
سيلفيا مكرم: حسام حسن وعلم فلسطين.. حين لا تنفصل الوطنية عن الإنسانية
مع صافرة النهاية التي أعلنت انتصار منتخب مصر، التقت رغبة مشجع في المدرجات مع استجابة تلقائية من الكابتن حسام حسن، الذي تسلّم منه علم فلسطين وبسطه أمام الكاميرات إلى جانب علم مصر.
بهذا المشهد، حوّل الكابتن حسام حسن ليلة النصر الكروي إلى رسالة إنسانية عميقة.
هذه اللقطة العفوية أراها بعيدة كل البعد عن دهاليز السياسة ومصالحها؛ فهي ببساطة صرخة تضامن نابعة من فطرة بشرية سوية، وضمير يرفض ما يراه العالم كل يوم من قتل للمدنيين الأبرياء، وحرب إبادة تطال الأطفال والنساء في غزة، وهو ما أكدته الهيئات الرياضية الدولية لاحقًا باعتبار المشهد تعبيرًا تضامنيًا مشروعًا خاضعًا للوائح الفيفا.
إن الرسالة الأجمل التي قدمها هذا المشهد هي أننا، كمصريين، في أوج فرحتنا واحتفالنا بنصرنا الرياضي، لا يمكن أن ننسى من يتألمون، فرحتنا لم تُنسِنا وجع جيراننا، بل كانت دافعًا لنشاركهم بارقة أمل، ولنذكر العالم بقضيتهم في لحظة يتابعنا فيها الجميع.
هذه هي الشهامة الأصيلة؛ ألا تغلق الفرحة قلوبنا عن رؤية دموع الآخرين، كما أن ذلك، بالمناسبة، لا يتنافى مع الوطنية؛ فالوطنية إن لم تحمل في طياتها وعيًا بمعاناة الآخر، فقدت جانبها الإنساني، ولم تعد وطنية مكتملة المعنى.
وهذا ليس شعورًا محليًا فحسب، بل هو امتداد لضمير عالمي، ففي الأوقات الأخيرة رأينا مواقف مشرفة لعدد كبير من الممثلين والفنانين والمؤثرين من مختلف دول العالم، ينتمون إلى ديانات وطوائف وثقافات شتى، يتجاوزون كل الفروق، ويرفعون علم فلسطين في كبرى المحافل الفنية والمهرجانات الدولية انحيازًا للإنسان.
ومن هنا، فلا يوجد أي مانع من اتحاد الفن والرياضة؛ فكلاهما لغة عالمية تفهمها كل الشعوب. وحين تلتقي هاتان القوتان الناعمتان على رفض الإبادة، تدرك البشرية أن ضميرها لا يزال حيًا.
هذا الموقف يجسد في جوهره أسمى التعاليم الروحية والمبادئ الإنسانية النبيلة التي حثت عليها الأديان السماوية، وما تربيت عليه أنا شخصيًا. فالمسيحية علمتنا عمق المشاركة الوجدانية والإنسانية، وحثتنا وصايا الإنجيل المقدس قائلة:
«فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ» رومية 12: 15
وما حدث في الملعب كان تطبيقًا حيًا لهذه الآية، ففي الوقت الذي كنا فيه “فرحين مع الفرحين” بالانتصار المصري، كانت قلوبنا في اللحظة ذاتها “تبكي مع الباكين” في غزة، أولئك الذين يمرون بآلام الفقد والدمار.
امتزجت ابتسامة الفوز الرياضي بدمعة الحزن الإنساني، لتؤكد أن الأديان في جوهرها تدعو إلى هذا التعاطف الشامل.
أما عن محاولات وضع هذا التصرف في قالب المقارنات، وطرح تساؤلات غير واعية مثل: لماذا رفع علم فلسطين وشكر دعم الشعب الفلسطيني، ولم يخص بالشكر الجاليات المصرية من المسلمين والمسيحيين الذين زحفوا خلف المنتخب، وتحملوا مشاق السفر والتنقل في أمريكا لدعمه؟
فالرد هنا يكمن في أصول الواجب والتقاليد الشعبية الأصيلة.
الجمهور المصري، بجميع طوائفه وفئاته، الذي سافر ودعم المنتخب، هو “صاحب البيت وصاحب الفرح”. والامتنان له ضمني ومتبادل. وكما نقول في ثقافتنا: لا شكر على واجب بين الأهل.
فابن الوطن لا ينتظر بروتوكولًا ليدعم بلده، والتتويج باسمه أولًا وأخيرًا، حسام حسن لم يكن يتجاهل شعبه، بل كان يطبق أصول العرف والاعتراف بالفضل، حين التفت ليشكر “الجمهور الغريب” والضيف غير المصري، ومنهم الأشقاء الفلسطينيون والعرب، الذين اقتطعوا من وقتهم وجاءوا ليدعموا مدربًا ومنتخبًا لا ينتمي إلى بلدهم.
شكر الغريب نبل وأخلاق، ودعم ابن البلد لمنتخبه حب وعفوية.
ختامًا، يضعنا هذا المشهد أمام حقيقة فكرية مهمة، وهي أن هناك فرقًا واضحًا بين الانتماء والولاء للوطن، وبين الإحساس الإنساني، لكنهما لا يتنافيان أبدًا.
الانتماء هو عقيدة وفخر بالهوية والتراب، وهو ما تجلى في قتال اللاعبين داخل الملعب، وهتاف الجماهير في المدرجات. أما الإحساس، فهو الفطرة السوية التي تجعلنا نتألم لألم الإنسان أينما كان.
الوطنية الحقيقية لا تعني الأنانية أو موت المشاعر. والقلب الذي يتسع للإنسانية ويتعاطف مع قضية عادلة، هو الأجدر بأن يحمل لوطنه ولاءً صادقًا ونبيلًا.
هذه الليلة أثبتت أن مكاسب مصر لم تكن مجرد نقاط في ملعب، بل كانت انتصارًا للضمير الإنساني الذي لا يتجزأ.


