مقالات

المنتخب والمواطنة.. نحو تمثيل طبيعي يقطع ألسنة الفتنة

لم يكن هذا المونديال مجرد بطولة لكرة القدم، بل جاء كمونديال للمفاجآت، شاهدًا على تحولات غير متوقعة داخل المستطيل الأخضر وخارجه.

وفي الوقت الذي كانت فيه أنظار الجماهير البسيطة متعلقة بالمستطيل الأخضر، تتابع منتخباتها الوطنية وتشجعها بحماس وانتماء، فُتحت أبواب جانبية لتداول أحاديث بعيدة كل البعد عن الرياضة، تداخلت فيها السياسة بالدين بشكل لافت.

ومن بين القضايا التي أُثيرت على الهامش، ظهرت أصوات من خارج البلاد وداخلها، ومعها بعض المراقبين الأجانب، يوجهون سهام النقد إلى المشهد الرياضي المصري، متعجبين من خلو صفوف المنتخب الوطني من اللاعبين المسيحيين، ومحاولين استغلال مسميات ارتبطت بالمنتخب مثل “منتخب الساجدين” لإثارة البلبلة، وصناعة الفتنة، وتعكير صفو أجواء الوحدة خلف منتخبنا، وتمزيق نسيجنا الوطني. أو بمعنى أبسط: محاولة “تهييجنا على بعضنا البعض”.

والرد على هؤلاء، وعلى تلك المنصات الخارجية والداخلية، يبدأ من هنا؛ من قلب الشارع المصري. فنحن كمسيحيين نعيش في هذا الوطن، نملك من النضج والتعقل والوعي ما يجعلنا نترفع تمامًا عن هذه الأحاديث الموجهة. ولدينا من العقل ما يجعلنا أكبر بكثير من أن ننساق وراء محاولات إشعال أزمات وهمية.

فالمسألة بالنسبة لنا لم تكن يومًا قائمة على حسابات الهوية الدينية داخل الملعب، بل على الانتماء لراية الوطن، والبحث عن الفوز، والدفاع عن اسم مصر. كما أن لقب “الساجدين” لم يكن في أعيننا يومًا أداة إقصاء، بل هو مظهر تعبدي نشترك فيه جميعًا بمعناه الروحي؛ فالمسيحي أيضًا يسجد لله في عبادته. وهو في النهاية لقب يعكس ثقافة مجتمعنا المصري الذي يعيش التدين بالفطرة، ونحن نحترم ذلك تمامًا ولا نرى فيه أزمة.

ولكن، إذا كنا في الداخل نتجاوز هذه الأحاديث بوعينا المعهود، فإن هذا الوعي نفسه يفرض علينا اليوم، كمصريين، مسؤولية التفكير بذكاء وقائي للمستقبل. فحماية جبهتنا الداخلية لا تعني فقط تجاهل مثل هذه الأحاديث المغرضة، بل تعني أيضًا إغلاق الثغرات التي يتسلل منها المتربصون؛ أولئك الذين يشبهون “الثعالب الصغيرة المفسدة للكروم”.

وكما يفعل الفلاح بيقظته، فهو لا ينتظر حتى تدخل الثعالب الصغيرة وتأكل العنب ثم يبدأ في طردها، بل يبني السياج المدفون مسبقًا، ويحصن الأرض حتى يفوّت عليها فرصة التسلل من الأساس. وهذا تمامًا هو “الوعي الوقائي” الذي نطالب به لحماية “كرم الوطن”.

ومن هنا نتساءل بشجاعة: ما المانع أن نعمل حسابًا لهذا الأمر مستقبلًا؟ ما المانع أن نكون أكثر انتباهًا لصورة هذا الوطن أمام العالم، وأن نقطع الألسنة تمامًا، فلا نترك فرصة أو ثغرة لأي طرف خارجي أو داخلي كي يثير الفتنة؟

إن الوعي القادم يتطلب منا أن نمنح فرصة حقيقية للمشاركة والوجود المسيحي في المنتخب المصري لكرة القدم. وهذا المطلب لا ينطلق أبدًا من باب “الكوتة”، ولا من منطق المطالبة بـ“حصة للمسيحيين”، ولا يعني فرض مجاملات طائفية على حساب كفاءة المنتخب، فهذا أمر نرفضه تمامًا. وإنما ننطلق من مطلب العدالة الطبيعية: أن يأخذ كل شاب مصري مسيحي موهوب فرصته العادلة لتمثيل بلده، بناءً على جهده وموهبته، دون أن تحول بينه وبين حلمه أي تخوفات أو عوائق.

الأمر يتطلب التفاتة حقيقية من المنظومة الرياضية، تبدأ من كشافي الأندية وأكاديميات الناشئين، للبحث عن المواهب في كل ربوع مصر دون تمييز، وتشجيعها، وتذليل أي عقبات أو تخوفات قد تدفع بعض الأسر المسيحية إلى إبعاد أبنائها عن احتراف الساحرة المستديرة.

إن وجود لاعبين مسيحيين في صفوف المنتخب، يمثلون بلدنا في المحافل الدولية، ليس فقط حقًا من حقوق المواطنة، بل هو أيضًا خطوة وقائية وجمالية في آن واحد. خطوة تسحب البساط تمامًا من تحت أقدام أي محاولة خارجية للعب بورقة الدين، وتقدم للعالم الصورة الحقيقية والمكتملة لمصر: دولة المواطنة التي يتسع ملعبها للجميع دون تفرقة.

حماية نسيجنا الوطني تبدأ من وعينا. والوعي الذكي هو الذي يتحرك إلى الأمام، ويفتح الأبواب للمواهب، ويقطع جذور الفتنة قبل أن تنبت، لتظل الأقدام المصرية كلها تتحرك في الملعب دفاعًا عن قميص واحد، وعلم واحد، وهدف واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى