هرمز يربك حلفاء طهران.. هل بدأت كلفة التصعيد؟
د. عماد عنان
عاد مضيق هرمز مجددًا إلى واجهة التصعيد الإقليمي، بعد أن أعلنت السلطات الإيرانية إغلاقه مرة أخرى، عقب انفراجة لم تصمد سوى ساعات قليلة، في خطوة قالت طهران إنها جاءت ردًا على استمرار الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية، معتبرة أن واشنطن أخلّت بالتفاهم القائم، بما يستوجب العودة إلى نقطة الصفر وإعادة فرض القيود السابقة على الملاحة في المضيق.
وفي سياق هذا التصعيد، استهدفت زوارق بحرية إيرانية عددًا من السفن التي حاولت عبور المضيق، ما أثار ردود فعل غاضبة لدى بعض الدول، وفي مقدمتها الهند، التي عبّرت عن قلقها إزاء استهداف سفينتين ترفعان العلم الهندي أثناء محاولتهما العبور، ودفع ذلك نيودلهي إلى استدعاء السفير الإيراني، لإبلاغه رسالة احتجاج واضحة، والمطالبة بسرعة استئناف تسهيل مرور السفن المتجهة إلى الموانئ الهندية.
ويعكس الموقف الهندي حالة انزعاج متنامية من الكيفية التي تدير بها طهران ورقة مضيق هرمز، وهي حالة قد لا تبقى محصورة في الهند وحدها، بل مرشحة للامتداد إلى دول أخرى، بينها أطراف تُصنف ضمن شركاء إيران أو حلفائها، لكنها تكبدت خسائر مباشرة وغير مباشرة جراء الإغلاقات المتكررة للمضيق.
مثل هذا التصعيد يفتح الباب أمام تساؤلات متزايدة بشأن الكلفة السياسية والاقتصادية لاستخدام إيران مضيق هرمز كورقة ضغط، وسلاح استراتيجي في مواجهة الولايات المتحدة، وحجم التداعيات التي قد تتركها هذه السياسة على شبكة علاقات طهران مع حلفائها داخل المعسكر الشرقي.
كلفة اقتصادية مرتفعة
يعتمد أبرز حلفاء إيران في المعسكر الشرقي، وفي مقدمتهم الصين وروسيا والهند، على مضيق هرمز بوصفه ممرًا استراتيجيًا بالغ الأهمية في معادلة الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، وإن تفاوتت درجات هذا الاعتماد من دولة إلى أخرى.
فالمضيق يمثل شريانًا حيويًا بالنسبة إلى بكين ونيودلهي على نحو خاص، وبدرجة أقل نسبيًا بالنسبة إلى موسكو، لكنه يظل، في المجمل، أحد الممرات التي لا يمكن التعامل مع تعطيلها بوصفه حدثًا عابرًا، نظرًا لما يتركه من ارتدادات عميقة على الاقتصادات الكبرى المرتبطة به.
بالنسبة إلى الصين والهند، يتجلى هذا الاعتماد بصورة أساسية في ملفي النفط والغاز، إذ يستحوذ البلدان معًا على نحو 44% من إجمالي النفط الذي يمر عبر المضيق، فيما تحصل بكين على قرابة نصف وارداتها النفطية من الشرق الأوسط عبر هذا المسار، الأمر الذي يجعل أي إغلاق أو تعطيل طويل الأمد مصدر قلق بالغ لهما، ليس فقط من زاوية أمن الطاقة، بل أيضًا من زاوية الاستقرار الاقتصادي وحسابات النمو والأسعار.
ولا يتوقف الأمر عند حدود الطاقة وحدها، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد والأمن الغذائي في البلدين، حتى وإن لم يكن مضيق هرمز الممر الرئيسي المباشر لتوفير احتياجاتهما الغذائية، ومن هنا، فإن أي اضطراب ممتد في المضيق من شأنه أن يدفع بكين ونيودلهي إلى تبني سياسات أكثر تشددًا لحماية مصالحهما وتقليل حجم الخسائر.
أما روسيا، فتبدو أقل انكشافًا من الصين والهند في ملف الطاقة، بحكم كونها منتجًا كبيرًا للنفط والغاز، بما يسمح لها بتلبية احتياجاتها المحلية دون اعتماد مباشر على مضيق هرمز، ومع ذلك، فإن موسكو ليست بمنأى عن ارتدادات أي اضطراب يطول هذا الممر، لا سيما في ما يتعلق بالأمن الغذائي العالمي، وأسواق الأسمدة، وحركة التجارة، فضلًا عن التأثيرات الجيوسياسية الأوسع التي تفرضها مثل هذه الأزمات على بنية الاقتصاد الدولي.
وفي ضوء هذه المعطيات، فإن تعطيل مضيق هرمز أو إغلاقه لا يمثل مجرد ورقة ضغط إيرانية في مواجهة خصومها، بل يضع أيضًا حلفاءها أمام كلفة اقتصادية وجيوسياسية ثقيلة، تتفاوت حدتها وفق درجة اعتماد كل دولة على المضيق، وحجم احتياطاتها النفطية والغذائية، وقدرتها على امتصاص الصدمات خلال المراحل الحرجة، وبقدر ما يمنح هذا الممر طهران أداة تأثير كبرى، فإنه يفتح في المقابل بابًا واسعًا للتساؤل حول حدود قدرة حلفائها على تحمل تبعات استخدامه كورقة تصعيد متكررة.
توتر صامت
منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير/شباط الماضي، ومع لجوء طهران إلى توظيف مضيق هرمز بوصفه إحدى أوراقها الاستراتيجية الضاغطة في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، حرص حلفاؤها على تجنب الانخراط في مسار تصعيدي موازٍ، سواء على مستوى الخطاب السياسي أو التناول الإعلامي، حيث انصب تركيز تلك العواصم، منذ البداية، على التحذير من مخاطر إغلاق المضيق وتداعياته على سوق الطاقة العالمي، مع الدعوة إلى وقف الحرب وتفادي الانزلاق نحو سيناريوهات من شأنها أن تفضي إلى ارتدادات واسعة تتجاوز أطراف الصراع المباشرين.
وعلى الرغم من تصاعد الكلفة الاقتصادية والسياسية، وتبني المجتمع الدولي خطابًا أكثر حدة تجاه طهران، وصل إلى حد الدفع نحو فتح المضيق بالقوة، فإن الصين وروسيا وقفتا حائلًا دون تمرير هذا المسار داخل مجلس الأمن، بعدما استخدمتا حق النقض لإسقاط مشروع قرار كان من شأنه إضفاء غطاء دولي على أي تحرك عسكري لفتح مضيق هرمز، مما يكشف وبصورة واضحة استمرار الدعم السياسي الصيني والروسي لإيران، رغم الأثمان التي تكبدتها الدولتان، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جراء إغلاق المضيق وتعطيل الملاحة فيه.
لكن مع إطالة أمد الحرب، وتصاعد الكلفة الاقتصادية الناجمة عن استخدام طهران ورقة مضيق هرمز، بدأت التداعيات تضرب حتى الدوائر الأقرب إلى إيران، فالحلفاء الذين سعوا في البداية إلى الحفاظ على مقاربة متوازنة وتجنب الصدام العلني، وجدوا أنفسهم تدريجيًا يكتوون بنيران الورقة ذاتها، لتلوح في الأفق ملامح توتر مكتوم، لا يزال محكومًا بحسابات دقيقة تحرص على عدم الذهاب بعيدًا في إظهار الخلاف، حفاظًا على العلاقات مع طهران وما تمثله من أهمية استراتيجية بالنسبة إليهم.
ومع ذلك، فإن استمرار تصاعد الكلفة لا يمكن عزله عن التحولات الجارية في مواقف هذه الدول، فالتململ الذي ظل لفترة طويلة حبيس الإشارات الدبلوماسية والتحذيرات غير المباشرة، بدأ يشق طريقه إلى العلن تدريجيًا، وكانت البداية مع التحذيرات الصينية من تداعيات إغلاق المضيق، وهي تحذيرات لم ترقَ بعد إلى مستوى الخطوة السياسية الصريحة، قبل أن تتخذ الهند منحى أكثر وضوحًا حين استدعت السفير الإيراني لديها، في مؤشر لافت على أن منسوب الانزعاج تجاوز حدود القلق النظري إلى التعبير الدبلوماسي المباشر.
ويعكس هذا التحول في المواقف الصينية والهندية، ومعهما روسيا بدرجة أقل وضوحًا، حالة امتعاض متنامية من الطريقة التي تدير بها إيران ورقة مضيق هرمز، فالمضيق لم يعد مجرد أداة ضغط إيرانية في مواجهة خصومها، بل تحول، مع تكرار تعطيله، إلى تهديد مكلف لأحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، بما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على مصالح الحلفاء أنفسهم.
ومن ثم، يبدو مرجحًا أن يفضي استمرار هذا المسار إلى ضغوط متزايدة تمارسها تلك الدول على طهران، لحملها على إعادة النظر في طريقة استخدام هذه الورقة، بعدما تجاوزت كلفتها حدود الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل، وباتت ترتد على الحلفاء قبل الخصوم.
مأزق طهران
تراهن طهران بدرجة كبيرة على طبيعة المقاربة التي يتبناها حلفاؤها في إدارة الموقف من معركتها المفتوحة مع الولايات المتحدة، انطلاقًا من قناعة راسخة لديها بأن بقاءها قوة ردع فاعلة في مواجهة التمدد الأمريكي، وقدرتها على استنزاف القدرات الأمريكية ورفع كلفة الاشتباك معها، يمثلان مصلحة استراتيجية لكل من موسكو وبكين على وجه الخصوص.
فإيران تدرك أن موقعها في هذه المواجهة لا يُقرأ فقط من زاوية مصالحها الوطنية المباشرة، بل أيضًا من زاوية ما تمثله بالنسبة إلى القوى الكبرى المناوئة لواشنطن، بوصفها حاجزًا يعرقل انفراد الولايات المتحدة بترتيب موازين المنطقة.
وفي هذا السياق، تتقاطع رؤية طهران مع حسابات حلفائها في كل من موسكو وبكين، إذ ينظر الجميع إلى مضيق هرمز باعتباره الورقة الأكثر فاعلية في يد إيران، والأداة الأشد قدرة على إرباك أمريكا وإلحاق خسائر استراتيجية بمصالحها وحضورها في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، تبدو طهران مقتنعة بأن التفريط في هذه الورقة أو تحييدها بالكامل من شأنه أن يمنح واشنطن، وخصوصًا إدارة دونالد ترامب، مساحة أوسع للإجهاز على ما تبقى من عناصر القوة الإيرانية، بما يفتح الباب أمام تمدد أمريكي أعمق في نطاق جيوسياسي تنظر إليه موسكو وبكين باعتباره جزءًا حساسًا من توازناتهما الدولية ومجالًا لا يمكن التسليم به للنفوذ الأمريكي المنفرد.
غير أن المبالغة في التعويل على هذه المقاربة تحمل في طياتها قدرًا كبيرًا من المخاطر، فاستمرار استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط قصوى، في ظل الكلفة الاقتصادية والسياسية المتصاعدة التي يدفعها الحلفاء أنفسهم، قد يضع طهران أمام معادلة شديدة التعقيد، فهي من جهة، لا تريد خسارة حلفائها أو دفعهم تدريجيًا من موقع الدعم إلى موقع القلق والانزعاج، ومن جهة أخرى لا تملك ترف التخلي عن هذه الورقة، باعتبارها الأثقل وزنًا على طاولة التفاوض، والأكثر تأثيرًا في مسار المواجهة مع الولايات المتحدة.
وبين هذين الحدّين، تبدو إيران مطالبة بإدارة توازن بالغ الحساسية، يستند إلى ركيزتين أساسيتين، الحفاظ على فعالية هرمز كورقة ردع، من دون أن يتحول استخدامها المفرط إلى عبء يستنزف رصيدها لدى شركائها قبل أن يرهق خصومها.
السير على الحبل المشدود
بطبيعة الحال، تدرك طهران جيدًا حجم الضغوط التي يمارسها حلفاؤها عليها لمراعاة حساسية توظيف ورقة مضيق هرمز، بحيث لا تتحول هذه الأداة من وسيلة ضغط على الخصوم إلى عبء يرتد على الشركاء أنفسهم، ومن هذا المنطلق، تحاول استخدام أقصى ما تملك من أدوات لرفع الكلفة الاقتصادية واللوجستية على الولايات المتحدة وحلفائها عبر المضيق، على أمل أن يدفع ذلك القوى الدولية إلى ممارسة ضغوط موازية على واشنطن من أجل وقف الحرب وإنهاء مسار التصعيد.
وفي المقابل، تبدو إيران حريصة، قدر الإمكان، على عدم الذهاب بعيدًا في التصعيد باستخدام هذه الورقة، إدراكًا منها أن الإفراط في توظيفها قد يترك أثرًا سلبيًا مباشرًا على علاقاتها مع حلفائها، ولهذا، من المرجح أن تسعى إلى اتباع سياسة أكثر انتقائية في إدارة حركة العبور، عبر إبداء قدر من التسهيلات لبعض المسارات والسفن، ولا سيما تلك التي لا ترتبط مباشرة بخصومها الأساسيين في هذه الحرب، الولايات المتحدة وإسرائيل، مع احتمال منح السفن المرتبطة بالصين وروسيا والهند مساحة أكبر من التيسير، بما يخفف جزئيًا من كلفة استخدام المضيق على هذه الدول ويحافظ على الحد الأدنى من التوازن في علاقاتها معها.
غير أن الخطر الأكبر الذي يهدد هذا المسار يتمثل في احتمال تجاهل واشنطن لهذه الرسائل، واستمرارها في نهج التصعيد أو رفع مستواه، بما قد يدفع طهران إلى الانتقال نحو استخدام أكثر حدة وشمولًا لورقة هرمز، وربما معها ورقة باب المندب، حتى وإن ترتب على ذلك توسيع دائرة الضرر لتشمل حلفاءها أنفسهم.
وهنا تحديدًا قد تتحول هذه الورقة إلى سلاح ذي حدين، فهي من ناحية تمنح إيران قدرة كبيرة على الضغط والمناورة، لكنها من ناحية أخرى قد تنقلب إلى عامل استنزاف سياسي واستراتيجي إذا لم تُدار بحسابات دقيقة، وبتنسيق مسبق مع الحلفاء، حتى لا تنتهي نتائجها إلى ما هو عكسي، فتقوض رصيد إيران لدى شركائها بدل أن تعزز موقعها في مواجهة خصومها.. فهل تنجح طهران في إدارة هذا الملف بالحساسية المطلوبة؟



