قضايا وتحليلات

بين الترفيه والمساءلة.. “برشامة” يعيد الجدل للسينما المصرية

أثار فيلم “برشامة”، المعروض حاليًا في دور السينما المصرية، حالة واسعة من الجدل داخل الشارع المصري، بعدما تصدّر مساحات النقاش على منصات التواصل الاجتماعي، وانقسمت الآراء حوله بين من اعتبره عملًا كوميديًا شعبيًا مقبولًا يراهن على الضحك الخفيف، ومن رأى أنه أقل فنيًا مما رافقته من دعاية، فضلًا عن اشتباكه مع بعض القضايا الاجتماعية الحساسة.

وينتمي الفيلم إلى نوعية الأعمال الكوميدية، وهو مصنّف عمريًا +12 عامًا، ويضم في بطولته عددًا من النجوم، بينهم: هشام ماجد، مصطفى غريب، ريهام عبد الغفور، حاتم صلاح، باسم سمرة، عارفة عبد الرسول، فاتن سعيد، كمال أبو رية، ميشيل ميلاد، وفدوى عابد، من تأليف أحمد الزغبي وشيرين دياب، وإخراج خالد دياب، وقد بدأ عرضه الأول في موسم عيد الفطر، واستمر حضوره في دور العرض حتى موسم عيد الأضحى.

نجح “برشامة” في إعادة السينما المصرية إلى مساحة الجدل والاشتباك المجتمعي، بعد سنوات بدا فيها كثير من الأعمال أسيرًا لقوالب آمنة لا تثير نقاشًا واسعًا

وحقق الفيلم منذ طرحه إيرادات بلغت نحو 213 مليونًا و414 ألف جنيه مصري، أي ما يقارب 4.08 مليون دولار، مقابل بيع نحو مليون و525 ألف تذكرة. إلا أن عددًا من دور العرض قرر خلال الأيام الماضية رفع الفيلم من شاشاته، في ظل المنافسة القوية بين الأعمال المشاركة في موسم عيد الأضحى السينمائي، وذلك وفقًا لما أكده الموزع السينمائي حسن عبد الفتاح.

ورغم تراجع حضوره في بعض دور السينما، فإن استمرار عرضه عبر بعض المنصات الرقمية أبقى حالة الجدل قائمة بين الجمهور المصري، لتتحول «برشامة» من مجرد تجربة كوميدية إلى مادة نقاش فني واجتماعي حول حدود الكوميديا، ومستوى التوقعات، وطريقة تناول القضايا الحساسة على الشاشة.

أحداث الفيلم

يدور فيلم “برشامة” داخل لجنة امتحان للثانوية العامة، مخصصة لطلبة المنازل في إحدى القرى النائية، حيث يجتمع طلاب قادمون من خلفيات اجتماعية وثقافية ودينية متباينة، لكنهم يتشاركون رغبة واحدة: تجاوز الامتحان بأي طريقة، حتى لو كانت عبر الغش.

في مواجهة هذه الفوضى، يقف مراقب اللجنة، الأستاذ سعد، الذي يجسده الفنان كمال أبو رية، والذي حاول تقديم نموذج مختلف، رجل شريف يتمسك بأخلاقيات الامتحان القائمة على النزاهة وعدم الغش، ورغم معاناته من آثار إصابة سابقة انعكست على صوته ومنحت الشخصية بعدًا كوميديًا خاصًا، فإنه يحاول ضبط اللجنة ومنع محاولات الغش.

غير أن الأحداث تنقلب رأسًا بشكل كبير حين يتعرض المراقب لأزمة صحية مفاجئة تجعله يبدو في عداد الأموات إكلينيكيًا، فتتحول اللجنة إلى ما يشبه المسرح المفتوح، يحاول الطلاب استغلال الموقف للحصول على الإجابات بكل الوسائل الممكنة، بل ويتفقون على عدم إبلاغ الإدارة التعليمية بما حدث إلا بعد انتهاء زمن الامتحان.

وسط هذه الفوضى، يظهر عبد الحميد، الذي يؤدي دوره هشام ماجد، بوصفه صوتًا معارضًا لمحاولات الغش، إذ يراها مخالفة شرعية وأخلاقية لا تجوز. ومن هنا تبدأ مواجهة طريفة ومتوترة بينه وبين باقي الطلاب، الذين يرون في موقفه تهديدًا لفرصهم في النجاح ومن ثم حاولوا مقاومته بشتى السبل، وصلت للتهديد بالقتل.

ومع تعثر خطط الغش وتصاعد الأزمات داخل اللجنة، تبدأ الشخصيات في مراجعة مواقفها، وتنكشف خلف كل طالب، بشكل درامي دراماتيكي، حكاية وضغط وحلم مهدد بالانهيار، تدريجيًا، تلين المواقف، ويتفهم البعض معاناة الآخرين، لتتحول الكوميديا الفوضوية إلى مساحة أكثر إنسانية.

ومع اقتراب نهاية الامتحان، تشهد الأحداث نقلات درامية مفاجئة تعيد تشكيل مصائر الشخصيات ومشاعرها، لينتهي العمل بانتصار القيم الإنسانية النبيلة والمبادئ الرفعية على الانتهازية والخوف والرغبة في النجاح بأي ثمن.

كوميديا شعبية خفيفة

يذهب فريق من المؤيدين لهذا العمل إلى أنه يقدم كوميديا شعبية خفيفة ومتوازنة، قريبة من المزاج العام للجمهور، وتعتمد على صناعة الضحكة السريعة من خلال مواقف طريفة وإفيهات مباشرة، بعيدًا عن التعقيد أو الثقل الدرامي، ويرى هؤلاء أن هذا النوع من الأعمال يتناسب مع طبيعة المرحلة الحالية، في ظل الضغوط اليومية التي يعيشها المصريون، وحاجتهم إلى مساحة من الترفيه والتخفف المؤقت من أعباء الحياة.

ومن زاوية أخرى، يعتبر المؤيدون أن الفيلم لم يكتفِ بتقديم الكوميديا من أجل الضحك فقط، بل اشتبك مع قضية اجتماعية حاضرة بالفعل، وهي ظاهرة الغش الجماعي داخل الامتحانات، وقدمها في إطار ساخر يفتح باب التأمل دون أن يفقد طابعه الكوميدي.

إساءة مجتمعية غير موفقة

على الجانب الآخر، يرى فريق من المعارضين أن العمل لم ينجح في تقديم معالجة موفقة، وأنه اقترب من بعض القضايا الاجتماعية الحساسة بطريقة أثارت تحفظات واسعة، ويذهب هؤلاء إلى أن العمل قدّم صورة ساخرة من الفلاحين وعاداتهم وتقاليدهم، بما يفتح باب التساؤل حول ما إذا كان الفيلم يطرح نقدًا اجتماعيًا حقيقيًا لبعض السلوكيات، أم أنه وقع، ولو من دون قصد، في فخ السخرية المباشرة من بيئة اجتماعية بعينها.

كما يرى المعارضون أن الفيلم اعتمد في مواضع عدة على إفيهات مباشرة ومبالغ فيها، وأن بعض الجمل والمواقف لم تكن موفقة فنيًا أو أخلاقيًا، لا سيما مع ما اعتبره البعض إيحاءات غير مقبولة.

وزاد من حدة الجدل اعتراض شريحة من الجمهور على توظيف بعض الرموز الدينية داخل السياق الكوميدي، مثل المسجد وشخصية الشاب الملتزم، وهو ما اعتبروه استدعاءً غير مناسب أثار غضبًا لدى بعض المتابعين.

ويتقاطع هذا الرأي مع اتجاه أوسع يرى أن مضمون الفيلم ومستواه الفني لم يكونا على قدر حجم الدعاية والتسويق اللذين سبقاه، إذ جاء العمل، في نظر هؤلاء، أقل كثيرًا من سقف التوقعات التي صنعها حضوره الإعلامي والجماهيري قبل وأثناء عرضه.

قراءة واحدة وزاويتين مختلفتين

من زاوية نقدية أخرى، ترى الصحفية المتخصصة في النقد الفني نجلاء أبو النجا أن “برشامة” قابل للقراءة عبر مستويين متباينين، المستوى الأول يتعامل معه بوصفه فيلمًا كوميديًا حقق نجاحًا جماهيريًا واضحًا، مستندًا إلى فكرة بسيطة لكنها تملك قابلية درامية كبيرة: لجنة امتحان واحدة تجمع نماذج إنسانية متناقضة تحت ضغط لحظة مصيرية.

ووفق هذه القراءة، نجح الفيلم في تحويل توتر الثانوية العامة وما يرتبط بها من خوف وطموح وضغط اجتماعي إلى مادة ساخرة، تكشف الصراع بين الرغبة في النجاح، وممارسة الغش، وحدود القيم داخل المجتمع.

أما المستوى الثاني، فينظر إلى الفيلم باعتباره عملًا جماهيريًا ناجحًا، لكنه لا يخلو من إشكاليات في المعالجة الفنية، فهناك من يرى أنه اعتمد أحيانًا على الفوضى والإفيهات المباشرة، مع احتمال سقوط بعض مشاهده في التعميم أو السخرية الزائدة من بعض البيئات والشخصيات.

ومن ثم، فإن الخلاف حول “برشامة” لا يتوقف عند سؤال بسيط: هل الفيلم مضحك أم لا؟ بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بوظيفة الكوميديا نفسها: هل استخدمها الفيلم لكشف خلل اجتماعي قائم، أم أنه أعاد إنتاج صور نمطية عن الريف والتعليم والتدين الشعبي؟

تشريح نفسي للمجتمع المصري

يرى الدكتور محمد المهدي، الأستاذ بجامعة المنصورة، أن الفيلم يتجاوز كونه عملًا كوميديًا عن الغش في الامتحانات، ليصبح تشريحًا نفسيًا لمجتمع يقدّس الشهادة على حساب الضمير، فقاعة الامتحان، في قراءته، تتحول إلى نموذج مصغر للوطن، حيث تتصارع القيم، وتتراجع النزاهة، وتصبح الغاية أهم من الوسيلة، فيما يتحول الغش من سلوك فردي منحرف إلى ثقافة جماعية شبه مقبولة.

ويشير المهدي إلى أن أخطر ما يكشفه الفيلم هو التشوه المعرفي لدى شخصياته؛ إذ لم يعد الغش يُرى كخطأ أخلاقي، بل كنوع من «الشطارة» أو الضرورة الاجتماعية، كما يفضح العمل عجز المنظومة التعليمية والرقابية، وانهيار الدور التربوي للأسرة، حين يصبح الأب شريكًا في تمرير الغش بدلًا من غرس قيمة الاجتهاد، فتنتقل الأزمة من الفرد إلى بنية التنشئة الاجتماعية نفسها.

ومن أكثر الدلالات إثارة في الفيلم، بحسب هذه القراءة، توظيف المسجد داخل سياق تسهيل الغش، لا بوصفه إساءة للدين، بل كفضح للتدين الشكلي حين ينفصل عن الأخلاق، كما يرصد العمل امتداد الظاهرة عبر الأجيال، من الطفل إلى الشاب إلى كبير السن، ويكشف في الوقت نفسه عدوانية الجماعة تجاه الشخص النزيه، لأن وجوده يذكّرها بانحرافها ويوقظ إحساسًا مكبوتًا بالذنب.

وتكمن قوة الفيلم، فنيًا، في حصر أغلب الأحداث داخل لجنة امتحان واحدة، بما يمنح العمل كثافة نفسية ويجعل القاعة أشبه بمختبر اجتماعي مغلق، ومن خلال مفارقات مثل بذل جهد هائل في الغش بدل الدراسة، ولافتة “مدرسة طه حسين الثانوية” كرمز لانهيار قيمة المعرفة، يتحول هذا العمل الفني  إلى مرآة اجتماعية تكشف كيف يصبح النجاح الشكلي أهم من العلم، وكيف تفقد المجتمعات بوصلتها حين تغتال الضمير باسم الشهادة.

في النهاية، نجح “برشامة” في إعادة السينما المصرية إلى مساحة الجدل والاشتباك المجتمعي، بعد سنوات بدا فيها كثير من الأعمال أسيرًا لقوالب آمنة لا تثير نقاشًا واسعًا. وبصرف النظر عن تباين الآراء حول مستواه الفني، يظل الفيلم حجرًا أُلقي في مياه راكدة، فحرّك أسئلة تتجاوز حدود الضحك إلى معنى الكوميديا، وحدود السخرية، ودور السينما في مساءلة المجتمع لا مجرد الترفيه عنه.

(الترا صوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى