
مبادئ المفاوضات الأمريكية ـ الإيرانية وهدنة الـ 60 يومًا
د. هاني الحديثي
تشير تقارير مفيدة حول التداعيات الإقليمية والدولية إلى ما كنا قد توقعناه قبل أيام؛ فالاتفاق النهائي ليس وشيكًا، وإنما هو أقرب إلى مشروع إطاري أو مدخل أولي لمفاوضات لاحقة، بعد فتح المرور المؤقت في مضيق هرمز، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، مقابل إعلان وقف شامل للعمليات العسكرية.
غير أن الخلاف لا يزال قائمًا حول وضع القتال بين إسرائيل وحزب الله في جنوب لبنان، حيث برز موقف جديد لحزب الله يرهن لبنان كله بوقف الحرب مع إيران، ويزيد من مطالبه بإيقاف المفاوضات الحكومية اللبنانية مع إسرائيل، وإلا فإنه يهدد بالنزول إلى الشوارع وإسقاط الحكومة بأكملها.
وهذا هو الخطاب ذاته الذي اعتدنا سماعه باستمرار في عهد السيد حسن نصر الله، حيث التهديد والوعيد. وليس غريبًا أن يأتي ذلك عقب تأكيدات رسمية من إيران، ومن بينها تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي، باستمرار الدعم والتأييد لحزب الله، في خرق واضح، وقلة احترام للدولة اللبنانية وما يُدعى بالسيادة اللبنانية.
لذلك، فإن موضوع امتلاك إيران برنامجًا نوويًا، ونِسَب التخصيب، ومصير الغبار النووي، يتوقف على مجرد تعهدات إيرانية «مضمونة» من قوى دولية، منها الصين وباكستان.
كما تُرحَّل مسائل أخرى إلى مفاوضات فرعية تتعلق بمنظومة الصواريخ ووكلاء إيران في محيطها الإقليمي العربي؛ بمعنى تأجيل القضايا الرئيسية التي قامت لأجلها الحرب إلى مرحلة المفاوضات، وما قد تشهده من إطالة أمد ومشاريع متداخلة ربما تستغرق وقتًا طويلًا، وليس كما يتأمل الرئيس ترامب.
ما تقدم يأتي في ظل متغيرين مهمين:
الأول: تصاعد الضغوط الدولية لفتح ممرات الملاحة والتجارة الدولية، وضمان المرور الآمن للنفط والطاقة، في ظل تصاعد مشاكل الأسعار عالميًا، وتأثيرها السلبي على مجمل الاقتصاد الدولي.
الثاني: بروز انقسامات داخل الحزب الجمهوري والإدارة الأمريكية بشأن نتائج الحرب، قياسًا بالمقاصد التي أعلنها ترامب في اليوم الأول للحرب، والتي تضمنت، إلى جانب ما تقدم، تغيير النظام السياسي في إيران، ونزع برنامجها النووي بالكامل، وضبط مديات وحجم الصواريخ الباليستية لديها، وتفكيك الأذرع الإيرانية في المحيط العربي.
تأسيسًا على ما تقدم، فإن التحول من مقاصد إدارة ترامب المعلنة إلى مجرد الاكتفاء بفتح مضيق هرمز، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، مع ربط مصير وقف إطلاق النار بمصير الحرب في جنوب لبنان حفاظًا على حزب الله، وترحيل القضايا الأساسية التي تسببت أصلًا في قيام هذه الحرب إلى المفاوضات اللاحقة، إنما يعني شيئًا واحدًا: أن الحرب لم تحقق أهدافها، رغم الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها إيران.
وما يدعم ذلك هو إعلان حزب الله اللبناني، ومعه فصائل مسلحة في العراق واليمن، استمرارهم في التصدي للقواعد الأمريكية ولإسرائيل، واستعدادهم لتحدي الحكومة اللبنانية والحكومات الأخرى في مسار التسوية السياسية مع إسرائيل. وهذا إنما يعني تعزيز شعار «وحدة الساحات» للأذرع الإيرانية دفاعًا عن إيران.
إن الأمر الأهم، من وجهة نظري، أن هذه الحرب ونتائجها وتداعياتها تحسم الموقف العربي «المشلول» حتى الآن نحو أحد سبيلين:
الأول: تعزيز التوجه والانخراط مع إسرائيل والولايات المتحدة في المشروع الإبراهيمي، كوسيلة لحماية الأمن العربي من تصاعد تهديدات المشروع الإيراني على مجمل بلدان المشرق العربي خاصة، وعموم العالم العربي عامة.
وبذلك تكون الحرب قد حققت وخدمت المشروع الإسرائيلي ـ الأمريكي، ليس أكثر، سواء كان ذلك عن سابق تخطيط أو مجرد تداعيات للحرب.
الثاني: تلاقي إرادات عربية ـ عربية نحو تشكيل تكتل عربي حقيقي وجاد لبلدان المشرق العربي، يأخذ على عاتقه التمكن من مواجهة تهديدات مشروعين خطرين على الأمن العربي:
الأول: المشروع الإسرائيلي، الساعي إلى إقامة مشروع الشرق الأوسط الكبير بقيادة إسرائيلية وبدعم أمريكي.
والثاني: مشروع ولاية الفقيه العقائدي، الذي يسعى، عبر العديد من الوسائل الصلبة وغير الصلبة، إلى إعادة بناء مشروع إقليمي كبير بقيادة إيرانية «أم القرى»، تحت واجهة ومزاعم فلسطين والأقصى.
إن ذلك لا ينفي، بالطبع، إمكانية دخول قوى إسلامية غير عربية، كباكستان وتركيا، على خط التشكلات المتصورة في الإقليم العربي.
وبذلك، فإن المنطقة تشهد إعادة تشكل جيوسياسي يفرض نفسه فرضًا.



