
صدام حفتر في موسكو.. ماذا تريد روسيا من ليبيا في معادلة اليوم التالي؟
د. عماد عنان
في زيارته الثانية إلى موسكو خلال ثلاثة أشهر، بحث نائب القائد العام لقوات شرق ليبيا، صدام حفتر، مع وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف، سبل تعزيز التعاون العسكري بين الجانبين، وذلك خلال اللقاء الذي جمعهما في العاصمة الروسية، الأربعاء 19 أغسطس/آب الجاري، والذي تناول كذلك آخر المستجدات على الساحة الدولية، وآفاق تطوير التعاون العسكري، بما يسهم في مواجهة التحديات الأمنية ودعم جهود حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة.
ولا يمكن التعاطي مع هذه الزيارة في إطارها البروتوكولي التقليدي فحسب، إذ تُقرأ في سياق أوسع باعتبارها جزءًا من تحوّل ملحوظ في طبيعة علاقة موسكو بشرق ليبيا، ومسعى روسي لإعادة صياغة تموضعها في الساحة الليبية وفق مقاربة مغايرة نسبيًا لتلك التي حكمت تحركاتها خلال السنوات الماضية، والتي استندت بدرجة كبيرة إلى منطق الاصطفاف والاستقطاب، وهي المقاربة التي أفرزت تحديات أمام موسكو في إدارة واحد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إليها، في ظل الأهمية الاستراتيجية واللوجستية التي تمثلها ليبيا للمصالح الروسية في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.
وتأتي الزيارة بناءً على دعوة رسمية روسية، عقب الزيارة السابقة التي أجراها نجل حفتر إلى موسكو في مايو/أيار الماضي، وفي وقت تشهد فيه الساحة الليبية حراكًا إقليميًا ودوليًا متسارعًا، وتنافسًا متزايدًا على إعادة ترتيب موازين النفوذ داخل البلاد، ما يثير الكثير من التساؤلات: ماذا تريد موسكو من صدام حفتر؟ وما الدلالات التي تحملها كثافة اتصالاتها به خلال الأشهر الأخيرة؟ وهل تعكس الزيارة ملامح مقاربة روسية جديدة تجاه الملف الليبي؟ وإلى أي مدى يمكن أن تؤثر هذه التحركات في مستقبل العلاقة بين موسكو وشرق ليبيا، وفي خريطة النفوذ الإقليمي والدولي داخل البلاد خلال المرحلة المقبلة؟
سياق مهم
لا يمكن قراءة الزيارة بمعزل عن سياقها المحلي والإقليمي والدولي شديد التعقيد؛ إذ تشهد الساحة الليبية خلال الفترة الأخيرة احتجاجات شعبية متصاعدة ضد حكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، على خلفية الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي وتراجع مستوى الخدمات والمرافق العامة، بالتزامن مع تصاعد التوترات الأمنية، التي بلغت حد استهداف منشآت نفطية وكهربائية في منطقة الزاوية بواسطة طائرات مسيّرة.
ويتزامن ذلك مع مؤشرات متزايدة على هشاشة المشهدين الأمني والسياسي، في أعقاب اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية في بنغازي، فضلًا عن محاولة محافظ مصرف ليبيا المركزي تقديم استقالته، وسط مخاوف من انزلاق الأوضاع إلى مسار أكثر خطورة، قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الفوضى والصدامات المسلحة، بما يهدد بتقويض مساعي التهدئة والاستقرار، وإعادة إنتاج سيناريوهات المواجهة الداخلية.
كما تأتي الزيارة في ظل حراك سياسي متصاعد بشأن الملف الليبي، غداة جلسة لمجلس الأمن أعلنت خلالها المبعوثة الأممية دراسة الانتقال إلى المرحلة التالية من خريطة الطريق السياسية، بما يشمل الدفع نحو توحيد الحكومة والمؤسسات، بالتزامن مع زيارة أخرى يجريها القائد العام لقوات شرق ليبيا، خليفة حفتر، برفقة نجليه، إلى القاهرة.
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية في توقيت تتكثف فيه المبادرات والتحركات الدولية الرامية إلى إعادة صياغة مستقبل المشهد الليبي؛ بدءًا من تحركات بعثة الأمم المتحدة، التي تدفع نحو خريطة طريق تستهدف إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وتوحيد المؤسسات عبر تشكيل حكومة موحدة، وصولًا إلى الجهود الأميركية التي يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، والرامية إلى الدفع نحو تفاهمات بين مركزي القوة الرئيسيين في شرق البلاد وغربها.
صدام.. قناة ليبيا الجديدة مع موسكو
أن توجه موسكو دعوتين إلى صدام حفتر لزيارتها في غضون ثلاثة أشهر، يلتقي خلالهما وزير الدفاع الروسي ومسؤولين بارزين في دوائر صنع القرار، فإن ذلك يشير، بصورة أو بأخرى، إلى رغبة روسية في ترسيخ نجل حفتر باعتباره إحدى القنوات الليبية الرئيسية في العلاقة مع موسكو، بل والتعامل معه بوصفه جزءًا من معادلة ما بعد خليفة حفتر، لا مجرد مبعوث عسكري يتحرك بالنيابة عن والده.
ولا يمكن قراءة الصعود السياسي والعسكري لصدام في المشهد الليبي باعتباره مسارًا فرديًا عابرًا أو تحركًا عشوائيًا، وإنما يأتي ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل مراكز القوة والنفوذ داخل ليبيا، مستفيدًا من نفوذ عسكري وأمني متنامٍ في شرق البلاد وجنوبها، ومن توسع أدواره داخل منظومة القيادة في الشرق، بما جعله خلال فترة وجيزة أحد الأرقام المؤثرة في معادلة القوة الليبية.
ويعزز هذه الفرضية الحراك الدبلوماسي المكثف الذي يقوم به صدام خلال الفترة الأخيرة، إذ تأتي زيارته إلى موسكو ضمن سلسلة من الاتصالات التي شملت قوى دولية وإقليمية رئيسية، في مقدمتها الولايات المتحدة وتركيا، فقد عقد لقاءات مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في بنغازي وميونخ، كما استقبله وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن، قبل أن يلتقي وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في أنقرة.
ويكتسب هذا الحراك دلالة إضافية في ظل زيارة وفد من الكونغرس الأميركي إلى بنغازي ومصراتة ضمن جولة ركزت على ملف توحيد المؤسسة العسكرية، بما يعكس اتساع دائرة الاهتمام الدولي بدور صدام حفتر داخل ترتيبات المرحلة المقبلة، ومحاولته في الوقت نفسه بناء شبكة علاقات متعددة الاتجاهات، لا ترتبط بمحور دولي واحد.
ومن ثم، فإن تقارب موسكو معه لا يبدو منفصلًا عن هذا المشهد، بل يمكن فهمه باعتباره محاولة روسية لضمان موطئ قدم مبكر داخل معادلة الخلافة والنفوذ في شرق ليبيا، والحفاظ على قنوات اتصال مباشرة مع شخصية مرشحة للعب دور أكبر في مستقبل الترتيبات العسكرية والسياسية، خصوصًا في ظل تسارع التحركات الأميركية والتركية والإقليمية حول الملف الليبي.
تشكيل ملامح العلاقة الروسية الليبية
تعكس الزيارة ملامح تحول واضح في طبيعة العلاقة بين موسكو وشرق ليبيا؛ وهي العلاقة التي اتخذت، خلال سنوات سابقة، من مجموعة «فاغنر» مرتكزًا أساسيًا للحضور الروسي، بعدما استند نفوذ موسكو في ليبيا بدرجة كبيرة إلى الدور الذي اضطلعت به المجموعة في تقديم الدعم العسكري والاستخباراتي لقوات خليفة حفتر.
غير أن المشهد يبدو اليوم مختلفًا نسبيًا، فمع تكثف الزيارات المتبادلة والانفتاح المباشر على شخصيات قيادية في شرق ليبيا، وفي مقدمتها صدام حفتر، بدأت العلاقة تتحرك تدريجيًا من نمط غير رسمي قائم على الوكلاء والأذرع المسلحة، إلى نمط أكثر مؤسسية ومباشرة، يقوم على التواصل بين مؤسسات رسمية وقيادات معترف بها داخل معسكر الشرق.
ويمنح هذا التحول الوجود الروسي في ليبيا غطاءً سياسيًا ومؤسساتيًا أكثر وضوحًا مقارنة بالمرحلة السابقة، التي ارتبطت بدرجة كبيرة بمظلات عسكرية غير نظامية، كما يكشف عن سعي موسكو إلى إعادة هندسة أدوات نفوذها داخل ليبيا، بحيث لا تبقى رهينة فاعلين غير رسميين، وإنما تنتقل إلى بناء علاقات أكثر استدامة مع مراكز القوة المحلية، بما يضمن استمرار حضورها العسكري والسياسي حتى مع تغير الأشخاص أو تبدل موازين القوى.
الانخراط في الحراك الدولي
تأتي الزيارة في وقت يتكثف فيه الحراك الأميركي والتركي والمصري لضبط بوصلة المشهد الليبي، والدفع نحو ترتيبات تستهدف توحيد المؤسسات وتقريب وجهات النظر بين أطراف الأزمة، أملًا في تسريع الانتقال نحو مرحلة أكثر استقرارًا وأقل صدامًا وفوضوية، بما يهيئ بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار وإعادة الإعمار، ويتيح للقوى الإقليمية والدولية تثبيت مصالحها ضمن ترتيبات المرحلة المقبلة.
ومن هنا، وفي ظل احتدام التنافس الدولي على الساحة الليبية، لا تبدو موسكو راغبة في الاكتفاء بموقع المراقب أو ترك عملية إعادة تشكيل المشهد الليبي تجري بعيدًا عن تأثيرها، وإنما تسعى إلى ضمان دور فاعل في صياغة الترتيبات المقبلة، انطلاقًا من الأهمية الاستراتيجية واللوجستية التي تمثلها ليبيا بالنسبة إلى المصالح الروسية؛ سواء باعتبارها نقطة ارتكاز حساسة على الضفة الجنوبية للمتوسط وفي مواجهة المجال الأوروبي، أو بوصفها حلقة وصل بالغة الأهمية مع العمق الأفريقي ودول الساحل.
وعليه، يمكن قراءة الانخراط الروسي المتزايد باعتباره محاولة لتثبيت موطئ قدم مؤثر في معادلة «اليوم التالي» للأزمة الليبية، وضمان ألا تُصاغ الترتيبات السياسية والأمنية الجديدة وفق رؤى وأجندات إقليمية ودولية تستبعد موسكو أو تقلص هامش نفوذها، فبالنسبة إلى روسيا، لا يتعلق الأمر بمستقبل ليبيا وحدها، وإنما بالحفاظ على إحدى أهم ساحات تموضعها الاستراتيجي في شمال أفريقيا، وبوابة رئيسية لامتداد نفوذها نحو منطقة الساحل والعمق الأفريقي.
نحو إعادة تموضع جديد
دفعت المستجدات المتسارعة التي شهدتها الساحة الليبية، إلى جانب تعدد الأجندات وكثافة الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة فيها، موسكو إلى إعادة النظر في مقاربتها تجاه هذا الملف، فلم تعد السياسة الروسية تقوم حصريًا على دعم معسكر الشرق وتعزيز النفوذ عبر مجموعة «فاغنر»، وإنما اتجهت تدريجيًا نحو مقاربة أكثر مرونة وتوازنًا، على غرار ما فعلته قوى إقليمية أخرى، وفي مقدمتها تركيا ومصر.
وعليه، لم يعد الرهان الروسي مقتصرًا على معسكر الشرق، إذ فتحت موسكو قنوات اتصال دبلوماسية مع حكومة طرابلس، وأعادت فتح سفارتها هناك، في محاولة لبناء قدر أكبر من التوازن والحفاظ على قنوات فاعلة مع مختلف مراكز القوة داخل البلاد، فالرؤية الروسية تتجاوز شرق ليبيا وحده، وتمتد كذلك إلى الجنوب، باعتباره بوابة استراتيجية نحو دول الساحل والعمق الأفريقي، وهو ما يفسر تنامي حضورها في عدد من مناطق الجنوب الليبي.
وتمنح هذه المقاربة موسكو جملة من المكاسب المتداخلة؛ فهي تتيح لها حضورًا سياسيًا أوسع لدى مختلف الأطراف، وتوفر أساسًا أكثر استدامة لوجود عسكري طويل الأمد، كما تمنحها منفذًا حيويًا نحو أفريقيا ومنطقة الساحل، فضلًا عن امتلاك ورقة ضغط إضافية في مواجهة أوروبا.
ولا تقف المكاسب الروسية عند الأبعاد السياسية والعسكرية فحسب، بل تمتد كذلك إلى المصالح الاقتصادية، لا سيما في قطاعات النفط والطاقة وإعادة الإعمار، بما يجعل الانخراط الروسي في ليبيا جزءًا من مقاربة أشمل تهدف إلى الجمع بين النفوذ السياسي والحضور العسكري والمصالح الاقتصادية ضمن معادلة واحدة.
(نون بوست)



