مقالات

 أمينة العناني: بطل المونديال

لحظات سعيدة ترجّ أرجاء النفس، غُلّفت بتفاؤل وأمل، والجميع يتمنى ويأمل أن تتمكن مصر من الصعود إلى دور الثمانية. لا يأس ولا إشارات محبطة، فالكل يظن أن الحلم قد يتحقق.

ساعد خروج كريستيانو رونالدو في زيادة الأمل بأننا سنتمكن من هزيمة ميسي، فالبطولة بدت بطولة أبطال أكثر منها مجرد مواجهات بين منتخبات. الجميع يتابع كل المباريات، يتوقع الجدول القادم، والفرق التي سنقابلها، ومن سيقابل من، وأي مواجهة ستكون صعبة، وأي لقاء سيكون ممتعًا، ومن يمكن هزيمته أو التعادل معه.

ليلة انتظرها المصريون

استعد جميع أفراد الشعب، دون استثناء، قبل أيام لمشاهدة مباراة مصر والأرجنتين. فمنهم من حجز مكانًا له ولأسرته أو أصدقائه في الكافيهات التي تذيع المباراة في مختلف أنحاء الجمهورية، ومنهم من دعا أفراد أسرته إلى منزله لمشاهدة المباراة معًا.

اصطفت المقاعد على المقاهي قبل موعد المباراة بساعات، والجميع يترقب وينتظر.

مرت الساعات سريعًا، والكل يتحرك إلى مكانه. ارتفعت الأعلام مرفرفة على الطريق، تصاحبها أصوات الأبواق:
“تت ترتتت مصر.. تت ترتتت مصر”.

كانت تنتشر في الأجواء روائح النصر، ولا يفصلنا عنها إلا أن يطلق الحكم صافرته.

من الهتاف إلى الصمت

في الدقيقة 15 من الشوط الأول، رجّت الهتافات الأرض بعد إحراز الهدف الأول. وتكررت الهتافات مرة بعد مرة، في كل مرة يتمكن فيها شوبير من صد هدف محقق.

وفي الدقيقة 67 من الشوط الثاني، زلزلت الأرض من الأصوات التي انطلقت كالرعد بين الحشود الغفيرة المنتشرة في كل مكان، بعد الهدف الثاني لمنتخب مصر.

إلى أن جاءت الدقيقة 79.

صمتت الأجواء الصاخبة. لم تعد هناك هتافات. صمت مطلق، وبعد استيعاب الصدمة، ردد الجميع: تحيا مصر.

إلا أن هدفًا صادمًا في الدقيقة 83 أخرس الهتافات مرة أخرى. وفي الدقيقة 93 مات الحلم، وعلا صوت القهر، معلنًا عن ظلم بيّن تعرض له المنتخب؛ ظلم لم يطله وحده، بل اغتال أحلام شعب، وقتل بلا رحمة أمل ملايين المصريين والعرب الذين تابعوا المباراة بشغف.

الهزيمة لم تكن هي الوجع الحقيقي

في اللحظات الأولى ظننت أن الخطأ من جانبنا، لأن الفريق تمركز عند مرمانا مدافعًا دون هجوم.

علّق كثيرون من حولي بأن لاعبينا أنهكهم المجهود المستمر، وأنهم غير مؤهلين للاستمرار في اللعب بنفس القوة والعزيمة طوال 90 دقيقة.

قال البعض إن الحكم الظالم هو السبب في الهزيمة، وأكد آخرون أن رفع علم فلسطين وتصريحات الكابتن حسام حسن عن فلسطين كانت سببًا في هذا العداء السافر من الحكم في قراراته.

كلها تعليقات وتصريحات حسب رؤية كل شخص، إلا أن أيًا منهم لم يكن يعلم ما يدور بداخلي.

لم تكن الهزيمة بالنسبة لي هي المشكلة الأساسية، بل كانت المشكلة الحقيقية أعمق من ذلك بكثير.

لحظة انكسار.. ثم يقين

في لحظة، مرت بي كل لحظات الصدمات في حياتي.

نعم، كنت أضع المنتخب وإنجازاته في المونديال نصب عيني، وكأنها حياتي التي تعثرت كثيرًا، وأخيرًا جاءت لحظة النصر وتحقيق الحلم.

نعم، كنت أتمنى أن ينتصر المنتخب، لأجد الفرصة سانحة أمامي كي أتمكن من تحقيق أحلامي، وهزم كل مستحيل يواجهني.

كان الصمت بداخلي أقسى من الصمت الذي غلّف المكان حولي. تسمرت قدماي على الأرض.

طالبني أصدقائي بالتحرك، فاستجبت لهم دون شغف. تحركنا، فوجدت الطرق من حولي يغلفها سواد غريب، مطعّم بكسرة النفس.

مرت لحظات وأنا صامتة، أفكر وأحاول استيعاب ما حدث، إلى أن هتف بداخلي صوت يردد بعض الآيات الكريمة:

“إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ”

“وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ”

“لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا”

تريثت قليلًا، وفكرت، ثم أيقنت أن الله لا يُحدث أمرًا إلا لخير.

مغانم الخسارة

وجدت أن المغانم التي حصلنا عليها بهزيمتنا تفوق كثيرًا المغانم التي كان يمكن أن تعود علينا بفوزنا.

ربما كان أهمها أن علم حبيبة الفؤاد، أرض المقدس، رفرف عاليًا أمام أعين كل ظالم ومستبد.

تصريحات الكابتن حسام حسن عن فلسطين، ومعاناة أطفالها وشعبها، رجّت أركان الكون.

أكد كثير من الخبراء والمحللين حول العالم أن هناك فسادًا في كأس العالم، وأن مصر تعرضت لظلم جائر، وأنها في أعين الجميع هي الفائز الحقيقي بالمباراة، بل إن البعض أكد أن مصر أجدر بلقب بطل المونديال.

وتردد بداخلي قوله تعالى:

“كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ”

لقد انتصر منتخب مصر بعدد أفراده القليل، وبث رسالة إلى العالم أجمع:

“إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”

تاريخ مصر في كأس العالم

حسب تقرير الفيفا، كان من المقرر أن تشارك مصر في النسخة الافتتاحية لكأس العالم في أوروجواي عام 1930، بناءً على دعوة من جول ريميه، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، رفقة مجموعة من المنتخبات الأوروبية على باخرة مشتركة من فرنسا، إلا أن القدر كان له رأي آخر؛ إذ تسببت عاصفة بحرية في تأخر وصول البعثة المصرية عن الموعد المحدد، فتخلفت عن المشاركة.

ثم تأهل منتخب مصر إلى كأس العالم في أربع نسخ بعد ذلك.

مونديال 1934

كانت المشاركة الأولى عام 1934، حيث أصبح منتخب مصر أول منتخب من الشرق الأوسط وإفريقيا يشارك في كأس العالم.

وجاءت المشاركة الأولى استثنائية بنظام خروج المغلوب من مباراة واحدة، وأوقعت القرعة المنتخب المصري في مواجهة المجر. ورغم الخسارة بنتيجة 4-2، فإن النجم عبد الرحمن فوزي دخل التاريخ كأول لاعب عربي وإفريقي يسجل هدفين في البطولة.

مونديال 1990

في نسخة عام 1990 بإيطاليا، وبعد غياب دام 56 عامًا، تأهلت مصر تحت قيادة المدرب الراحل محمود الجوهري.

أقيمت البطولة بنظام المجموعات، ووقعت مصر في مجموعة قوية، حيث حققت تعادلين تاريخيين: الأول سلبيًا أمام هولندا، والثاني إيجابيًا أمام أيرلندا، قبل أن تودع البطولة بخسارة وحيدة أمام إنجلترا بهدف دون رد، لتتذيل المجموعة بنقطتين.

مونديال 2018

في نسخة روسيا 2018، عادت مصر للمشاركة بعد غياب 28 عامًا، تحت قيادة المدرب الأرجنتيني هيكتور كوبر.

وُضعت مصر في المجموعة الأولى، وخسرت مبارياتها الثلاث أمام أوروجواي بهدف دون رد، وروسيا المستضيفة بثلاثة أهداف مقابل هدف، والسعودية بهدفين مقابل هدف.

وسجل هدفي مصر في هذه النسخة اللاعب محمد صلاح؛ هدفًا أمام روسيا وآخر أمام السعودية.

مونديال 2026

وفي البطولة الرابعة عام 2026، سجلت مصر تواجدها الرابع تاريخيًا في كأس العالم، في نسخة تميزت بتوسيع نظام البطولة ليشارك فيها 48 منتخبًا للمرة الأولى بدلًا من 32 منتخبًا.

وقد أقيمت المجموعات بتوزيع الفرق على مجموعات تتكون كل منها من 3 أو 4 منتخبات، لتبدأ معها مصر فصلًا جديدًا من الحلم الكروي، وتكتب حضورًا لا يُقاس فقط بالنتائج، بل بالموقف، والرسالة، والروح التي لا تنكسر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى