتباطها بمبادئ العدالة والإنسانية التي ترفعها المؤسسة شعارًا عند الحاجة، ففي الوقت الذي يتشدد فيه الاتحاد الدولي مع بعض الدول، ويستأسد عليها تحت لافتة الدفاع عن القيم الإنسانية، كما حدث مع المنتخب الروسي بعد الحرب على أوكرانيا وما تبعها من عقوبات وإقصاء، يلتزم صمتًا لافتًا إزاء ما يتعرض له الشعب الفلسطيني على يد قوات الاحتلال.
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي والسياسي الأكثر حرجًا: لماذا تُفعَّل العقوبات الرياضية سريعًا في حالة، بينما تُجمَّد أو تُعطَّل في حالة أخرى أكثر مأساوية إنسانيًا؟ ولماذا يُعامل المنتخب الروسي باعتباره امتدادًا سياسيًا لدولته، بينما يُفصل منتخب الكيان المحتل عن جرائم سلطته وممارساتها ضد الفلسطينيين؟
ولعل علاقة رئيس “فيفا” جياني إنفانتينو بترامب تمثل أحد أكثر النماذج وضوحًا على هذا التداخل الفج بين الرياضة والسياسة، فقد تحولت هذه العلاقة إلى مادة جدل واسع داخل الأوساط الرياضية والإعلامية، لما عكسته من انجراف متزايد للمؤسسة الكروية عن مسارها المستقل، وانزلاقها نحو حسابات سياسية وشخصية معقدة، تتجاوز حدود التنسيق الطبيعي مع دولة تستضيف بطولة كبرى.
بدأت ملامح هذا التقارب مع اختيار الولايات المتحدة لاستضافة النسخة الحالية من كأس العالم، بالشراكة مع المكسيك وكندا، قبل أن تتوالى المؤشرات اللافتة، من بينها افتتاح “فيفا” مكتبًا في برج ترامب بنيويورك، في خطوة وُصفت بأنها تعمّق الصلات بين المؤسسة الرياضية العالمية والرئيس الأمريكي، وتزامن ذلك مع تكرار ظهور إنفانتينو إلى جانب ترامب في مناسبات مرتبطة بالمونديال واللجنة المنظمة للبطولة، بما عزز الانطباع بأن العلاقة لم تعد مجرد علاقة بروتوكولية بين منظمة رياضية ودولة مضيفة.
ثم جاءت خطوة منح “فيفا” ترامب جائزة سلام مستحدثة خلال قرعة المونديال في واشنطن، لتزيد من حدة الانتقادات، فقد اعتُبرت الجائزة، في نظر منتقديها، خروجًا واضحًا عن مبدأ الحياد السياسي الذي يفترض أن يحكم عمل الاتحاد الدولي، كما دفعت منظمة FairSquare إلى تقديم شكوى ضد إنفانتينو أمام لجنة الأخلاقيات في الاتحاد الدولي، متهمة إياه بخرق واجب الحياد، خاصة أن مدونة الأخلاقيات تلزم مسؤولي الاتحاد بتجنب الانحياز السياسي في تعاملاتهم مع الحكومات والمؤسسات الوطنية والدولية.
ومع انطلاق المونديال، تجلّى التداخل الفج بين السياسة والرياضة في أكثر من محطة، كان أبرزها شطب الاتحاد الدولي اسم الحكم الصومالي الدولي عمر عبد القادر أرتان من قائمة حكام كأس العالم 2026، رضوخًا لإملاءات واشنطن وضغوطها السياسية، كذلك القيود التي فُرضت على المنتخب الإيراني وبعض لاعبيه، بما كشف أن البطولة لم تكن بمنأى عن الحسابات السياسية للدولة المضيفة. والأخطر أن “فيفا”، التي طالما رفعت شعار الحياد واستقلال الرياضة، التزمت صمتًا لافتًا إزاء تلك التدخلات، وكأنها تمنحها غطاءً ضمنيًا.
وأخيرًا، جاءت واقعة مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون لتمنح هذه المخاوف بعدًا أكثر مباشرة، فالتراجع عن عقوبة اللاعب، بعد تدخل سياسي معلن من ترامب، بدا في نظر كثيرين نموذجًا صارخًا على قابلية “فيفا” للرضوخ لضغوط الدول الكبرى، حتى في ملفات يفترض أنها انضباطية ورياضية بحتة، وهنا لم تعد المسألة مجرد قرار إداري قابل للتبرير القانوني، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمبدأ استقلالية المؤسسة وعدالة تطبيق اللوائح.
سجل حافل بالفساد
لم تكن أزمة مباراة مصر والأرجنتين، ولا حتى واقعة البطاقة الحمراء لمهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون، حوادث منفصلة أو وليدة اللحظة، بل تأتي ضمن سياق أوسع وسجل طويل من الأزمات التي لاحقت “الفيفا” على المستويات المالية والإدارية والسياسية، وهو سجل كشف، في أكثر من محطة، حجم التشابك العميق بين المال والنفوذ والسياسة داخل المؤسسة الكروية الأكبر في العالم.
ومن أبرز الوقائع التي هزت صورة الاتحاد الدولي لكرة الدقم عالميًا، فضيحة عام 2015، حين أعلنت وزارة العدل الأمريكية اتهام تسعة من مسؤولي الاتحاد الدولي وخمسة مسؤولين تنفيذيين في شركات رياضية وتسويقية، في قضايا ابتزاز وغسل أموال ورشاوى، ارتبطت بالحصول على حقوق إعلامية وتسويقية لبطولات كرة قدم دولية، وقد كشفت تلك القضية عن شبكة مصالح واسعة داخل كرة القدم العالمية، تتداخل فيها حقوق البث والرعاية والتسويق مع مواقع القرار داخل الاتحادات القارية والدولية.
كما برزت قضية الرئيس السابق للاتحاد الدولي جوزيف بلاتر ورئيس الاتحاد الأوروبي السابق ميشيل بلاتيني، على خلفية دفعة مالية مثيرة للجدل، انتهت بقرار لجنة الأخلاقيات في الاتحاد إيقافهما ثماني سنوات، قبل أن تُخفف العقوبة لاحقًا إلى ست سنوات، وقد مثّلت تلك الواقعة زلزالًا مدويًا داخل أركان المؤسسة، ليس فقط بسبب أسماء المتورطين فيها، بل لأنها كشفت حجم الصراع على السلطة والنفوذ داخل المنظمة التي تدير اللعبة الأكثر شعبية في العالم.
هذا إلى جانب الاتهامات المتكررة التي لاحقت الاتحاد بشأن آليات اختيار الدول المستضيفة للمونديال، وما يثار بين حين وآخر عن شبهات مرتبطة بالتصويت، والصفقات، والضغوط السياسية والاقتصادية، وحتى إن لم تُحسم كل هذه الاتهامات قضائيًا أو تُوثق بصورة نهائية، فإن تكرارها وتراكمها داخل الوسط الرياضي يكفيان لتغذية أزمة الثقة، وتشويه صورة “فيفا”، وإضعاف ادعائها الدائم بالاستقلال والحياد.
ومن هنا، فإن أي أزمة تحكيمية أو قرار انضباطي مثير للجدل لا يُقرأ بمعزل عن هذا التاريخ، فالجمهور لم يعد يتعامل مع أخطاء الفيفا باعتبارها مجرد تجاوزات إدارية أو تقديرات فنية، بل يضعها في إطار منظومة طالما لاحقتها شبهات الفساد، وتداخل المصالح، وخضوع القرارات لحسابات المال والسياسة والنفوذ.
من هنا تكمن الخطورة الحقيقية في أن تتحول كرة القدم من لعبة للترفيه، ورسالة سلام وتلاقٍ بين الشعوب، ومساحة لتعزيز الإخاء الإنساني، إلى ساحة للتمييز والانحيازات غير المعلنة، ساحة لا تُدار فيها الأمور بمنطق الجهد والعرق والموهبة والعدالة الرياضية المستندة إلى اللوائح والقوانين، بل بمنطق النفوذ، وحسابات الاقتصاد، والرعاية، والمصالح السياسية.
وحين تصل اللعبة إلى هذه النقطة، فإن الأزمة لا تعود في قرار تحكيمي أو نتيجة مباراة، بل في جوهر المنظومة التي تدير كرة القدم عالميًا، عندها لن يكون السؤال: من فاز داخل الملعب؟ بل: من أُريد له أن يفوز؟ ومن دُفعت المنظومة كي تُبقيه حاضرًا في المشهد؟ وتلك هي اللحظة التي تفقد فيها كرة القدم معناها، وتتحول من لعبة الشعوب إلى أداة في يد أصحاب النفوذ.
(نون بوست)



