
الدولة المدنية الحديثة … محاولة أخرى للاقتراب
خالد فياض.. باحث سياسي في الشؤون العربية
تعرف الدولة المدنية بأنها الدولة التي تستمد شرعيتها من المجتمع ، وهي تكفل الحقوق والحريات وتحترم التعددية وتعمل على تجسيد سيادة القانون وتحقق المواطنة المتساوية.وتكمن أهمية الحديث عن الدولة المدنية الحديثة في كونها تمثل أداة لقياس مدى تحقق التعايش في اطار من التسامح وقبول الاخر داخل المجتمع الواحد .
ووفق هذا المعنى فان في حالة تحقق الدولة المدنية الحديثة فإنها تتسم بالديمومة والثبات ولا يتأتى لها ذلك الا من خلال ما يعرف بعملية المأسسة، وفي هذا السياق ينبغي التفريق بين مفهومين الأول هو المؤسسة حيث تعني ذلك الكيان الذي يقوم على تنظيم غالبية نشاطات أعضائه وفقًا لنموذج تنظيمي كفؤ يهدف إلى حل المشكلات الأساسية للمجتمع وتلبية حاجاته وتحقيق أهدافه في مجال محدد من المجالات، أما المفهوم الثاني فهو المأسسة والتي تعني فصل حقل السلطة العامة عن حقل العلاقات الاجتماعية الخاصة وإدارة المؤسسات وفقًا لمعايير تحدد الحقوق والواجبات بدقة وتفرض على الأفراد اختياريًا أو إجباريًا ، وهذه المعايير ليست معايير ذاتية او فردية بل هي معايير موضوعية تقوم على مبدا المواطنة المتساوية .
وهو ما يعني منع التداخل في المهام والاختصاصات بين المؤسسات المختلفة ليسهل التنفيذ وتحدد المسئوليات في نطاق كل سلطة وتفريعاتها بما يكفل إعمال مبدأ الرقابة على أدائها، وهو في الحقيقة فصل جزئي لأن الهدف النهائي هو تحقيق التكامل في الأداء بين كافة الأجهزة والمؤسسات.
ولضمان إيمان أبناء المجتمع بتلك الدولة فينبغي أولًا إعمال مبدأ سيادة القانون، فالقانون لفظ خاص له مدلول عام إذ يقصد به كافة النظريات التعاقدية المنبثقة عن القانون الأسمى وهو الدستور، والأصل في هذه العملية هو أن كل التشريعات وجدت لتحقيق الصالح العام المستوعب لكافة المصالح الخاصة والعامة، والدولة المدنية الحديثة لا تتحقق إلا بسيادة القانون والذي من الأهمية أن يتحول إلى سلوك وأخلاق تتبع طواعية وليس خوفًا من عقاب أو حبًا في مصلحة ذاتية ،وإن كان من الأهمية أن يتحقق ذلك من خلال سياسة شفافة ونزيهة وهي أحد العناصر الضرورية للحكم الرشيد والتي تثبت فاعلية الدولة المدنية الحديثة، ويقصد بها الوضوح فيما تقوم به المؤسسات كافة وعلاقتها مع المواطنين والمقيمين المنتفعين من خدماتها، وعلانية الإجراءات والغايات والأهداف، فهي تقوم على التدفق الحر للمعلومات المرتبطة بمصالح الناس مما يساعد على فهمها ومراقبتها لجعل مؤسسات الدولة أكثر فاعلية.
وهنا تتجسد الأهمية العميقة لأفراد المجتمع في تفعيل مبادئ الدولة المدنية الحديثة وضمان اقامتها من خلال المشاركة المجتمعية الفعالة والتي تعني العملية التي يلعب الفرد من خلالها دورًا مؤثرًا من أجل المجتمع وتكون لديه الفرصة بأن يسهم في مناقشة الأهداف والسياسات العامة والخاصة بذلك المجتمع وتحديد أفضل الوسائل لإنجازها، وقد تتم المشاركة من خلال أنشطة مباشرة مثل الانتخابات بكافة مستوياتها واشكالها أو غير مباشرة مثل التوعية الاجتماعية من خلال وسائل الإعلام، وبالتالي فإن المشاركة العامة تعني مساهمة الفرد بدور ما في المجال العام أو في الشأن العام المرتبط بالمؤسسات الحكومية وغير الحكومية .
وتمثل المشاركة العامة على مستوى الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني أداة أساسية لتفعيل الحراك الاجتماعي رأسيًا وأفقيًا فمن خلال هذه المشاركة يتم استيعاب التعدد والتنوع داخل كل إطار تنظيمي وبشكل أعمق وبصورة تثري حالة التعدد والتنوع في المجال العام، وتمكن من اكتشاف قيادات ذات كفاءة وفاعلية قادرة على تمثيل منظماتها في المناصب العامة.
ولا تأتي تلك المشاركة العامة الا من خلال التعايش مع الاخر والإيمان بالتعدد والتنوع وهو ما ييسر الطريق نحو إقامة الدولة المدنية الحديثة حيث يعني ذلك القبول المجتمعي بالحق في التعدد الاجتماعي والاعتراف بالآخر، واعتراف كل القوى والأطراف ببعضها بما يمثل الضمان الفعلي لتأسيس الدولة المدنية الحديثة بما تملكه من قدرة على قبول الآخر وعدم اقصائه ، فيتحقق بذلك التعايش الذي يمثل الشرط الموضوعي للاستقرار المجتمعي، وقد نجحت الدولة المدنية تاريخيًا في تحقيق التعايش المعبر عن الاعتراف بالتعددية في العديد من المجتمعات بفضل تلك الروح السائدة فيه.
ولكن نضوج تلك الدولة في الواقع المجتمعي فكرًا وممارسة لا تبدأ إلا من خلال تنوير الشعب بمجموعة الحقوق مقابل الواجبات، بحيث يكون المواطن قادرًا على المطالبة بحقوقه والحصول عليها، وتتولى مؤسسات التنشئة الاجتماعية تلك المهمة من خلال نشر الثقافة المدنية عبر وسائط التوعية ووسائل الاتصال الجماهيري، وكلما زاد الوعي بقيم تلك الدولة زادت معدلات المشاركة الواعية والفاعلة وانعكس ذلك إيجابًا على حدوث تطور ثقافي يؤدي إلى تطور مجتمعي عام بفعل التكامل بين البناء الفوقي والتحتي داخل الدولة .



