
القرن الأمريكي بين الانهيار والعنصرية.. هل ودّعت واشنطن عرش الهيمنة؟
د. محمود سيد محمد
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، لم يعد السؤال حول مصير الهيمنة الأمريكية مجرد نقاش أكاديمي في مراكز الأبحاث، بل تحول إلى واقع ملموس تفرضه الأرقام، وتكشف تناقضاته السياسات العنصرية، وتفضح تكاليفه الباهظة الحروب الممتدة من الشرق الأوسط إلى آسيا. فمنذ نهاية الحرب الباردة، اعتبرت الولايات المتحدة نفسها “الشرطي الوحيد” للعالم، متشبعة بمبدأ “القوة التي لا تقهر” التي تخولها تدخلاً أحادياً في أي بقعة من الكوكب. لكن الرياح تغيرت؛ فصعود قوى جديدة، وتآكل الثقة بالدبلوماسية الأمريكية، وانكشاف حدود القوة العسكرية أمام صمود المحاور الإقليمية، كلها مؤشرات ترسم ملامح عصر جديد من التعددية القطبية. فهل انتهى فعلاً “القرن الأمريكي”؟ أم أن واشنطن ما زالت قادرة على ابتكار استراتيجيات جديدة لاستعادة زمام المبادرة؟
أولاً: الهيمنة الاقتصادية بين التفوق العددي والتراجع النسبي
لا يزال الاقتصاد الأمريكي يحافظ على لقب الأكبر في العالم، لكن السياق تغير جذرياً. وفقاً لأحدث بيانات صندوق النقد الدولي (IMF) لعام 2025، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة حوالي 30.77 تريليون دولار، مستحوذاً على ما نسبته 26% من إجمالي الناتج الاقتصادي العالمي. بيد أن هذه الأرقام، رغم ضخامتها، تخفي واقعاً مختلفاً تماماً عما كانت عليه الحال في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين كانت واشنطن تسيطر على أكثر من 40% من الاقتصاد العالمي.
اليوم، تقترب الصين بخطى ثابتة بقيمة ناتج محلي تبلغ 19.63 تريليون دولار، بينما تمثل مجموعة دول “بريكس+” الموسعة – التي تضم الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب إفريقيا ودولاً جديدة – بالفعل حوالي 29% من الاقتصاد العالمي، وهو رقم يتجاوز حصة أمريكا نفسها. بل الأكثر دلالة هو أن تحالف “بريكس+” بدأ يفرض أجندته الخاصة في مؤسسات التمويل الدولية، ويتداول في آليات بديلة لتقليل الاعتماد على الدولار، الذي كان الركيزة الأساسية للقرن الأمريكي. وهنا تبرز مفارقة خطيرة: فبينما تنفق واشنطن تريليونات الدولارات على تسليح جيشها، تصل خدمة الديون الفيدرالية إلى 970 مليار دولار في 2025، متجاوزة بذلك ميزانية الدفاع البالغة 954 مليار دولار، مما يكشف عن هشاشة مالية تهدد قلب القوة الأمريكية من الداخل.
ثانياً: السياسات العنصرية وأزمة القوة الناعمة
لم تكن الهيمنة الأمريكية تقوم على الاقتصاد والعسكر فقط، بل اعتمدت بشكل كبير على “القوة الناعمة” التي كانت تجذب الشعوب نحو النموذج الأمريكي. لكن هذه القوة تهاوت بشكل غير مسبوق في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي حوّل العنصرية إلى سياسة ممنهجة ومعلنة.
ثالثاً: الانقسام الداخلي… قنبلة موقوتة في القلب الأمريكي
ما يحدث داخل الولايات المتحدة لا يقل خطورة عن ما يحدث خارجها.
رابعاً: الصراعات الخارجية.. قبضة حديدية ممتدة على حساب الاستقرار
خلافاً للخطاب الداعي لتقليص الوجود الخارجي، كثفت إدارة ترامب التدخلات العسكرية في أكثر من جبهة.
خامساً: هل سقط “مبدأ القوة الذي لا تقهر”؟
لطالما استندت العقيدة الأمريكية إلى “مبدأ مونرو” وإلى استراتيجية الهيمنة العالمية.
وأخيراً: نهاية التفرد، لا نهاية الدولة
في المحصلة، لا تشير كل هذه الأرقام والمؤشرات إلى انهيار الولايات المتحدة كدولة عظمى، بل إلى نهاية مرحلة الهيمنة الأحادية.



