مقالات

في “هدنة الضرورة” وهندسة الشرق الأوسط الجديد

تمر منطقة الشرق الأوسط اليوم بمرحلة مخاض جيوسياسي هي الأكثر تعقيداً منذ نهاية الحرب الباردة، حيث تتداخل خطوط الميدان المشتعلة مع حسابات الدبلوماسية السرية وخطوط الطاقة الدولية. ولعل ما كشفته مسودة الاتفاق الإيراني-الأمريكي المسربة مؤخراً لا يمكن تصنيفه كحدث تكتيكي عابر أو مجرد رغبة في تهدئة مؤقتة، بل يضعنا مباشرة أمام قراءة تفكيكية عميقة لما يمكن تسميته بـ “هدنة الضرورة الاستراتيجية”.

إنها هدنة تولدت من رحم الأزمات البنيوية للأطراف المتصارعة؛ حيث تبحث واشنطن عن مخرج آمن ومؤقت يقيها استنزافاً عسكرياً واقتصادياً مكلفاً في بيئة إقليمية باتت شديدة السيولة، بينما تعاين طهران في هذه التفاهمات طوق نجاة لا غنى عنه لإنقاذ اقتصادها الذي شلّته العقوبات، وحماية بنية نظامها السياسي من تآكل داخلي محتمل.

 إن هذه القراءة الاستراتيجية تحاول تفكيك المرتكزات الجيوسياسية لهذا الاتفاق، واستشراف معالم الهندسة الإقليمية القادمة من خلال تفكيك بنية التحالفات والصراع الدولي الراهن.

في أدبيات التاريخ السياسي والعلاقات الدولية، تظل القاعدة الثابتة هي أن العبرة ليست في المانشيتات العريضة أو البيانات الرنانة التي تعلن وقف إطلاق النار أو صياغة الاتفاقيات الإطارية، بل في شيطان البنود والمصطلحات الدقيقة التي تُنسج في الغرف المغلقة. والتاريخ يعلمنا أن الكلمة في المعاهدات الدولية قد تعادل في وزنها جيشاً كاملاً؛ تماماً كما حدث تاريخياً في مسار “مؤتمر الأسيتانة” الخاص بالأزمة السورية، حيث تحولت المصطلحات العائمة والمطاطية إلى أدوات جيوسياسية لإعادة فرز خرائط النفوذ وتثبيت واقع ميداني جديد على حساب القوى المحلية.

تطرح المسودة المسربة الحالية معضلات ميدانية بالغة التعقيد تصطدم مباشرة بالواقع المعاش:

 عقدة التخصيب واليورانيوم:كيف سيتم ضبط تجميد تخصيب اليورانيوم عملياً؟ وما هو المصير القانوني والتقني لكميات اليورانيوم عالي التخصيب التي تم إخراجها أو تخزينها بالفعل؟

مأزق معادلة “وحدة الساحات”: هل تملك طهران القدرة الفعلية –أو الرغبة الاستراتيجية– على ضبط وكلاءها الإقليميين وفواعلها من غير الدول (مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والفصائل في العراق)؟ إن محاولة تفكيك هذه العقد الميدانية تبرهن على أن أي اتفاق لن يكون أكثر من حبر على ورق ما لم يُترجم إلى آليات رقابة صارمة، وهو أمر يبدو شبه مستحيل في ظل تضارب الإرادات الحالية.

من الأخطاء القاتلة في الحسابات الاستراتيجية المراهنة على أن القوى الدولية الكبرى يمكن أن تخوض حرباً وجودية بالوكالة عن حلفائها الإقليميين. إن تقديم طرح قائم على الواقعية السياسية الشديدة   (Realpolitik)  يفرض علينا فحص حدود الدعم الذي يقدمه المحور الروسي-الصيني لإيران.

القاعدة الذهبية في تاريخ العلاقات الدولية: “الفواعل الدولية الكبرى قد تساعدك على الصمود اللوجستي، والعسكري، والدفاعي لرفع قدرتك على التحمل والمناورة، لكنها لن تقف أبداً في خطوط المواجهة الأمامية لتقاتل بدلاً منك”.

إن موسكو، المستنزفة في حربها الطويلة في أوكرانيا، وبكين، المستغرقة في بناء ترسانتها واقتصادها، تريان في إيران حليفاً جغرافياً مهماً لإشغال الولايات المتحدة وإنهاكها استراتيجياً. لكن في اللحظة التي تقترب فيها المواجهة من شفا حرب عالمية مدمرة، فإن الصين لن تضحي بممراتها التجارية العالمية، وروسيا لن تغامر بفتح جبهة كبرى ومباشرة مع الناتو من أجل عيون المشروع الإقليمي الإيراني. من هنا، تصبح الهدنة حاجة إيرانية ملحة لإدراكها أن حدود الدعم الدولي لها سقف لا يمكن تجاوزه.

هنا يبرز الدور الصيني كلاعب عبقري يتحرك في الظل ويمسك بخيوط اللعبة من وراء ستار كثيف. إن الصين لا تجلس بشكل مباشر على طاولة المفاوضات الثنائية بين واشنطن وطهران، لكنها تدير المشهد عبر قنوات دبلوماسية دائرية غير مباشرة، تمثل باكستان وإيران ركيزتيها الأساسيتين في جنوب وغرب آسيا. فباكستان، التي تمثل تاريخياً الجسر الجيوسياسي الذي عبرت منه واشنطن نحو بكين في سبعينيات القرن الماضي عبر “دبلوماسية كيسنجر”، تلعب اليوم دور الحديقة الخلفية والقناة الصامتة لتبادل الرسائل وضمان عدم انفجار الأوضاع بين المحورين، مستغلة علاقاتها الأمنية مع طهران وعلاقاتها الاستراتيجية العميقة مع بكين عبر الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)..

ولفهم هذا السلوك الصيني الراهن، تحتم علينا الصنعة التاريخية عقد مقاربة تاريخية دقيقة مع دور الصين في حرب فيتنام (1955-1975):

في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، لم تدخل الصين حرب فيتنام بجيوشها الجرارة في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، بل اعتمدت استراتيجية “الإسناد الجغرافي والدعم اللوجستي المستدام”. كانت بكين تمد شمال فيتنام بالمهندسين، والمعدات، والسلاح، والغطاء السياسي، محولةً فيتنام إلى مستنقع استنزاف هائل للقوات الأمريكية. كان الهدف الصيني حينها هو إشغال واشنطن واستنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية بعيداً عن الحدود الصينية المباشرة، مما أجبر الولايات المتحدة في النهاية على تقديم تنازلات تاريخية والاعتراف بالصين شعبياً ودولياً.

اليوم، تعيد بكين تطبيق ذات “الماتريكس” أو المصفوفة التاريخية في الشرق الأوسط ولكن بأدوات العصر. إن الدعم الصيني غير المباشر لإيران –عبر توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية لمدة 25 عاماً وشراء النفط الإيراني رغماً عن العقوبات– يهدف بالدرجة الأولى إلى الحفاظ على إيران كـ “مصدة صدمات” وساحة استنزاف كبرى للولايات المتحدة. من خلال هذه الهندسة، تضمن الصين بقاء الولايات المتحدة مقيدة ومستنزفة مالياً وعسكرياً ودبلوماسياً في ملفات الشرق الأوسط وصراعاته الحتمية، الأمر الذي يؤخر ويعيق استراتيجية “الاستدارة نحو آسيا” (Pivot to Asia) التي تحاول واشنطن تطبيقها لمحاصرة التنين الصيني في بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان. إن إيران اليوم، في المنظور الصيني، هي “فيتنام الشرق الأوسط الجديد” التي تُستنزف فيها الإرادة الأمريكية بذكاء وهدوء.

على الجانب الآخر، لا تقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي؛ فهي تعي جيداً أبعاد المناورة الصينية. لذا، فإن اندفاع واشنطن نحو هذه الهدنة يندرج ضمن استراتيجية كبرى لـ قطع الربط الجيوسياسي والتاريخي للمحور (الروسي-الصيني-الإيراني) ومنع تشكل كتلة أوراسية صلبة تسيطر على قلب العالم.

تسعى الولايات المتحدة عبر أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية إلى خنق الاقتصاد الصيني من خلال التحكم بالممرات البحرية الحيوية ومضايق الطاقة العالمية، ومحاولة إيجاد بدائل لخطوط الإمداد التقليدية. وبالتوازي مع هذا الخنق في الشرق، تتحرك واشنطن بقوة لإعادة ترتيب وضبط حديقتها الخلفية في أمريكا اللاتينية (وتحديداً في كوبا وفنزويلا)، مفعّلة في ذلك نسخة عصرية ومحدثة من “مبدأ مونرو” (Monroe Doctrine ) التاريخي، والذي يرفع شعار “أمريكا للأمريكيين” لمنع أي تغلغل أو تموضع عسكري أو اقتصادي صيني-روسي في القارة اللاتينية، مما يسمح لواشنطن بالتفرغ الجزئي للمواجهة الكبرى.

إننا نقف بكل وضوح أمام مشهد دولي وإقليمي يعاد رسم خطوطه بالمسطرة والفرجار الجيوسياسي. إن الهدف النهائي والخطير غير المعلن لهذه الصراعات المفتوحة والهدن المؤقتة هو هندسة نظام إقليمي جديد (“الشرق الأوسط الجديد”)، تتبوأ فيه إسرائيل مركز الصدارة والقيادة كالمحور السياسي والاقتصادي والأمني الأوحد للمنطقة برمتها.

في قلب هذه الهندسة، يبرز “ميناء حيفا” ليتحول عبر خطوط الممرات الاقتصادية الدولية الناشئة (مثل ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا IMEC) إلى المركز الاستراتيجي اللوجستي الأول لربط تجارة الشرق القادمة من آسيا بأسواق الغرب في أوروبا. هذا المشروع لا يهدف فقط إلى دمج الكيان في نسيج المنطقة، بل يرمي بالأساس إلى تهميش وإضعاف الكيان الجغرافي والاقتصادي العربي والإسلامي، وإحالة الموانئ والممرات والمضايق العربية التاريخية (كقناة السويس وموانئ الخليج العربي) إلى مرتبة ثانوية.

أمام هذا الواقع الممنهج، يتأرجح استشراف المستقبل بين سيناريوهين لا ثالث لهما:

 1. السيناريو الأول: النجاح الحذر والملغوم للاتفاق الإطاري، وهو ليس سلاماً، بل مجرد “إدارة للصراع وتأجيل للانفجار” حتى تنضج ظروف مواجهة أخرى.

 2. السيناريو الثاني: الانهيار الشامل المفاجئ نتيجة حسابات خاطئة في الميدان من أحد الوكلاء، والعودة الفورية إلى المربع الصِفري المتمثل في المواجهة العسكرية المباشرة المفتوحة على كل الاحتمالات.

خلاصة واستشراف: صناعة الوعي كخط دفاع حتمي:

إن التاريخ السياسي يعلمنا أن العالم الجديد لا يعترف بالضعفاء ولا بالباكين على أطلال الاتفاقيات، والمرحلة الراهنة من عمر البشرية هي حرب إرادات وتموضع بامتياز. إن المشاريع العابرة للحدود –سواء كانت غربية، صينية، أو إقليمية– تمتلك خرائطها الجاهزة، وأمام هذه التحولات المزلزلة يصبح من نافلة القول التحذير من خطورة استمرار التشرذم الحالي.

تفرض المرحلة حتمية تجاوز الخلافات البينية وبناء حوار عربي-إسلامي جاد وعميق، يفضي إلى صياغة استراتيجية موحدة وجامعة لحماية مقدرات المنطقة، وممراتها المائية الحيوية، وأمنها القومي. إن صناعة الوعي الاستراتيجي الجمعي، وفهم التاريخ ومقارباته كأداة للمستقبل، هي خط الدفاع الأول والأخير لمنع تحويل منطقتنا وثرواتنا إلى مجرد بيادق فوق رقعة شطرنج القوى الكبرى.

*أستاذ مشارك التاريخ السياسي بجامعة ماردين آرتوكلو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى